إلزام الورثة بقضاء دين مورثهم
إلزام الورثة بقضاء دين مورثهم
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
روى البخاري في صحيحه عن سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أتى جنازة ليصلي عليها فقال: (هل عليه من دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه ثم أتى بجنازة أخرى فقال: هل عليه من دين؟ قالوا نعم، قال: فصلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: علىّ دينه يا رسول الله، فصلى عليه) .
فعندما يموت الشخص تنتهي ذمته المالية وتصبح ديونه مستحقة أو حالة الأداء وتتعلق الديون بتركته، فلا تجوز قسمة تركته إلا بعد سداد ديونه، ويلزم ورثته ديانة بقضاء ديون مورثهم حتى لو لم تكن له تركة كي تبرا ذمة مورثهم أمام الله سبحانه وتعالى، أما أمام القضاء فلا يلزم الورثة بقضاء دين مورثهم الا اذا كانت له تركة والت اليهم هذه التركة، فيجب عليهم إخراج الدين من راس التركة قبل قسمتها، فاذا قام الورثة رغم ذلك بقسمة التركة قبل إخراج الدين من الرأس فانه يجب على الورثة قضاء دين مورثهم كل وارث على حدة بقدر ما آل إليه من أموال التركة،
حسبما ورد في الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 14-1-2012م في الطعن رقم (43764)، وقد ورد في الحكم المشار إليه:
(فإن نعي الطاعن في غير محله ، لأن الحكم الاستئنافي قضى بتعديل الفقرة الثانية من منطوق الحكم الابتدائي بأن يلزم فلان وفلان بتسليم نصف موضع... نصيب مورث المدعين وقسمة الموضع بين الورثة المدعين بحسب الفريضة الشرعية ، والزام الورثة المدعين بسداد دين مورثهم ثلاثمائة ريال فرانصاوي كل وارث بقدر نصيبه، لذلك فإن الحكم الاستئنافي جاء في نتيجته موافقاً لأحكام الشريعة والقانون فيما استند إليه ، وإن أسباب الطعنين كانت متعلقة في جملتها بالوقائع مما يستوجب رفضها موضوعاً)،
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: تعلق الدين بالذمة المالية للمورث أثناء حياته وتعلق الدين بتركة المورث بعد موته:
أثناء حياة المورث يتعلق الدين بذمته المالية،فإذا لم يكن هناك رهناً أو تأميناً عينيا للدين، فتكون كل اموال المدين ضمانا عاما للدين القائم بذمة المورث المدين، فعند عدم وجود رهن تكون أموال المورث كاملة ضماناً عاماً للدين الذي بذمة المورث للغير، ففي هذه الحالة يحق للدائن إذا حان تاريخ إستحقاق الدين ولم يقم المورث المدين بالوفاء بدينه إلى الدائن فيحق للدائن أن يطلب من القضاء إلزام المدين بالوفاء والتنفيذ على أي من أموال المدين للوفاء بالدين المستحق بذمة المدين المؤرث إذا لم يكن هناك رهنا ، اما إذا كان هناك رهنا فان الدائن يطلب من القضاء التنفيذ على الرهن.
اما في حالة موث المورث المدين فانه إذا مات المدين المورث وكإن الدين مضمونا برهن فيكون للدائن حق إمتياز على المال المرهون ، وبموجب ذلك يحق للدائن مطالبة ورثة المدين بالوفاء وإلا جاز للدائن طلب التنفيذ على المال المرهون لإقتضاء دينه، أما إذا لم يكن الدين مضمونا برهن فإن التركة كلها تصير ضماناً عاماً للدين، إذ يجوز للدائن التنفيذ على أي من أموال التركة لإقتضاء دينه.
الوجه الثاني: أثر موت المدين على الدين بذمته:
موت المدين يؤدي إلى إنتهاء ذمته المالية أي إنه لم يعد مالكاً لأمواله التي كانت تحت يده عند حياته، فتصير هذه الأموال تركة لورثته الشرعيين ، فيتم تقسيمها بينهم بحسب الأنصبة الشرعية، لكن موت المدين وإنتهاء ذمته المالية لايعني تخلص التركة من الدين، إذ ينتقل الدين إلى تركة المورث، فيجب على الورثة إخراج الدين من رأس التركة قبل قسمتها ، وفي هذا المعنى نصت المادة (302) من قانون الأحوال الشخصية اليمني على إنه (تتعلق بتركة الميت حقوق أربعة مقدم بعضها على بعض: -أ- إخراج مؤن التجهيز من الموت إلى الدفن ونفقة معتدة –ب- قضاء ما ثبت عليه من دين –ج- تنفيذ ما يصح من الوصايا –د- تقسيم الباقي بين الورثة).
وهذا يعني أن الورثة ملزمون بإخراج دين مورثهم من رأس التركة قبل قسمتها بينهم، فإذا تمت قسمة التركة من غير إخراج الدين فأنه يجب على الورثة سداد الدين كل وارث بحسب نصيبه من التركة التي تمت قسمتها عليهم.
الوجه الثالث: إذا لم يكن للمورث تركة فلا يلزم الورثة سداد دين مورثهم قضاء وإن كان ذلك لازما ديانة:
طالما أن دين المورث بعد موته متعلق بتركته ، وبما ان الذمة المالية للورثة تستقل عن الذمة المالية لمورثهم ، وحيث ان دين المورث بعد موته يتعلق بتركته ، فاذا لم يكن لمورثهم تركة: لذلك فان الورثة غير مسئولين امام القضاء عن سداد دين مورثهم (قضاء)، اما امام الله تعالى (ديانة) فإن الورثة يكونوا ملزمين بقضاء دين مورثهم كي تبرأ ذمته أمام الله تبارك وتعالى، والله أعلم.
![]() |
| إلزام الورثة بقضاء دين مورثهم |
مقالات ذات صلة:
