الإختصاص القضائي للجمعية العامة للمحكمة العليا في اليمن
الإختصاص القضائي للجمعية العامة للمحكمة العليا في اليمن
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
نصت المادة (29) من قانون السلطة القضائية اليمني على أن (تختص الجمعية العامة للمحكمة العليا بما يلي: -أ- النظر في الدعاوى التي تحيلها إليها إحدى دوائر المحكمة العليا إذا رأت هذه الدائرة العدول عن إجتهاد قضائي للمحكمة العليا)، وفي هذا السياق نصت المادة (302) من قانون المرافعات اليمني على إنه (إذا رأت إحدى دوائر المحكمة العليا أثناء نظر إحدى القضايا أن المسألة الشرعية والقانونية الواجب البت فيها سبق صدور أحكام مختلفة بشأنها أو رأت العدول عن إجتهاد قضائي سبق صدوره من المحكمة العليا فعليها رفع القضية إلى رئيس المحكمة العليا لعرضها على الجمعية العمومية للمحكمة العليا مجتمعة بما لا يقل عن ثلثي اعضائها ويصدر حكمها بأغلبية الأعضاء الحاضرين وعند التساوي يرجح الجانب الذي فيه الرئيس وتطبق ذات الأحكام السابقة في حالة صدور حكمين متعارضين من دائرتين مختلفتين من دوائر المحكمة العليا مالم يكن قد صدر الحكم الآخر بناءً على إلتماس بإعادة النظر)، وعملا بالنصين السابقين فان الجمعية العامة للمحكمة العليا لها ولاية في نظر بعض الطعون ، حسبما أشار الى ذلك الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 24-11-2012م في الطعن رقم (45593)، وقد سبق ذلك إحالة رئيس الجمهورية للتظلم من الحكم السابق الصادر عن المحكمة العليا،فقد احال رئيس الجمهورية التظلم الى المحكمة العليا التي احالته إلى الهيئة الخاصة المنصوص عليها في الفقرة (ب) من المادة (293) مرافعات ، وبدورها احالت هذه الهيئة القضية الى الجمعية العامة نظرا لصدور احكاما مختلفة بشان تلك القضية وفقا النصوص السابق ذكرها ، وبموجب تلك الاحالة صدر من الجمعية العامة للمحكمة العليا قرار بإعدام المتهمة قصاصاً وتعزيرا، وبعد صدور قرار الجمعية العامة للمحكمة العليا قامت المحكوم عليها برفع دعوى إنعدام قرار الجمعية العامة، على اساس انه صدر من جهة ليس لها ولاية قضائية ، حسبما ورد في دعوى الإنعدام، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (ولكل ما سلف بيانه يظهر جلياً أن قانون الإجراءات الجزائية قد عالج كل حالات الإنعدام ووضع الوسائل القانونية المناسبة لها، فليس في ذلك القانون ما يجيز رفع دعوى مبتدأة بإنعدام الأحكام الجزائية لعدم وجود قاعدة تجيز ذلك في قانون الإجراءات ، بخلاف قانون المرافعات الذي اجاز ذلك،، فإن وجد في الحكم الجزائي أية مخالفة ، فينبغي على المدعية سلوك طريق الطعن لمصلحة القانون بواسطة النائب العام)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: تشكيل الجمعية العامة للمحكمة العليا:
تتشكل الجمعية العامة للمحكمة العليا من رئيس المحكمة العليا ونوابه وقضاة المحكمة العليا العاملين فيها ، ويرأس الجمعية رئيس المحكمة العليا، وتعقد الجمعية اجتماعاتها بدعوة من رئيس المحكمة العليا بداءً على طلب ربع قضاتها على الأقل حسبما هو مقرر في المادتين (27 و 28) من قانون السلطة القضائية.
الوجه الثاني: الطبيعة القانونية للجمعية العامة للمحكمة العليا:
صرحت المادة (27) سلطة قضائية على أن الجمعية العامة للمحكمة العليا (هيئة قضائية موسعة) ، ومعنى ذلك إنه يجوز للجمعية النظر في الطعون أو الدعاوى المحالة إليها من دوائر المحكمة العليا ودراستها وإصدار القرارات اللازمة بشأنها، وبالنظر إلى المركز القانوني للجمعية العامة للمحكمة العليا ، فإن مركزها القانوني يكون في مكانة أعلى من دوائر المحكمة العليا، فالجمعية العامة تستمد مكانتها أو مركزها القانوني بإعتبارها السلطة الأعلى داخل المحكمة العليا، وعلى أساس أن قرارها هو الفيصل عند تعارض الأحكام أو إختلاف الإجتهاد القضائي، وقد منح القانون الجمعية العامة للمحكمة العليا هذا المركز القانوني المتميز كي تضطلع الجمعية بدورها في توحيد الإجتهاد القضائي ومنع تناقض الأحكام.
الوجه الثالث: الإختصاص القضائي للجمعية العامة للمحكمة العليا:
نظم قانون السلطة القضائية إختصاصات المحكمة العليا والإختصاص المناط بكل دائرة من دوائر المحكمة العليا، وفي سياق هذا التنظيم حدد قانون السلطة القضائية إختصاص الجمعية العامة للمحكمة العليا، وذلك في المادة (29) التي نصت على أن (تختص الجمعية العامة للمحكمة العليا بما يلي: -أ- النظر في الدعاوى التي تحيلها إليها إحدى دوائر المحكمة العليا إذا رأت هذه الدائرة العدول عن إجتهاد قضائي للمحكمة العليا .–ب- تنظيم سير العمل في دوائرها المختلفة وأية مسائل أخرى ينص عليها القانون).
ومن خلال إستقراء النص القانوني السابق يظهر إن ما ورد في الفقرة (أ) أو الأولى من النص السابق هو إختصاص قضائي محض، إذ تتولى الجمعية العامة دراسة الأوراق التي يشتمل عليها ملف القضية ومناقشتها للتحقق مما إذا كانت وقائع القضية وأدلتها تماثل أو تشابه وقائع القضية التي صدر في ضوئها الإجتهاد القضائي السابق، فإذا توصلت الجمعية إلى العدول عن الإجتهاد القضائي السابق فإنها تبين أسباب عدولها عن الإجتهاد السابق وأسباب أخذها بالإجتهاد الجديد.
كذلك الحال عند نظر الجمعية العامة في الأحكام المخالفة لبعضها عملاً بالمادة (302) مرافعات السابق ذكرها.
ويكون القرار الصادر من الجمعية ملزماً لكافة دوائر المحكمة العليا حتى لا يصدر حكم جديد يخالف الإجتهاد القضائي الذي توصلت إليه الجمعية في إجتهادها أو في قضائها في الفصل بين الأحكام المخالفة لبعضها.
الوجه الرابع: إجراءات نظر الجمعية العامة للمحكمة العليا للدعاوى والطعون المحالة عليها:
سبق القول أن الجمعية العامة تتشكل من كافة قضاة المحكمة العليا ونواب رئيس المحكمة برئاسة رئيس المحكمة العليا، وبالنظر إلى العدد الكبير لقضاة المحكمة العليا فأنه يتعذر عليهم جميعاً دراسة جميع أوراق ملف القضية والتداول بشانها ، ولذلك فإن الجمعية تفوض مجموعة من قضاتها لإعداد تقرير تفصيلي، وتتم المناقشة في ضوء ما ورد في التقرير، ووفقاً للقانون يتم إتخاذ قرارات الجمعية بالأغلبية، وفي هذا الشان نصت المادة (302) مرافعات في نهايتها في هذا المعنى على انه (ويصدر حكم الجمعية بأغلبية الأعضاء الحاضرين وعند التساوي يرجح الجانب الذي فيه الرئيس).
الوجه الخامس : تفويض الجمعية العامة لاختصاصها لرئيس المحكمة العليا:
نصت المادة (21) من قانون السلطة القضائية على أنه ( يجوز للجمعية العامة ان تفوض رئيس المحكمة العليا في بعض صلاحياتها التنظيمية ) ، فهذا النص صريح بان التفويض قاصر على بعض الصلاحيات التنظيمية للجمعية العامة ، وعلى ذلك اذا كان من الجائز أن تقوم الجمعية العامة بتفويض رئيس المحكمة العليا ببعض اختصاصاتها التنظيمية حسبما ورد في النص السابق ، بيد أنه لا يجوز للجمعية تفويض صلاحياتها القضائية لرئيس المحكمة العليا.
الوجه السادس: أهمية إستحداث دائرة في المحكمة العليا لتوحيد الإجتهاد القضائي وازالة التعارض بين الاجتهادات القضائية: وتوصيتنا للمقنن اليمني :
أناط قانون السلطة القضائية النافذ وفقاً للمادة (35) أناط بالمكتب الفني بالمحكمة العليا إستخلاص القواعد القضائية التي تقرها المحكمة العليا ونشر هذه القواعد، ، ومن جهة ثانية أناط القانون ذاته بالجمعية العامة معالجة توحيد الإجتهاد القضائي أو القواعد القضائية على النحو السابق بيانه ، ولا تثريب على القانون إذا ما أناط بالمكتب الفني إستخلاص القواعد القضائية، لكن القانون لم يكن موفقاً حينما أناط بالجمعية العامة توحيد القواعد القضائية أو الإجتهاد القضائي ، لأن العدد الكبير لاعضاء الجمعية العامة والإنعقاد المتباعد للجمعية العامة يجعل توحيد القواعد والاجتهاد القضائي بنظر الجمعية نوعاً من الفوضى والعبث ، فتوحيد القواعد القضائية يحتاج إلى عمل مؤسسي دائم ومنتظم ومنظم ، ولذلك ينبغي ان يسند هذا الأمر إلى هيئة قضائية فنية دائمة تتولى دراسة القواعد القضائية وتقديم المقترحات والمعالجات اللازمة لإزالة أوجه التناقض وتوحيد القواعد لقضائية ، وتكون هذه الهيئة ضمن قوام المحكمة العليا.
ولذلك فاننا نوصي: بأن يتم إسناد مهمة دراسة أوجه التعارض في الإجتهاد القضائي وتوحيد القواعد إلى المكتب الفني بالمحكمة العليا على أن يتم عرض نتائج أعمال المكتب على دائرة بالمحكمة العليا تسمى (دائرة توحيد القواعد القضائية) تتكون من رئيس المحكمة العليا ونوابه ورؤساء الدوائر فقط.
علماً بأن غالبية محاكم النقض او التعقيب او التمييز في الدول المختلفة تقوم بتشكيل دائرة دائمة تضطلع بتوحيد القواعد القضائية، تسمى دائرة توحيد المبادئ والقواعد القضائية، والله اعلم.
![]() |
| الإختصاص القضائي للجمعية العامة للمحكمة العليا في اليمن مقالات أخرى: |
