القاضي المختص بنظر النزاع بشأن أرض الدولة

 

 القاضي المختص بنظر النزاع بشأن أرض الدولة

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

قضى الحكم محل تعليقنا بأن أرض الدولة من الأموال العامة، ولذلك فإن الإعتداء عليها يعد جريمة تختص بنظرها  محاكم الأموال العامة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الإدارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 9-4-2003م في الطعن رقم (5189)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((بأنه متى كانت الأرض محل النزاع مالاً عاماً وكان محلها الجريمة، فينعقد الإختصاص بنظرها لمحاكم الأموال العامة))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:

الوجه الأول: ماهية الأرض التي تعد مالاً عاماً وفقاً لقانون أراضي وعقارات الدولة:

حددت المادة (6) من قانون أراضي وعقارات الدولة، حددت الأراضي التي تعد ملكاً عاماً، فقد نصت هذه المادة على أنه (يعد من أراضي وعقارات الدولة الخاضعة لأحكام هذا القانون ما يلي: -‌أ- الأراضي والعقارات التي تكون رقبة الملك فيها عائدة للدولة -‌ب- الأراضي والعقارات التي يثبت أنها مملوكة للدولة بأي سبب من أسباب التملك بموجب وثائق ومستندات وأدلة شرعية -‌ج- الأراضي والعقارات التي تشتريها الدولة او تستملكها للمنفعة العامة أو تؤول إلى الخزينة العامة استيفاءً لديون مستحقة لها بموجب أحكام شرعية نهائية -‌د-  الأراضي البور والأحراش والغابات مالم يتعلق بها ملك ثابت لأحد -‌هـ- الأراضي الصحراوية مالم يتعلق بها ملك ثابت لأحد -‌و- المراهق العامة -‌ز- الشواطئ ومحارمها والجزر وأشباه الجزر البحرية غير الآهلة بالسكان وسائر المناطق البحرية التي يجف ماؤها وتصبح يابسة وذلك وفقاً لأحكام هذا القانون -ح- الأراضي والعقارات التي لا يعرف مالكها أو لا وارث لها طبقاً لقواعد وأحكام الشريعة -‌ط- أية أراضي أو عقارات أخرى تعد وفقاً لأحكام القوانين النافذة أنها ملك للدولة)، ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر أن كل الأراضي والعقارات المذكورة في هذا النص من الأموال العامة.

الوجه الثاني: الأموال العامة وفقاً للقانون المالي وقانون تحصيل الأموال العامة:

عرَّف قانون تحصيل الأموال العامة عرَّف الأموال العامة في المادة (2) فذكر أنها (هي الأموال الواردة في المادة (٣) من هذا القانون، في حين نصت المادة (3) من القانون ذاته على أنه (مع مراعاة تحصيل كافة أنواع الواجبات الزكوية طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، تحصل وفقاً لأحكام هذا القانون ما يلي، وذلك في كل ما لم تنص القوانين الخاصة بها على تحصيله بطريقة أخرى -‌أ- كافة أنواع الضرائب والرسوم السيادية المباشرة وغير المباشرة، وكذلك كافة الغرامات والتعويضات والجزاءات المفروضة استناداً لأحكام قوانين إنشائها -‌ب- جميع أنواع الرسوم الخدمية المقرة قانوناً -‌ج- جميع عائدات ومبيعات أملاك الدولة الزراعية والعقارية والنفطية والثروات المعدنية ورؤوس الأموال المستثمرة في الهيئات والمؤسسات العامة والمختلطة والمحاجر والمقالع والغرامات والتعويضات والجزاءات المفروضة استناداً لأحكامها القانونية وغيرها من الأملاك والأموال العامة الأخرى طبقاً لقوانين إنشائها -‌د- الأموال العامة المنصرفة بدون وجه حق أو المختلسة والديون المستحقة -‌هـ- حصيلة ما يقدم للدولة ومؤسساتها من القروض والمساعدات والهبات والتبرعات النقدية والعينية وما يتبعها، وكذلك حصيلة ما تصدره الدولة من أذونات الخزينة العامة وشهادات الاستثمار، وكذلك ما تستعيده الدولة أو مؤسساتها من القروض التي منحتها للعاملين بها أو للأفراد أو الجهات الخاصة أو العامة -‌و- الأموال المستحقة الأداء لوزارة الأوقاف والمجالس المحلية وللإدارات والهيئات أو المؤسسات التي تعمل كلياً أو جزئياً بأموال عامة أو بكفالة الدولة أو بضمانتها ولا تدخل في ذلك المؤسسات التي تقضي القوانين العامة بتحصيل أموالها وفقاً لقواعد تسديد الديون التجارية، وفي جميع الأحوال يتم التحصيل بناءً على طلب أصولي من الجهة ذات العلاقة ولحسابها -‌ز- سائر الأموال الأخرى التي تنص القوانين الخاصة على وجوب تحصيلها وفقاً لأحكام هذا القانون)، ومن خلال مطالعة هذا النص يظهر أنه قد اقتصر على ذكر الأموال العامة المنقولة القابلة للقبض والتحصيل، فلم يشمل  الأراضي أو العقارات، اما القانون المالي فلم يتعرض لتعريف الأموال العامة.

الوجه الثالث : الأموال العامة في القانون الجزائي والقانون المدني :

لم يرد في قانون الجرائم والعقوبات وقانون الإجراءات الجزائية تعريف للمال العام، فقد اقتصر القانونان على تعريف الموظف العام والمؤسسة العامة، وربما ان القانونين تركا تعريف الأموال العامة للقانون المدني باعتباره القانون الأساس الذي ينظم الأموال وتقسيماتها وأحكامها .

وقد ذكر القانون المدني أقسام المال في المــادة(118) التي نصت على أن( ينقسم المال الى قسمين عام وخاص، فالمال العام هو كل مال تملكه الدولة او الاشخاص الاعتبارية العامة ويكون مخصصا للمنفعة العامة بالفعل او بمقتضى قانون او قرار وهذا المال لا يجوز التصرف فيه والحجز عليه ولا تملك الاشخاص له باي وسيلة مهما بقى عامّا ويجوز للاشخاص الانتفاع به فيما اعد له طبقا للقانون وما عدا ذلك من المال فهو مال خاص سواء تملكه الدولة او الاشخاص الاعتبارية العامة او تملكه احاد الناس) في حين بينت المادة (119) من القانون ذاته فقدان المال العام صفته، فقد نصت هذه المادة على أن( تفقد الاموال العامة صفتها بانتهاء تخصيصها للمنفعة العامة بالفعل او بمقتضى قانون او قرار لمصلحة عامة او بانتهاء الغرض الذي خصصت من اجله من المنافع العامة)، اما المادة (120) فقد اجازت للدولة التصرف باموالها، إذ نصت هذه المادة على أنه( يجوز للدولة والاشخاص الاعتبارية العامة التصرف في اموالها الخاصة بجميع اوجه التصرف المبيّنة في القانون وتعتبر الاراضي الموات التي لا يستاثر بحيازتها احد مباحة للجميع ويجوز للدولة والافراد تملكها بقدر الحاجة طبقا لما ينص عليه القانون في موضوع الاحياء والتحجر ).

وترجع أهمية تعريف الأموال العامة الى أن القانون يسبغ عليها نوعاً من الحماية القانونية بأعتبارها مخصصة لتحقيق المنفعة العامة ويخضعها لمجموعة من القواعد القانونية التي تكفل لها الحماية اللازمة ، بالأضافة الى أن المنازعات المتعلقة بها تخضع لأحكام القانون الأداري ولولاية القضاء ألأداري، فقد عرفت المادة 87 من القانون المدني المصري الأموال العامة بأنها ( تعتبر أموالاً عامة العقارات والمنقولات التي للدولة أو للأشخاص الأعتبارية العامة ، والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل ، أو بمقتضى قانون أو مرسوم او قرار من الوزير المختص).

أما بالنسبة للفقه والقضاء الأداريين فقد أستقر على تعريف المال العام بأنه ( كل مال مملوك للدولة ، أو أحد أشخاصها المعنوية العامة ، سواء اكانت أقليمية أو مرفقية بوسيلة قانونية مشروعة ، سواء كان هذا المال عقاراً أم منقولاً ، طالما أنه قد تم تخصيصه لتحقيق المنفعة العامة بموجب قانون أو نظام أو قرار أداري صادر عن جهة أدارية مختصة)، وقد عرفت  المادة 71 /1 من القانون المدني العراقي  عرفت الأموال العامة بانها ( تعتبر أموالاً عامة العقارات والمنقولات التي للدولة أو للأشخاص المعنوية العامة والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى القانون)، وعلى هذا الأساس فان الدولة تمتلك أموالاً عقارية و منقولة، فالأموال العقارية تتمثل بالطرق  ومباني الوزارات  المؤسسات والأراضي الأميرية ... الخ . أما الأموال المنقولة فتتمثل بأثاث المرافق العامة وأدواتها المختلفة والسلع التموينية المعدة للتوزيع وأوراقها المالية المودعة بالبنوك، (وسائل الادارة لازالة التجاوز على الاموال العامة، ذكرى عباس علي ناصر الديني، ص 7).

الوجه الرابع : الأموال العامة في قرار إنشاء محاكم الأموال العامة:

 تم إنشاء محاكم الأموال العامة وتحديد إختصاصاتها بموجب قرار رئيس الجمهورية رئيس مجلس القضاء رقم( 3 ) لسنة 1996م  الذي نص على ان(( - - )1) تنشا محاكم ابتدائية نوعية متخصصة تسمى محاكم الاموال العامة في كل من المحافظات التالية:-

امانة العاصمة.

محافظة صنعاء.

محافظة عـدن.

محافظة تعــز.

محافظة حضرموت.

محافظة الحديـدة.

مادة(2) تختص المحاكم المذكورة في المادة السابقة بالفصل في الاتي:-

كافة القضايا المتعلقة بالمال العام او ما في حكمه والجرائم الاقتصادية وكذا القضايا الماسة بالوظيفة العامة التي تقع من الموظفين العامين او من في حكمهم اثناء تاديتهم لوظائفهم او بسببها او من الافراد كما تختص بالفصل في الجرائم المرتبطة بها ارتباطا لا يقبل التجزئة.

القضايا المتعلقة بالضرائب والجمارك.

كافة الجرائم الماسة بالثقة العامة كالتزوير والتقليد والاصطناع والتزييف وكذا جرائم ترويج العملات المزيفة وجرائم النقد.

القضايا التموينية وقضايا الصحة العامة.

تختص هذه المحاكم بمحاكمة الفاعلين الاصليين والشركاء في الجرائم المشار اليها في هذا القرار.

مادة(3) يتحدد نطاق اختصاص محاكم الاموال العامة في المحافظات المنصوص عليها في المادة(1) من هذا القرار على النحو التالي:

محكمة الاموال العامة بامانة العاصمة وتشمل دائرة اختصاصها امانة العاصمة ومحافظتي صعدة ومارب.

محكمة الاموال العامة بمحافظة صنعاء وتشمل دائرة اختصاصها محافظات صنعاء وذمار والبيضاء والجوف.

محكمة الاموال العامة بمحافظة عدن وتشمل دائرة اختصاصها محافظات عدن ولحج وابين.

محكمة الاموال العامة بمحافظة تعز وتشمل دائرة اختصاصها محافظتي تعز واب.

محكمة الاموال العامة بمحافظة حضرموت وتشمل دائرة اختصاصها محافظات حضرموت وشبوه والمهرة.

محكمة الاموال العامة بمحافظة الحديدة وتشمل دائرة اختصاصها محافظات الحديدة وحجة المحويت.

مادة(4) يتبع في اجراءات المحاكمة القواعد والاجراءات المتعلقة بالمحاكمة المستعجلة المنصوص عليها في المادة(296) وما بعدها من القرار الجمهوري بالقانون رقم (13) لسنة 1994م بشان الاجراءات الجزائية.

مادة(5) تنشا بـكل محكمة مــن محاكم الاستئناف بالمحافظات المذكورة في المادة(1) من هذا القرار شعبة نوعية متخصصة تسمى شعبة الاموال العامة وتختص بالفصل استئنافيا في الاحكام والقرارات المتعلقة بالجرائم والمخالفات المشمولة باحكام هذا القرار)).

 ثم صدر قرار رئيس الجمهورية رئيس مجلس القضاء الأعلى رقم(32 ) لسنة 2001م  الذي نص على تعديل القرار السابق، فقد نص هذا القرار على أنه : ( المادة الاولى تعدل المواد(1-2-3-5) من قرار رئيس الجمهورية – رئيس مجلس القضاء الاعلى رقم (3) لسنة1996م بشان انشاء محاكم الاموال العامة وتحديد اختصاصاتها وذلك على النحو الوارد فيما يلي:-

مادة(1) ا.تنشا محاكم ابتدائية متخصصة تسمى محاكم الاموال العامة في امانة العاصمة وعواصم محافظات(عدن- الحديدة –حضرموت- تعز).

ب. تتالف هيئة الحكم فيها من قاضي فرد.

مادة(2) ا. تختص المحاكم المذكورة في المادة السابقة بالفصل في الاتي:-

كافة الجرائم الماسة بالمال العام وما في حكمه واموال الاوقاف.

القضايا المتعلقة بالضرائب والجمارك.

جرائم تزييف وترويج العملات.

الفصل في الجرائم المرتبطة بما ذكر في البنود السابقة ارتباطا لا يقبل التجزئة.

ب. كما تختص هذه المحاكم بمحاكمة الفاعلين الاصليين والشركاء في الجرائم المشار اليها في هذا القرار.

مادة(3) ا.يتحدد نطاق دائرة الاختصاص لمحاكم الاموال العامة المنصوص عليها في المادة(1) من هذه القرار على النحو التالي:

محكمة الاموال العامة بامانة العاصمة وتشمل دائرة اختصاصها امانة العاصمة

محاكم الاموال العامة بمحافظات عدن وتعز والحديدة وتشمل دائرة اختصاص كل منها المحافظة المنشاة فيها.

محكمة الاموال العامة بمحافظة حضرموت تحدد دائرة اختصاصها بعاصمة المحافظة المكلا.

ب. فيما عدا ما ذكر يكون الاختصاص بنظر القضايا المذكورة فــي المادة(2) من هذا القرار للمحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة في عواصم المحافظات والمديريات التي لا يوجد بها محاكم اموال عامة على ان يتولى الفصل فيها القاضي المختص بقضايا الاموال العامة في المحكمة الابتدائية فان لم يوجد فرئيس المحكمة.

مادة(4) يتبع في اجراءات المحاكمة القواعد والاجراءات المتعلقة بالمحاكمة المستعجلة المنصوص عليها في المادة(296) وما بعدها من القرار الجمهوري بالقانون رقم (13) لسنة 1994م بشان الاجراءات الجزائية.

مادة(5)ا. تختص محاكم الاستئناف( الشعب الجزائية) في المحافظات الواردة في المادة(1) من هذا القرار بالفصل استئنافا في الاحكام والقرارات الصادرة من محاكم الاموال العامة الابتدائية المتعلقة بالجرائم المشمولة باحكام هذا القرار ويجوز عند توفر عدد كاف من القضاة انشاء شعب متخصصة للاموال العامة.

ب. كما تختص محاكم الاستئناف الشعب الجزائية في بقية المحافظات بنظر قضايا الاموال العامة استئنافا الصادرة من المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة الواقعة في دائرتها.

المادة الثانية: تحال كافة قضايا الاموال العامة المنظورة الى المحاكم المختصة بموجب هذا القرار مالم تكن محجوزة للحكم فيبقى الاختصاص بالبت فيها منعقدا للمحاكم المرفوعة امامها قبل صدور هذا القرار)).

  ومن خلال المطالعة لمضمون قرار رئيس الجمهورية رئيس مجلس القضاء الأعلى رقم (3) لسنة 1996م بشأن محاكم الأموال العامة وكذا قرار رئيس الجمهورية رئيس مجلس القضاء الأعلى رقم (32) لسنة 2001م نلاحظ أنهما لم يتضمنا تعريف المال العام الذي تختص محاكم الأموال بنظر الجرائم التي تمسه،  فقد اكتفى القراران بالنص على أن محاكم الأموال العامة تختص بالفصل في (1- كافة الجرائم الماسة بالمال العام وما في حكمه وأموال الوقف) حسبما ورد في المادة (2) من قرار إنشاء محاكم الأموال العامة، ويظهر أيضا من خلال إستعراض إختصاصات محاكم الأموال العامة انها محكمة جزائية تختص بالقضايا الجزائية أو الجرائم التي يكون محلها المال العام، ويندرج ضمن ذلك الجرائم التي يكون محلها أراضي الدولة وعقارات الدولة بإعتبارها من الأموال العامة بحسب ماسبق بيانه في تعريف الأموال العامة في الوجه  السابق .

الوجه الخامس: النزاع المدني بشأن أرض الدولة:

منازعات ملكية الأراضي بصفة عامة هي منازعات مدنية، وربما أن اغلب المنازعات في اليمن هي منازعات بشان العقارات سواء أكانت مملوكة للأفراد أو للدولة، وقد لاحظنا عند إستعراض إختصاصات محاكم الأموال العامة في الوجه الرابع أن تلك الاختصاصات ذو طابع جنائي، فمحاكم الأموال العامة محاكم جزائية تختص بنظر الجرائم التي يكون محلها الأموال العامة ، ولذلك فتلك المحاكم لا تختص بنظر المنازعات المدنية بشأن ملكية العقارات ولو تعلقت تلك المنازعات بأراضي وعقارات الدولة، وبناء على ذلك يظل الإختصاص بنظر المنازعات بشأن ملكية عقارات الدولة أو تأجيرها للمحاكم المدنية طالما ان الأمر لا يتعلق بتحصيل إيجارات أو عائدات أو اثمان وكذا اذا لم يكن النزاع متعلقا بجرائم الأموال العامة التي تختص بنظرها محاكم الأموال العامة.

اما المنازعات  بشأن ملكية أراضي وعقارات الدولة أو إستئجارها  فهي منازعات مدنية بحسب طبيعتها حسبما سيأتي بيانه في الوجه السادس ، لان القانون المدني قد نظم الملكية واحكامها وكذا إيجار الأرضي  والمغارسة  والمزارعة فيها وكذا تأجير المباني، فقانون تنظيم العلاقة بين الموجرين والمستأجرين فرع من القانون المدني، إضافة إلى أن بيع الدولة أو تأجيرها لعقارها لايعد عقدا إدارياً وإنما مدنيا حسبما سيأتي بيانه في الوجه السادس .

الوجه السادس: إختصاص المحاكم الإدارية بنظر منازعات أراضي الدولة:

حدد قرار رئيس مجلس القضاء الأعلى رقم (177) لسنة 2010م بشأن تشكيل محكمتين إداريتين متخصصتين في أمانة العاصمة ومحافظة عدن، حدد هذا القرار إختصاص القاضي الإداري، فقد نص هذا القرار  على أن  (( 1- تنشأ في كل من أمانة العاصمة و محافظة عدن محكمة ابتدائية متخصصة للنظر في القضايا الإدارية .

مع عدم الإخلال بالاختصاص النوعي للمحاكم الابتدائية المتخصصة تختص المحكمتان الإداريتان الابتدائيتان بالنظر و الفصل فيما يلي :

دعاوى إلغاء القرارات الإدارية الصادرة عن السلطات و الوحدات الإدارية العامة وفقاً للقوانين ذات الصلة .

دعاوى التعويض عن :

القرارات الإدارية .

العقود الإدارية .

الطعون في القرارات الإدارية المتعلقة بالمسائل التأديبية وفقاً للقوانين ذات الصلة .

أية منازعات إدارية لم ينط الفصل فيها لمحكمة أو جهة أخرى .

يتحدد نطاق اختصاص المحكمتين الإداريتين المنصوص عليهما في المادة (1) من هذا القرار على النحو التالي :

المحكمة الابتدائية الإدارية بأمانة العاصمة و تشمل دائرة اختصاصها أمانة العاصمة .

المحكمة الابتدائية الإدارية بمحافظة عدن و تشمل دائرة اختصاصها محافظة عدن .

يبقى الاختصاص الوارد في المادة (2) من هذا القرار منعقداً للمحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة في المحافظات التي لا توجد فيها محاكم إدارية , على أن يتولى نظرها و الفصل فيها رئيس المحكمة الابتدائية .

يعين القضاة في المحكمتين المذكورتين طبقاً للشروط المنصوص عليها في قانون السلطة القضائية .

تتألف هيئة الحكم في كل محكمة من المحكمتين المذكورتين من قاض فرد .

تتولى الشعب المدنية في المحاكم الاستئنافية الفصل استنافا في الأحكام و القرارات الصادرة من المحكمتين الإداريتين و المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة في القضايا الإدارية .

تتولى الدائرة الإدارية بالمحكمة العليا الفصل في الطعون بطريق النقض في الأحكام و القرارات الصادرة في القضايا الإدارية وفقاً للقانون .

تطبق بشأن المنازعات الإدارية قوانين قضايا الدولة و الرسوم القضائية و المرافعات و التنفيذ المدني و الإثبات و القوانين الأخرى .

أ‌- تتولى المحكمتان الإداريتان بأمانة العاصمة و محافظة عدن نظر القضايا ابتداء و التي سترفع أمامها من تاريخ 1/11/2010م في أطار أمانة العاصمة و محافظة عدن .

ب‌- تستمر المحاكم الابتدائية في كل من أمانة العاصمة و محافظة عدن في نظر القضايا الإدارية المرفوعة أمامها حالياً أو التي سترفع أمامها قبل 1/11/2010م حتى انتهاء إجراءات نظرها و صدور الأحكام فيها .

يكون للمحاكم الابتدائية الإدارية مخصصات مالية مستقلة بما يفي بحاجاتها ضمن ميزانية المحاكم في إطار موازنة وزارة العدل)) .

فمن خلال مطالعة إختصاصات القاضي الإداري المحددة في القرار السابق يظهر ان القاضي الإداري يختص بنظر المنازعات التي قد تحدث فيما بين الهيئة العامة للأراضي والمساحة وبين المتعاقد معها بعقد إداري متعلق بارض أو عقار من عقارات الدولة شريطة ان يتحقق في هذا العقد الشروط المقررة في العقد الإداري خاصة الشروط غير المالوفة في العقود المدنية ، فإذا تعلقت  المنازعات فيما بين الهيئة العامة للأراضي  بعقود تتحقق فيه شروط العقد الإداري فتختص بنظرها المحكمتان الإداريتان في كل من صنعاء وعدن وفي غيرهما يختص بنظرها رئيس المحكمة الابتدائية بصفته القاضي  الإداري حسبما ورد في قرار إنشاء المحكمتين الإداريتين في صنعاء وعدن السابق عرضه.

وحتى يكون مفهوم العقد الإداري وشروطه واضحة فيما يتعلق باراضي وعقارات الدولة  فمن المناسب الإشارة بايجاز إلى  مفهوم العقد الإداري وشروطه، إذ يذهب شراح القانون الإداري إلى  تعريف العقد الإداري بأنه العقد الذي يبرمه شخص معنوي من أشخاص القانون العام بقصد إدارة مرفق عام بمناسبة تسييره وأن تظهر نيته في الأخذ بأسلوب القانون العام، وذلك بتضمين العقد شرطاً أو شروطاً غير مألوفة في عقود القانون الخاص، وعرف العقد الإداري الدكتور سليمان محمد الطماوي، بأنه: هو العقد الذي يبرمه شخص معنوي عام بقصد تسيير مرفق عام أو تنظيمه، وتظهر في العقد نية الإدارة في الأخذ بأحكام القانون العام، وآية ذلك أن يتضمن شروطاً استثنائية وغير مألوفة في القانون الخاص أو يخول المتعاقد مع الإدارة الاشتراك مباشرة في تسيير المرفق العام، ومع ذلك فليس كل عقد تبرمه الإدارة مع فرد أو هيئة خاصة يعد عقداً إدارياً،  فالأصل العام في عقود الإدارة العامة أنها عقود إدارية تخضع بهذه الصفة لأحكام القانون الإداري التي تختلف عن القانون المدني والقواعد التي يتم تضمينها في عقود الأفراد فيما بينهم.

غير أنه إلى جانب هذا الأصل العام أي بجانب العقود الإدارية فقد تبرم السلطات الإدارية عقوداً مدنية خاصة غير إدارية ،  مثل أي عقد مدني أو تجاري بين فرد وفرد آخر، فقد تستأجر الإدارة أحد العقارات أو الشقق بعقد إيجار مدني عادى كما انها قد تقوم ببيع أرض من اراضيها أو عقارات من عقاراتها أو تقوم بتاجيرها، فهذه العقود مدنية، فلا تعد عقوداً إدارية بالمعنى الدقيق، ولا ينطبق عليها كأصل عام النظام القانوني للعقد الإداري طبقاً للقانون الإداري وإنما ينطبق عليها القانون المدني.

وعلى هذا الأساس ينبغي معرفة  أركان العقد الإداري حتي يمكن تمييزه عن العقود المدنية التي تبرمها الهيئة العامة للأراضي مع الأفراد بشأن أراضي وعقارات الدولة،  فليست عقود الإدارة التي تبرمها مع الأفراد عقودا إدارية، فالإدارة – كما قلنا – يمكنها أن تبرم عقوداً مدنية تخضع للقانون المدني، وتظهر أهمية التفرقة بين العقود الإدارية وعقود الإدارة المدنية في ان العقود المدنية تخضع  لقواعد القانون المدني والقانون الخاص، في حين تخضع العقود الإدارية عند حدوث منازعات بشأنها لاختصاص القاضي الإداري بينما تخضع المنازعات المتولدة عن العقود المدنية لمحاكم القضاء العادي حسبما سبق بيانه، والمعيار المستقر لتمييز العقد الإداري عن العقد المدني هو معيار يتضمن شروطاً ثلاثة يجب توافرها جميعاً حتى يقال بأن العقد إداري، فإذا تخلف احدها  فلايكون العقد إدارياً  بل عقدا مدنياً من عقود القانون الخاص، وهذه الشروط الثلاثة هي على التوالي، أن يكون أحد طرفي العقد شخصاً معنوياً عاما، وأن يتعلق العقد بإدارة مرفق عام – وأخيراً أن يتضمن العقد شروطاً غير مألوفة في عقود القانون الخاص ، وبيان هذه الشروط فيما يأتي :

أولاً: أن يكون أحد طرفي العقد شخصاً من أشخاص القانون العام:

حتى يكون العقد إدارياً فيجب أن تكون الإدارة أحد أطراف هذا العقد ا :ويعد هذا العنصر من البديهيات، ذلك أنه لا يجوز أن يوصف عقـد بأنه إداري، إلا إذا كان أحد أطرافه على الأقل جهة إداريـة، وإن كـان مـن الجائز والمقبول أن تكون الإدارة طرفاً في عقد مدني غير إداري على النحو السابق بيانه ،  وبناء على هذا  الأساس  فلايوصف عقد بأنه إداري، إذا كانت جميع أطرافه من أشخاص القانون الخاص، فالعقد الذي لا يكون أحد أطرافه من أشخاص القانون العام، لا يجوز اعتباره عقداً إدارياً على الإطلاق.

وينتج عن هذا الشرط الأول أن العقود التي يكون أطرافها جميعاً  من أشخاص القانون الخاص ( أفراد-شركات-جمعيات-نوادي- نقابات-مؤسسات خاصة) ، فإن هذه العقود لا تكتسب أبداً صفة العقود الإدارية حتى ولو تصورنا أن موضوع العقد تعلق بمرفق عام وحتى لو كان أحد طرفيه هيئة خاصة تخضع لرقابة قوية من الدولة.

ومع ذلك فهناك حالة استثنائية واحدة فقط يمكن أن يكون فيها العقد المبرم بين شخصين من أشخاص القانون الخاص عقداً إدارياً وهي حالة ما إذا كان أحد طرفي هذا العقد قد أبرم العقد ليس لحسابه الخاص وإنما لحساب شخص معنوي عام،ففي هذه يعد  العقد إدارياُ على أساس أن المتعاقد الخاص كان بمثابة وكيل عن الشخص العام، والواقع ان ذلك ليس استثناء حقيقياً، لأن العقد في النهاية لن يترتب آثاره في ذمة المتقاعد وإنما سيرتبه إيجابا أو سلبا في ذمة الشخص العام الذي أبرم العقد لحسابه.

ثانيا: أن يتعلق العقد بإدارة مرفق عام:

هذا الشرط الثاني ضروري يتحصل في أن موضوع العقد يجب أن يتصل بمرفق عام، وحكمة هذا الشرط أن ضرورات أو مقتضيات المرافق العامة وسيرها بانتظام وباضطراد هي التي تبرر النظام القانوني الاستثنائي أي أن المتغير للعقود الإدارية ذلك النظام الذي يختلف عن القانون الخاص في كثير من نواحيه سواء في حقوق الإدارة المتعاقدة أم في حقوق والتزامات المتعاقد معها، والمرفق العام الذي يجب أن يتصل به العقد يأخذ التعريف أو المعنى المحدد له في القانون الإداري كنشاط تتولاه الإدارة إدارته ويستهدف تحقيق النفع العام مباشرة، لكن اتصال العقد الإداري بالمرفق العام ليس له صورة بذاتها: فقد يتصل العقد بتنظيم المرفق واستغلاله أو تسييره أو بالمعاونة في تسييره وإدارته عن طريق توريد مواد أو خدمات أو غير ذلك من صور الاتصال.

ويعد عنصر تعلق العقد بمرفق عام من أهم العناصر المميزة للعقـد الإداري عن غيره مما تعقده الإدارة من عقود.

ثالثاً: أن يتضمن العقد شروطاً استثنائية غير مألوفة في عقود القانون الخاص:

رأينا أن عنصر كون الدولة أحد أطراف العقد لا يكفي وحده للقول بأن العقد إداري، وذلك لأن الدولة أو الإدارة قد تتعاقد بأساليب القـانون الخاص وتخضع نفسها وعقدها لقواعد وأحكام القانون الخاص، فاتصال العقد بمرفق عام لا يصلح وحده  للقـول بأن العقد إداري، وذلك للتطور الكبير الذي في القانون الإداري، والذي أدى إلى العدول عن الفكرة التي اتخذت من المرفق العام أساساً لكل علاقـات ومبادئ وأفكار ونظريات القانون الإداري، وذلك بعد أن دخل في عداد المرافق العامة التقليدية، مرافق عامة اقتصادية، فرضت طبيعتها على الإدارة أن تديرها بأحكام ومبادئ القانون الخاص المدني، وهكذا لم يعد عنصر اتصال العقد بمرفق عام عنصراً مميزاً للعقد الإداري، ولهذآ استقر القضاء الإداري والفقـه في كل من مصر وفرنسا،  على أن العنصر المميز الرئيسي للعقد الإداري من بين العناصر الثلاثة المميزة للعقد الإداري، هو العنصر المتمثل في أخذ الإدارة في العقد بوسائل القـانون العـام وأساليبه، وهو ما يعني تضمين العقد شروطا استثنائية غير مألوفة في مجـال عقود القانون الخاص.

و الشروط الاستثنائية غير مألوفة التي تميز العقد الإداري عن غيره هي عبارة عن شروط يتضمنها العقد المبرم بين الإدارة والفرد المتعاقد معها والتي لا يجوز قانوناً للأفراد في القانون الخاص الرضا بها اوقبولها أي حتى إذا لم تكن محرمة في القانون الخاص ” وغير مألوفة” لديهم فهذه الشروط الاستثنائية هي إذن بإيجاز إما شروط غير جائزة في القانون الخاص أو جائزة ولكنها غير مألوفة ونادرة في عقود الأفراد الخاصة.

ومن أمثلة هذه الشروط الاستثنائية أو الغير مألوفة: أن تعطي الإدارة نفسها الحق في تعديل العقد وشروطه في أي وقت أو الحق في فرض جزاءات على المتعاقد  معها في بعض الحالات أو الحق في إلغاء العقد في أي وقت وبدون إنذار أو حتى بدون تعويض، وبناء على ذلك فاذا قامت الهيئة العامة للأراضي بتضمين اي من عقودها المتعلقة بأراضي وعقارات الدولة مثل هذه الشروط غير المالوفة، فإن العقد يكون في هذه الحالة  عقدا إدارياً وليس مدنيا، ومثال ذلك عقود استثمار اراض الدولة التي ترد فيها مثل هذه الشروط غير المالوفة.

وحكمة اشتراط القضاء الإداري تضمين العقد شروطاً استثنائية أو غير مألوفة حتى يكتسب العقد الطابع الإداري هي أن صلة العقد بالمرفق العام- وإن كان ضروريا- إلا أنها غير كافية  لكي تجعل من عقود الإدارة عقوداً إدارياً .

فاشتراط وجود شروط استثنائية غير مألوفة ضروري من حيث أنه العقد يعبر عن إرادة الإدارة في استعمال وسائل القانون العام  حينما تقوم بتضمين العقد  امتيازات السلطة العامة، بيد أنه ليس  من الضروري أن يتضمن العقد عدة شروط غير مألوفة أو استثنائية إذ انه من الممكن أن يكفى وجود شرط واحد غير مألوف.

والشروط غير مألوفة وإن كان غالباً ما يتضمنها العقد نفسه إلا أنه من الممكن أن تكون موجودة خارجه كقانون أو لائحة، إذا كان العقد  قد أحال إلى ذلك القانون أو تلك اللائحة، ومثال ذلك أن يحيل  العقد في بند من بنوده إلى أحكام قانون المناقصات والمزايدات أو لائحته.

ويترتب على  إعتبار العقد إدارياً عدة آثار من أهمها خضوع العقد لنظام العقد الإداري المختلفة عن القانون الخاص، وخضوع منازعاته للقاضي الإداري  وليس القضاء العادي.(أنواع العقود الإدارية، محمد مصطفى حرارة، ص3)، والله اعلم.