لايجوز الحكم بإعادة العامل الى عمله في القطاع الخاص

 

لايجوز الحكم بإعادة العامل الى عمله في القطاع الخاص

أ.د عبد المؤمن شجاع الدين

الاستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعه صنعاء

الحكم محل تعليقنا هو الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 12/2/2018م في الطعن المدني رقم (60078) لسنة 1439هـ وخلاصة أسباب هذا الحكم أنه (وجدت الدائرة المدنية بعد الرجوع الى الأوراق مشتملات الملف وجدت أن الطاعن بالنقض قد نعى على الحكم المطعون فيه البطلان لمخالفته القانون حيث بني الحكم على أسباب ليس لها أساس من القانون.

فقد ورد ضمن أسباب الحكم المطعون فيه وجود قواعد قانونية وقضائية ملزمة تقضي بعدم جواز الحكم بإعادة العامل في القطاع الخاص الى عمله في حين أن الحكم لم يذكر قاعدة واحدة من تلك القواعد التي استند اليها وذلك يجعل الحكم باطلاً، والدائرة تجد أن هذا النعي ليس في محله ، فالثابت أن الحكم المطعون فيه قد قضى بإلغاء قرار اللجنة التحكيمية لقضايا العمال تأسيساً على ما ذكره في حيثياته بأنه من المقرر في القواعد الأصولية لتطبيق القانون وما استقر عليه قضاء المحكمة العليا في العديد من التطبيقات التي أصبحت تمثل قواعد قانونية وقضائية ملزمة تقرر عدم جواز الحكم باعادة العامل في القطاع الخاص الى عمله اياً كانت الأسباب التي سلكها رب العمل لإنهاء خدمة العامل ولا يحول ذلك دون الحكم بالإستحقاقات والتعويضات المترتبة على ذلك الإنهاء ان ثبتت ، وترى الدائرة بأن هذه الاسباب صحيحة ومتفقة مع أحكام قانون العمل الذي أجاز لصاحب العمل فصل العامل من عمله في حالة مخالفته لواجباته المحددة في قانون العمل أو في عقد العمل بعد إجراء تحقيق إداري معه ويحتفظ العامل في هذه الحالة بكافة المستحقات المنصوص عليها في هذا القانون وفي تشريعات العمل الأخرى حسبما ورد في المادة (93) من قانون العمل اما اذا قام صاحب العمل بفصل العامل بصورة تعسفية فإن العامل يستحق في هذه الحالة تعويضاً عما لحقه من ضرر بسبب إنهاء العقد من جانب صاحب العمل بصورة تعسفية بالإضافة الى ما يستحقه من اجر مقرر عن فترة الاشعار وسائر المستحقات الأخرى المنصوص عليها في قانون وتشريعات العمل النافذة ، وفي جميع الأحوال يتحدد التعويض من قبل لجنة التحكيم المختصة وبما لا يتعدى اجر العامل لمدة ستة أشهر مما ورد في المادة (39) من قانون العمل ، ولما كان الأمر على هذا النحو فإن صاحب العمل اذا ما أنهى عقد العمل أو فصل العامل من عمله سواء أكان ذلك بصورة قانونية أم تعسفية فإنه غير ملزم قانوناً بإعادة العامل إلى عمله وليس للعامل في هذه الحالة سوى مستحقاته المنصوص عليها قانوناً بالإضافة إلى التعويض إذا كان فصله من العمل بصورة تعسفية الأمر الذي يجعل دعوى المدعي (الطاعن) يطلب الحكم ببطلان قرار فصله وإعادته للعمل وتسليم كافة مرتباته بما فيها البدلات من تاريخ الاستغناء عنه حتى تاريخ اعادته للعمل فإن هذه الدعوى غير مقبولة ولا يجوز الحكم فيها قانوناً لما عللناه ، لذلك يكون قضاء الحكم المطعون فيه بإلغاء قرار اللجنة التحكيمية لقضايا العمل الصادر بتاريخ 19/9/2013م للأسباب التي استند اليها قد جاء موافقاً للقانون وهذا القضاء لا يحول دون قيام الطاعن ان اراد التقدم بدعواه للمطالبة بالاستحقاقات والتعويضات المترتبة على إنهاء خدمته إن كان لذلك مقتضى وذلك أمام اللجنة التحكيمية المختصة وفي ذلك ما يغني عن بحث بقية أسباب الطعن بالنقض لتعلقها بالدعوى المحكوم بعدم قانونيتها للطلبات الواردة فيها الأمر الذي يجعل طعن الطاعن للأسباب الواردة فيه لا تتوفر فيه أية حالة من حالات الطعن بالنقض المنصوص عليها حصراً في المادة (292) من قانون المرافعات مما يستلزم الحكم برفضه موضوعاً لعدم صحة أسبابه ، وعليه وبعد النظر والمداولة وعملاً بأحكام المواد 292 و 299 و 300 من قانون المرافعات تصدر الدائرة حكمها الآتي:

1-       رفض الطعن بالنقض موضوعاً لعدم صحة أسبابه.

2-   مصادرة مبلغ الكفالة.

3-   لا حكم في المصاريف القضائية لعدم الرد من المطعون ضده على الطعن بالنقض.

4-   إعادة ملف القضية الى محكمة الإستئناف لارساله الى اللجنة التحكيمية العمالية الإبتدائية بالأمانة لإبلاغ كل طرف بنسخة من هذا الحكم والعمل بموجبه) 

وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الأوجه التالية:

الوجه الاول: الاجتهاد القضائي وعلاقته بالقواعد القضائية المشار اليها في الحكم محل تعليقنا:

الاجتهاد القضائي هو التسبيب التي يذكره القاضي في حكمه بمناسبة قضية قام بالفصل فيها عند عدم وجود النص القانوني الواجب التطبيق أو إذا كان هذا النص غامضاً أو مجملاً أو غير كاف ، فالقانون يوجب على القاضي الفصل في كل قضية ترفع إليه بكل طلباتها بموجبه وإلا كان منكراً للعدالة وإذا تجاهل القاضي بعض الطلبات كان حكمه باطلاً ، فعند عدم وجود النص يجب على القاضي الرجوع إلى الأدلة الشرعية (أحكام الشريعة الإسلامية) وكذلك عندما يكون النص القانوني غامضاً أو مجملاً فتفسيره وتطبيقه على الواقعة محل الخلاف يتم عن طريق رجوع القاضي الى المذكرات الإيضاحية الصادرة عن السلطة التشريعية أو كتب الفقه الإسلامي حسبما ورد في المادة (18) من القانون المدني اليمني ، والاجتهاد القضائي بهذا المفهوم يجب أن يكون له أصل وهو الشريعة الإسلامية حسبما ورد في المادة (18) السابق الإشارة إليها بالإضافة إلى المبادئ القانونية والقواعد التي تقرها المحكمة العليا ، والاجتهاد القضائي بهذا المفهوم ليس حكراً على المحكمة العليا وانما هو متاح للقضاة في كل المحاكم بمختلف مستوياتها ، ولكن اجتهاد محاكم الموضوع يكون غير مضطرد ويفضي في كثير من الاحوال الى تضارب الأحكام وعدم استقرار المراكز القانونية وتذبذب العدالة ، ولهذه الغاية كان من اهم وظائف المحكمة العليا ترشيد الاجتهاد القضائي وتنظيمه وضبطه عن طريق إقرار المحكمة للاجتهادات المناسبة وجعلها بمثابة قواعد قضائية.

الوجه الثاني : الاعتبارات الواقعية والقانونية لإناطة مهمة ارساء المبادئ والقواعد القضائية بالمحكمة العليا :

في هذا الشأن هناك اعتبارات عدة منها:

1- ارساء المبادئ والقواعد القضائية جزء لا يتجزأ من الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة العليا عملاً بالمادة (12) من قانون السلطة القضائية التي نصت على أن( تمارس المحكمة العليا المهام الآتية: 5- الرقابة القضائية على جميع المحاكم في الجمهورية).

2- ارساء المبادئ والقواعد القضائية له علاقة بتوجيه المحكمة العليا لمحاكم الموضوع بالملاحظات التي تظهرللمحكمة العليا عند نظرها في الطعون المرفوعة إليها ، حيث نصت المادة (13) من قانون السلطة القضائية على أن (يتولى رئيس المحكمة العليا المهام الآتية : جـ- توجيه منشورات قضائية عامة لكافة قضاة المحاكم بالملاحظات المستخلصة من خلال التدقيق في القضايا المنظورة أمام المحكمة العليا وإصدار التوجيهات والقرارات الملزمة لجميع المحاكم).

3- استخلاص القواعد القضائية كإختصاص أصيل للمحكمة العليا ، حيث نصت المادة (35) سلطة قضائية على أن (يتولى المكتب الفني:

1) استخلاص القواعد القضائية التي تقرها المحكمة العليا فيما تصدره من قرارات واحكام بعد عرضها على رئيس الدائرة التي اصدرتها).

2) نشر مجموعات القرارات والأحكام مصنفة ومبوبة مع ايراد خلاصة عن المبادئ التي تتضمنها بعد عرضها على الدائرة المختصة).

4- المحكمة العليا من حيث وظيفتها الرقابية ومن حيث مستواها الأعلى تكون جديرة بإرساء المبادئ والقواعد القضائية ، فهي تباشر الرقابة القضائية على المحاكم ومن مظاهر هذه الرقابة مراقبة اجتهادات محاكم الموضوع وضبطها وترشيدها والابقاء على المناسب وجعله من قبيل المبادئ والقواعد والغاء غير المناسب.

5- قضاة المحكمة العليا بحكم خبراتهم ومهاراتهم العلمية والعملية تجعلهم الاجدر على استخلاص المبادئ والقواعد القضائية.

ومن خلال مطالعة الاعتبارات السابق ذكرها فان مصطلح المبادئ والقواعد القضائية لا ينطبق الا على تلك التي تقرر المحكمة العليا على انها كذلك.

الوجه الثالث: مدى الزامية المبادئ والقواعد القضائية التي تقرها المحكمة العليا:

من خلال ما تقدم من اعتبارات قانونية وواقعية سبق ذكرها في الوجه الثاني نجد ان القول بالزامية المبادئ والقواعد القضائية التي تقرها المحكمة العليا هو الاولى بالاعتبار شريطة ان تلتزم المحكمة العليا باجتهاداتها وان لا تخالف اجتهادها السابق الا بعد انقضاء مدة من الزمن وبعد ان تجتمع الجمعية العمومية للعدول عن الاجتهاد السابق ، وفي هذا الشأن نصت المادة (29) من قانون السلطة القضائية على أن(تختص الجمعية العامة للمحكمة العليا بما يلي:- أ- النظر في الدعاوي التي تحيلها احدى دوائر المحكمة العليا اذا رأت هذه الدائرة العدول عن اجتهاد قضائي للمحكمة العليا) ، وقد صرح الحكم محل تعليقنا بأن المبادئ والقواعد القضائية التي تقرها المحكمة ملزمة يجب الاخذ بها والعمل بموجبها.

الوجه الرابع : قاعدة عدم جواز الحكم باعادة العامل الى عمله في القطاع الخاص:

وهذه القاعدة صرح الحكم محل تعليقنا بان قضاء المحكمة العليا قد أقرها واستقر العمل بموجبها حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا وتتأسس هذه القاعدة على اعتبارات كثيرة منها ان قانون العمل يحدد صلة العامل برب العمل وأن أساس هذه العلاقة هو عقد العمل الفردي او عقد العمل الجماعي ، والعقود في الشريعة والقانون خاضعة لسلطان الإرادة من حيث نشأتها او انتهائها او فسخها – وعلى هذا الأساس لا يجوز للقاضي ان يحكم باستمرار العلاقة العقدية جبراً على المتعاقدين أو على أي منهما، كما أنه ليس من حق العامل الإدعاء بإستمرار عقد العمل بعد فصله والمطالبة القضائية بذلك كما لو أن عقد العمل لازال قائماً حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا ، وليس في ذلك اهدار لحق العامل المفصول تعسفياً لأن قانون العمل قد حدد حقوقه عند الفصل التعسفي، والله أعلم.