الحكم بثبوت الطلاق

الحكم بثبوت الطلاق

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.

الطلاق من التصرفات التي تقع بالارادة المنفردة للزوج ، فيقع الطلاق بمجرد تلفظ الزوج بلفظ الطلاق الصريح دون حاجة الى أي إجراء اخر ، ففي بعض الاحيان يتلفظ الزوج بالفظ الطلاق دون وجود شهود ودون ان يقر االزوج بالطلاق ، ولذلك فان إثبات الطلاق يثير عدة إشكاليات، وفي هذا الشان نصت المادة (70) من قانون الأحوال الشخصية اليمني على إنه (إذا اتفق الزوجان على وقوع الطلاق واختلفا على كونه رجعياً أم بائناً فالقول لمنكر البائن إلا أن يكون الزوج مقراً بأنه طلقها ثلاثا فالقول قوله وإذا اختلف الزوجان على وقوع الطلاق في وقت مضى فالقول لمنكر وقوعه).

 فالطلاق يقع بلفظه الصريح الذي يتلفظ به الزوج دون حاجة إلى أي إجراء آخر، فإذا تم الطلاق بحضور شهود فإن إثباته سهل ، وكذلك إذا تم الطلاق كتابة بخط الزوج أو توقيعه المعروف، لكن الطلاق الشفهي الذي يقع من غير أن يحضره أحد ومن غير أن تتم كتابته في وثيقة الطلاق يثير عدة إشكاليات عند إثباته.

 ومع هذا وذاك فان الطلاق لايرتب اثره بالنسبة للزوجة الا من تاريخ علمها بطلاقها ، حسبما هو مقرر في المادة (348) أحوال شخصية التي نصت على ان (-ا- توضح اللائحة الخاصة بتنظيم أعمال أمناء التوثيق الإجراءات التي يجب على موثقي عقود الزواج والطلاق مراعاتها في اعمالهم –ب- يجب على كل زوج طلق زوجته أن يبلغ الجهة المختصة بذلك خلال أسبوع من تاريخ وقوعه وذلك تحت طائلة التعرض للعقوبات القانونية في حالة عدم الإلتزام بذلك).

وقد اشار الى هذه المسالة الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 26-8-2012م في الطعن رقم (49949)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى بـ(ثبوت وقوع الطلاق من المدعى عليه للمدعية بتاريخ... ، ويعتبر هذا الطلاق بائناً بينونة صغرى لإنقضاء عدتها بوضع حملها)، وقد قضى الحكم الاستئنافي بتأييد الحكم الابتدائي، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي، أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (اما من حيث الموضوع فقد ظهر أن ما ذكره الطاعن في أسباب طعنه لا تنطبق عليها أية حالة من حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة (292) مرافعات، لأن ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف واستندت إليه في حيثيات حكمها جاء موافقاً في نتيجته لأحكام الشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: الطلاق من التصرفات التي تقع بإرادة الزوج المنفردة:

يقع الطلاق بمجرد تلفظ الزوج البالغ العاقل المختار بلفظ الطلاق الصريح ،فعندئذٍ يقع الطلاق دون حاجة إلى أي إجراء آخر، فالطلاق يقع بتلفظ الزوج بأي من ألفاظ الطلاق الصريحة خاصة لفظ (الطلاق)، وفي هذا المعنى نصت المادة (58) أحوال شخصية على أن (الطلاق قول مخصوص به يفك الإرتباط بين الزوجين وهو اما صريح لا يحتمل غيره او كتابة تفتقر إلى البينة ، ويقع الطلاق باللغة العربية او بغيرها ممن يعرف معناه او بالكتابة او بالإشارة المفهومة من العاجز عن النطق)، ولأن الطلاق يقع بمجرد تلفظ الزوج بلفظ الطلاق الصريح فإن الكتابة او الشهادة ليست ركناً او شرطاً في الطلاق وإنما وسيلة لإثبات وقوعه.

الوجه الثاني: وسائل إثبات الطلاق:

مع أن الطلاق الصريح يقع بمجرد تلفظ الزوج بلفظ الطلاق إلا إنه ينبغي إثبات الطلاق عند إنكار الزوج لذلك ، ويتم إثبات الطلاق بوسائل الإثبات المقررة في قانون الإثبات كالإقرار من الزوج بأنه قد طلق زوجته او شهادة شاهدين عدلين بأنهما شاهدا او سمعا الزوج يتلفظ بلفظ الطلاق الصريح او قيام الزوج بكتابة ورقة الطلاق او أية وثيقة مكتوبة بخط الزوج يقر فيها بأنه قد طلق زوجته، كما يتم إثبات وقوع الطلاق عن طريق توجيه اليمين الحاسمة إلى الزوج فاذا نكل عن أداء اليمين ثبت الطلاق، وفي بعض الحالات لا يكون إثبات الطلاق الشفهي سهلاً سيما إذا وقع الطلاق أثناء الشجار بين الزوج والزوجة من غير حضور أحد، ولم يقر الزوج بتلفظه بلفظ الطلاق، وقد بينت المادة (70) أحوال شخصية كيفية إثبات الطلاق الشفهي عند إختلاف الزوج والزوجة بشأن وقوعه ، فقد نصت المادة (70) على إنه (إذا اتفق الزوجان على وقوع الطلاق واختلفا على كونه رجعياً أم بائناً فالقول لمنكر البائن إلا أن يكون الزوج مقراً بأنه طلقها ثلاث فالقول قوله وإذا اختلف الزوجان على وقوع الطلاق في وقت مضى فالقول لمنكر وقوعه)، ومن مطالعة هذا النص تظهر حالات خلاف الزوجين بشأن وقوع الطلاق ونوعه بحسب الحالات الآتية:

الحالة الأولى: إتفاق الزوجين على وقوع الطلاق وإختلافهما بشأن كونه رجعياً أم بائناً بينونة صغرى: 

ففي هذه الحالة يكون الطلاق رجعياً، لان الطلاق الرجعي في هذه الحالة هو الحد المتفق عليه بين الطرفين، ويكون القول قول من ينكر أن الطلاق بائن، ومقتضى ذلك أن على المدعي بأن الطلاق بائن أن يثبت ذلك بوسائل الاثبات المقررة في القانون.

الحالة الثانية: إذا اتفق الرجل والمرأة على وقوع الطلاق واختلفا في كونه الطلقة الثالثة: 

ففي هذه الحالة يكون القول هو قول الزوج طالما ان الزوج قد اقر، لأن إقراره إخبار بوقوع الطلقة الثالثة، ولا تستطيع المرأة أن تثبت خلاف هذا الأصل أي خلاف قول الزوج طالما انه مقر بوقوع الطلقة الثالثة.

الحالة الثالثة: إذا اختلف الزوجان بشأن وقوع الطلاق في وقت مضى: 

ففي هذه الحالة يكون القول قول من ينكر وقوع الطلاق في الوقت الماضي،لان الأصل بقاء الزواج عملا بالاستصحاب ، وللمدعي خلاف قول منكر وقوع الطلاق أن يثبت وقوع الطلاق.

الوجه الثالث: وجوب إعلام الزوجة بطلاقها:

نصت المادة (348) أحوال شخصية على ان (-ا- توضح اللائحة الخاصة بتنظيم أعمال أمناء التوثيق الإجراءات التي يجب على موثقي عقود الزواج والطلاق مراعاتها في اعمالهم. –ب- يجب على كل زوج طلق زوجته أن يبلغ الجهة المختصة بذلك خلال أسبوع من تاريخ وقوعه وذلك تحت طائلة التعرض للعقوبات القانونية في حالة عدم الإلتزام بذلك).

وقد ورد هذا النص ضمن المواد الأخيرة في قانون الاحوال الشخصية ولم يرد هذا النص ضمن المواد المنظمة لأحكام الطلاق أو الزواج ، وإنما جاء هذا النص بعد النصوص التي نظم فيها القانون أحكام المواريث وضمن المواد الواقعة في نهاية القانون.

وقد حاول هذا النص معالجة مخاطر الطلاق الشفهي، إذ اوجب هذا النص على الزوج الذي يتلفظ بلفظ الطلاق (شفاهة) أو قام بكتابة ورقة الطلاق في محرر عادي اوجب عليه هذا النص أن يقوم بإبلاغ الجهة المختصة، وهي الامين الشرعي أو قلم التوثيق بالمحكمة خلال أسبوع من تاريخ تلفظه بالطلاق، حتى تتولى الجهة المختصة إبلاغ الزوجة بالطلاق لترتيب آثار الطلاق كالعدة والإرث وغيرها، ويهدف هذا النص إلى مواجهة كيد بعض الأزواج بالزوجات الذين يتعمدوا تعليق وضع الزوجة حتى لا تكون مطلقة ولا متزوجة، وقد حدث هذا في الواقع كثيرا.

الوجه الرابع: آثار الحكم بثبوت الطلاق:

قضى الحكم محل تعليقنا بثبوت طلاق المدعى عليه للمدعية في تاريخ سابق للنطق بالحكم بناء على الادلة التي تمكنت المدعية من خلالها من إثبات طلاق المدعى عليه لها في ذلك التاريخ ، وبناء على ذلك فان الحكم بثبوت الطلاق على هذا النحو لايعني ان الطلاق قد وقع عند النطق بالحكم، وانما مفاد الحكم انه قد ثبت لدي المحكمة وقوع الطلاق في تاريخ سابق على النطق بالحكم ، ومؤدى ذلك ان المدعية والمدعى عليه كانا يعلما بوقوع الطلاق بتاريخ وقوعه قبل النطق بالحكم، وبناء على ذلك فان الطلاق في هذه الحالة يرتب اثره من تاريخ وقوع الطلاق وليس من تاريخ النطق بالحكم، لان واقعة الطلاق كانت محل الخلاف التي فصل فيها الحكم، فمعنى الحكم بثبوت الطلاق انه قد ثبت لدى القاضي من خلال مناقشة الادلة المقدمة اليه أثناء اجراءات المحاكمة ان الطلاق قد وقع في تاريخ معين قبل صدور الحكم، ولذلك فان اثار الطلاق تترتب في هذه الحالة من تاريخ وقوع الطلاق الذي اثبته الحكم وليس من تاريخ صدور الحكم ذاته، والله اعلم.

الحكم بثبوت الطلاق
الحكم بثبوت الطلاق

مقالات ذات صلة