وجوب إعلام الزوجة بالطلاق

 

وجوب إعلام الزوجة بالطلاق

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

من الإشكاليات العملية التي يتكرر حدوثها قيام بعض الأشخاص بطلاق زوجاتهم دون أن يتم اعلامهن بالطلاق، فيترتب على عدم الإعلام تعطيل اثار الطلاق بالنسبة للزوجة لعدم علمها بالطلاق، وفي ذلك خطورة كبيرة، ولذلك تدخل قانون الأحوال الشخصية فأوجب على الزوج المطلق إعلام الزوجة بالطلاق، ومع ذلك فانه في حالات كثيرة لا يتم إعلان المطلقة بواقعة طلاقها وتفرز هذه الوضعية إشكاليات وخلافات واجتهادات عدة تحتاج إلى الاشارة اليها في سياق التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 22/12/2012م في الطعن الشخصي رقم (46105) وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم أن إمراة  تقدمت أمام المحكمة الابتدائية بدعوى طلبت فيها قسمة تركة زوجها المتوفي وتسليمها فريضتها الشرعية بالإضافة إلى مهرها ،فرد  أولاد المتوفى على الدعوى: بأن المدعية لم تكن زوجة للمتوفى إلا لفترة قصيرة حيث قام المرحوم بطلاقها في اثناء حياته وإنها قد استلمت مهرها في حينه وأن عدتها قد انتهت قبل وفاة والدهم ،وقد قضت المحكمة الابتدائية بقبول الدعوى شكلاً وموضوعاً وثبوت استحقاق المدعية لفريضتها الشرعية من بعد زوجها وثبوت الدين المستحق للزوجة في ذمة زوجها المتوفى المدعية واستخراجه من رأس التركة ،وقد ورد في أسباب الحكم الابتدائي ( كما ان الزوج قد تعمد اخفاء الطلاق على زوجته المطلقة، فقد ورد في شهادة احد شهود وثيقة الطلاق أنه لم يتم اعلام الزوجة بالطلاق وان الزوج قال لهم لا تعلنوا الزوجة عما وقع منه من الطلاق، ولما كان الطلاق في هذه الحالة لا يترتب اثاره القانونية بالنسبة للزوجة الا من حيث الميراث والحقوق الاخرى إلا من تاريخ علم الزوجة بالطلاق، ولذلك فان الزوجة المدعية تستحق ميراثها الشرعي وجميع حقوقها من بعد زوجها المتوفى لان وفاته وقعت في الوقت الذي كانت فيه المدعية زوجة له)، فلم يقبل المدعى عليهم ابناء الزوج المتوفى لم يقبلوا بالحكم الابتدائي فقاموا باستئنافه إلا أن محكمة الاستئناف رفضت  الاستئناف وقضت بتأييد الحكم الابتدائي، فلم يقنع المستأنفون بالحكم الاستئنافي فقاموا بالطعن فيه بالنقض إلا أن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا رفضت الطعن وأقرت الحكم الاستئنافي، وقد جاء في حكم المحكمة العليا (اما من حيث الموضوع فقد ناقشت الدائرة ما اثاره الطاعن من أسباب في عريضة الطعن وهي في جملتها عبارة عن اثارة لوقائع موضوعية سبق لهم اثارتها أمام محكمة الموضوع التي ناقشتها وفقا للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع بشأنها) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:

الوجه الأول : إشكاليات عدم علم الزوجة بالطلاق :

تترتب على الطلاق بالنسبة للزوجة  اثار بالغة الخطورة منها  خروج الزوجة من دائرة العلاقة الزوجية لاسيما اذا انقضت عدتها من غير أن يتم اعلانها بالطلاق أو اذا كان الطلاق بائناً، فعدم اعلام الزوجة تترتب عليه مخالفات ومفاسد كثيرة مثل حرمان المرأة من حقوقها الشرعية كالميراث مثلما حصل في القضية التي اشار اليها الحكم محل تعليقنا، إضافة إلى أن الزوج قد يطلق المرأة ويخفي الطلاق ولا يشهره للكيد بالزوجة والاضرار لاسيما اذا كانت هناك مشاكل بين الزوجين فقد حدث ان زوجاً طلق زوجته في مواجهتها وتركها تمضي في سبيلها فلما انقضت عدتها تزوجت وعندما كانت حاملاً من الزوج الاخر ادعى الزوج الأول انها تزوجت بالثاني وهي على ذمته، ولا يتسع المجال لسرد إشكاليات ومشاكل عدم تحرير وثيقة الطلاق وإعلام الزوجة بها.

الوجه الثاني : الوضعية الشرعية للطلاق وإعلام الزوجةبه:

الطلاق في الشريعة الاسلامية تصرف بإرادة الزوج المنفردة، فهو يقع بمجرد تلفظ الزوج باللفظ المعتبر في الطلاق دون حاجة إلى أي اجراء أخر، الا أن الشريعة الاسلامية قد احتاطت في الابضاع اكثر من غيرها، وبناءً على ذلك فانه ينبغي إعلام الزوجة بالطلاق حتى يتم ترتيب الاثار الشرعية المترتبة على الطلاق بالنسبة للزوجة،لاسيما  ان غالبية الاثار المترتبة على الطلاق تقع من جانب الزوجة المطلقة.

الوجه الثاني : موقف الفقهاء من إعلام الزوجة بالطلاق :

يذهب غالبية الفقهاء المعاصرين إلى وجوب تحرير وتوثيق الطلاق وإعلان الزوجة به، لما لذلك من أهمية بالغة للحيلولة دون مخاطر ومفاسد عدم إعلام الزوجة بطلاقها ،وقد صدرت في هذا الشأن فتاوى عدة منها فتوى الازهر، وهناك اتجاه يذهب إلى أن الطلاق غير الموثق أو المحرر كتابة (الشفوي) يقع بالنسبة للزوج إلا أنه بالنسبة للزوجة فأن الطلاق لا يترتب اثره بالنسبة لها إلا من تاريخ علمها به.

الوجه الرابع : موقف قانون الأحوال الشخصية اليمني وتوصيتنا لوزارة العدل :

يقرر هذا القانون صراحة وجوب إعلام الزوجة المطلقة بالطلاق بل أنه يقرر العقوبة على من لم يقم بإعلان الزوجة، وفي هذا الشأن نصت المادة (348) أحوال شخصية على أنه (ب – يجب على كل زوج طلق زوجته أن يبلغ الجهة المختصة بذلك خلال اسبوع من تاريخ وقوعه وذلك تحت طائلة التعرض للعقوبات القانونية في حالة عدم الالتزام بذلك) وهذا مسلك حسن للقانون اليمني قطع فيه الجدل الفقهي المعاصر بشأن الطلاق الشفوي حيث اشترط القانون على الزوج المطلق إبلاغ الأمين الشرعي المختص بواقعة الطلاق حتى يتم إثباتها في الورقة الرسمية المعدة لهذا الغرض وأن يحدد مطلق الزوجة عنوان الزوجة حتى يتولى الأمين الشرعي إعلان الزوجة بذلك اعلاناً صحيحاً،وفي هذا الشان فاننا نوصي وزارة العدل باصدار تعميم على الامناء يقرر الزامهم باعلان الزوجات المطلقات بوثائق طلاقهن واعداد نموذج لهذا الاعلان، والله اعلم.