آثار الطلاق بالنسبة للزوجة التي لا تتحقق إلا من تاريخ علمها بالطلاق
آثار الطلاق بالنسبة للزوجة التي لا تتحقق إلا من تاريخ علمها بالطلاق
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
للأسف
يقوم بعض الأزواج بطلاق زوجاتهم من غير أن يقوم الزوج بإعلامها الزوجة بطلاقها
لأسباب عدة من أهمها الكيد بالزوجة والأضرار بها وبأهلها، ولذلك أوجب قانون
الأحوال الشخصية على الزوج أن يقوم بإعلان أو إعلام الزوجة بالطلاق، وفي هذا
المعنى نصت المادة (348) أحوال شخصية على أنه (-أ- توضح اللائحة الخاصة بتنظيم
أعمال أمناء التوثيق الإجراءات التي يجب على موثقي عقود الزواج والطلاق مراعاتها
في أعمالهم –ب- يجب على كل زوج طلق زوجته أن يبلغ الجهة المختصة بذلك خلال أسبوع
من تاريخ وقوعه وذلك تحت طائلة التعرض للعقوبات القانونية في حالة عدم الإلتزام
بذلك).
وتترتب آثار الطلاق بالنسبة للزوجة من تاريخ علمها بالطلاق مثل العدة، فقد نصت المادة (80) أحوال شخصية على أن العدة (تبدأ في الطلاق من تاريخ وقوعه إلا أن تكون المرأة غير عالمة به فمن تاريخ علمها)، وكذلك الحال بالنسبة للنفقة فإن المرأة تستحق نفقتها عن الفترة السابقة حتى تاريخ إعلامها بالطلاق، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 5-6-2012م في الطعن رقم (49782)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى بأنه (وحيث لم يتصل علم المدعية بواقعة طلاقها إلا بتاريخ (...) فيلزم المدعى عليه تسليم نفقة المدعية عن الأشهر السابقة على تاريخ علمها بواقعة الطلاق)، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتأييد الحكم الابتدائي، لأنه ليس هناك إجحاف على المستأنف في الحكم عليه بدفع النفقة السابقة على إعلام الزوجة بواقعة طلاقها، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي قضت الدائرة الشخصية بإقرار الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: ((ومن خلال إطلاع الدائرة على الطعن والرد عليه والحكم الاستئنافي المؤيد للحكم الابتدائي، فقد تبين للدائرة: أن الطاعن لم يأت بجديد في عريضة طعنه، فكل ما ورد في الطعن هو تكرار لوقائع سبق له طرحها أمام محكمتي الموضوع))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: كيفية وقوع الطلاق:
الطلاق
لفظ مخصوص قد يكون صريحاً أو كناية ، ويصدر لفظ الطلاق من الزوج أو وكيله، وقد
يصدر هذا اللفظ في غياب الزوجة أو من غير علمها، وعدم علم الزوجة بالطلاق هو
المقصود بتعليقنا هذا.
ولأن
الطلاق يقع بلفظ مخصوص يصدر من الزوج بارادته المنفردة فإن الزوج في غالب الأحيان
يتلفظ به شفاهة، وقد يكون ذلك بحضور شهود أو من غير حضور شهود، وقد تعلم الزوجة
بالطلاق وقد لاتعلم به، وعندئذٍ يتعذر إثبات الطلاق أو إعلام الزوجة به، ولذلك فقد
جاءت تعليمات قطاع التوثيق بوزارة العدل
بشأن تحرير وتوثيق المحررات، فقد أوجبت
هذه التعليمات تحرير وثيقة الطلاق بنظر الأمين الشرعي المختص الذي يتولى تحرير
وكتابة وثيقة الطلاق وفقاً للنموذج الذي قامت بإعداده وزارة العدل، فيحضر الرجل
المطلق إلى الأمين الشرعي ، وغالباً ما يحضر الرجل المطلق إلى الأمين الشرعي بعد
قيامه بالتلفظ بالطلاق فيقر أمامه بأنه قد قام بطلاق زوجته وبناء على ذلك يقوم
الأمين بتحرير وثيقة الطلاق وفي بعض الحالات لايكون الزوج قد تلفظ بالطلاق بعد فيتلفظ أمام الأمين الذي يكتب ذلك في نموذج
وثيقة الطلاق ، ووفقاً لتعليمات قطاع التوثيق بوزارة العدل فأنه يجب على الأمين
الشرعي أن يقوم بإعلام الزوجة بالطلاق عملاً بالفقرة (أ) من المادة (348) أحوال
شخصية التي نصت على أنه (توضح اللائحة الخاصة بتنظيم أعمال أمناء التوثيق
الإجراءات التي يجب على موثقي عقود الزواج والطلاق مراعاتها في أعمالهم).
الوجه الثاني: إعلام الزوجة بالطلاق:
نصت المادة (348) أحوال شخصية على أنه ((-أ- توضح اللائحة الخاصة بتنظيم أعمال أمناء التوثيق الإجراءات التي يجب على موثقي عقود الزواج والطلاق مراعاتها في أعمالهم –ب- يجب على كل زوج طلق زوجته أن يبلغ الجهة المختصة بذلك خلال أسبوع من تاريخ وقوعه وذلك تحت طائلة التعرض للعقوبات القانونية في حالة عدم الإلتزام بذلك)، فهذا النص يصرح بأنه يجب على الزوج إبلاغ الجهة المختصة بواقعة طلاقه، والمقصود بالجهة المختصة في هذا النص هو الأمين الشرعي الذي يتولى تحرير وكتابة إقرار الزوج بالطلاق وإثباته في الوثيقة أو النموذج المعد لهذا الغرض، ووفقاً للتعليمات الصادرة من قطاع التوثيق بوزارة العدل فإنه يجب على الأمين أن يتولى إعلان الزوجة أو أهلها بواقعة طلاقها .
الوجه الثالث: إشكالية إثبات الطلاق:
من
الإشكاليات المعاصرة بشأن إثبات الطلاق، أن الطلاق في مفهومه الشرعي والقانوني هو
تصرف من التصرفات التي تصدر بالإرادة المنفردة من الزوج، ويقع الطلاق باللفظ
الشفهي الصادر من الزوج دون حاجة إلى أي إجراء آخر ، ولذلك فقد ذهب جمهور الفقهاء
إلى عدم وجوب الإشهاد على الطلاق ، لان الزوج
مصدق فيه، فالقول قوله ، في حين ذهب الشيعة الجعفرية إلى وجوب الإشهاد على الطلاق
مثله في ذلك مثل الإشهاد على الزواج لضرورة التحوط في الإبضاع في الحالتين.
وبشأن
إثبات الطلاق فقد نصت المادة (70) أحوال شخصية على أنه (إذا اتفق الزوجان على وقوع
الطلاق واختلفا على كونه رجعياً أم بائناً فالقول لمنكر البائن إلا أن يكون الزوج
مقراً بأنه طلقها ثلاث فالقول قوله، وإذا اختلف الزوجان على وقوع الطلاق في وقت
مضى فالقول لمنكر وقوعه)، ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر أنه قد تناول حكم الطلاق
الذي يقع في الماضي فلم يجعل القول قول الزوج بإعتباره صاحب الحق في الطلاق وإنما
جعل القول لمن ينكر وقوع الطلاق، لأن الزواج ثابت قطعاً فلاينفى الا ببينة.
الوجه الرابع: كيفية إعلام الزوجة بالطلاق:
لم
يحدد قانون الاحوال الشخصية كيفية إعلام الزوجة بالطلاق، ولذلك يجوز إعلامها بأية
وسيلة تدل قطعاً على أنه قد تم بالفعل إعلامها بواقعة طلاقها، وإن كان الأفضل هو
إعلامها عن طريق محضر المحكمة، وفي الواقع العملي يتم إعلان الزوجة بطلاقها عن
طريق أهلها أو جيرانها، وفي بعض الحالات يتم إعلانها شفاهة والإشهاد على ذلك.
الوجه الخامس: الآثار المترتبة على إعلام الزوجة بالطلاق:
هناك آثار اتفق الفقهاء بشأنها منها: أن المرأة
المطلقة تعتد من تاريخ علمها بواقعة الطلاق، حسبما هو مقرر في المادة (80) أحوال
شخصية التي نصت على أن العدة (تبدأ في الطلاق من تاريخ وقوعه إلا أن تكون المرأة
غير عالمة به فمن تاريخ علمها)، فهذا النص يقرر أن عدة المطلقة تبدأ من تاريخ وقوع
الطلاق إذا كانت عالمة به وإذا لم تكن عالمة به فمن تاريخ علمها، وكذلك تستحق
المرأة المطلقة نفقتها عن الفترة السابقة لعلمها بواقعة الطلاق مثلما قضى الحكم
محل تعليقنا، وكذا لا يجوز للمرأة المطلقة ثلاثاً العالمة بذلك أن تمكن زوجها منها ، ولا يجوز للزوج أن يؤتيها في هذه الحالة اي
إذا كانت مطلقة ثلاثا ، أما المطلقة رجعياً فيحق لزوجها معاشرتها، وتكون المعاشرة رجعة
فعلية لها.
وهناك آثار محل خلاف بين الفقهاء ومنها: ما إذا كانت الزوجة المطلقة غير العالمة بالطلاق ترث زوجها المتوفى الذي طلقها قبل وفاته ولم تعلم بطلاقها ، حيث يذهب جمهور الفقهاء إلى أنها لا ترث زوجها إذا كان قد ثبت أنه طلقها ولو لم تكن تعلم بذلك، لأن العلم بالطلاق ليس شرطاً في وقوع الطلاق الذي يقع بإرادة الزوج المنفردة، في حين يذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن الزوجة التي لاتعلم بطلاقها ترث في هذه الحالة، لان كافة اثار الطلاق بالنسبة للزوجة لا تتحقق الا من تاريخ علمها بالطلاق ، والله اعلم.
![]() |
| آثار الطلاق بالنسبة للزوجة التي لا تتحقق إلا من تاريخ علمها بالطلاق |
