الطلاق بقصد حمل الزوجة على فعل شيء أو تركه

الطلاق بقصد حمل الزوجة على فعل شيء أو تركه

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.

من المسائل المثيرة للجدل الفقهي والقانوني في الوقت الحاضر تعليق الزوج لطلاقه على فعل الزوجة لشيء معين أو تركها لشي معين بقصد حمل زوجته على فعل أو ترك شئ معين ، كأن يعلق الزوج طلاق زوجته على ذهابها إلى حفلة ماجنة بقصد منعها من الذهاب الى الحفلة أو بقصد منعها من الذهاب إلى مكان معين أو منعها من عمل أو أمر معين أو منعها من إستقبال شخص معين في داره أو منعها من التواصل مع شخص معين أومنعها من لبس لباس معين أو بقصد حمل الزوجة على فعل معين كلبس ثوب ساتر.. وهكذا.

فالزوج في هذه الاحوال يعلق طلاقه لزوجته على قيامها بفعل معين أو إمتناعها عن فعل معين، فهذا الطلاق هو الطلاق المعلق الذي ذهب بعض الفقهاء إلى وقوعه إذا وقع الفعل أو الترك الذي تم تعليق الطلاق عليه ، وحجة هولاء الفقهاء في ذلك حديث (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد ومنهن الطلاق) فالزوج طالما قد تلفظ بلفظ الطلاق الصريح فلاينبغي البحث عن نية الزوج أو قصده من تلفظه بالفظ الطلاق الصريح ، فلا نبحث عن قصد المطلق الا اذا تلفظ الزوج بلفظ من الفاظ الكناية في الطلاق،في حين ذهب فريق اخر من الفقهاء إلى تضعيف : حديث ثلاث جدهن جد ، فالطلاق من وجهة نظر هولاء لا يقع بمجرد تلفظ الزوج بالطلاق المعلق ان الزوج لايقصد الطلاق، فإذا كان قصد الزوج من التلفظ بالطلاق المعلق هو حمل الزوجة على فعل أو ترك فإن الزوج في هذه الحالة لم يقصد بلفظه توقيع الطلاق وإنما قصده قد أتجه إلى منع الزوجة من عمل أو حثها على ترك عمل معين، والقاعدة أن (الأمور بمقاصدها)، فلا يقع الطلاق في هذه الحالة ، لأن الزوج لم يقصد بلفظه بالطلاق المعلق إيقاع الطلاق حقيقة وإنما قصده من ذلك هو تهديد الزوجة أو حملها على عمل معين أو ترك أمر معين، وقد أشار إلى هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 16-1-2012م في الطعن رقم (47992)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن أسبابه: (مع كون الطلاق مشروطا بشرط ومع أن الزوج قد تلفظ به ولكنه قد قرنه هنا على شرط عدم خروج الزوجة من البيت ، ولما تم الخروج من قبل الزوجه فلايقع بحقها الطلاق عملاً بأحكام المادة (58) أحوال شخصية) ، اما محكمة الاستئناف فقد قضت بإلغاء الحكم الابتدائي وقضت بأن الطلاق قد تم وهو مكمل للثالثة، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي ، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (فالأسباب التي توصلت إليها محكمة الاستئناف في حكمها بإلغاء الحكم الابتدائي والحكم بثبوت قيام الزوج بطلاق زوجته ثلاث طلقات تخللتهن الرجعة وإعتبار طلاقه طلاقاً بائناً بينونة كبرى فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ، فقد وجدت الدائرة تلك الاسباب صحيحة موافقة في نتيجتها لاحكام الشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: الطلاق المعلق على فعل شيء او تركه في قانون الاحوال الشخصية اليمني:

نصت المادة (65) أحوال شخصية على أن (الطلاق المعلق على فعل شيء أو تركه يقع بوقوع شرطه الذي علقه به)، فهذا النص صريح في وقوع الطلاق المعلق إذا وقع الشرط من فعل أو ترك، طالما أن الزوج قد تلفظ بلفظ الطلاق وعلقه على فعل أو ترك بغض النظر عن قصد الزوج المتلفظ بلفظ الطلاق، سواء قصد من ذلك حمل الزوجة على فعل شيء أو تركه أو قصد غير ذلك ، ففي كل الاحوال يقع الطلاق المعلق إذا تحقق الشرط الذي تم تعليق الطلاق عليه سواءً كان قصد الزوج من تلفظه بلفظ الطلاق المعلق حمل الزوجة او منعها من فعل أو ترك أو لم يقصد الزوج ذلك، وقد أخذ القانون اليمني بقول الفقهاء الذين ذهبوا إلى ان الزوج طالما قد تلفظ بلفظ الطلاق الصريح فلاينبغي البحث عن نية الزوج أو قصده من تلفظه بالفظ الطلاق الصريح ، فلا نبحث عن قصد المطلق الا اذا تلفظ الزوج بلفظ من الفاظ الكناية في الطلاق. (الوجيز في أحكام الأسرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص112).

الوجه الثاني: الطلاق بقصد منع الزوج لنفسه من عمل شيء أو ترك شيء :

إذا تلفظ الزوج بلفظ الطلاق بقصد منع نفسه من فعل شيء أو ترك شيء، كأن يقول: إذا فعلت كذا فزوجتي طالق، فقد ذهب فريق من الفقه الإسلامي إلى أن ذلك يكون طلاقاً ، لأن الزوج قد تلفظ بلفظ الطلاق الصريح فلا نبحث عن قصده او نيته في الطلاق، لأن البحث عن النية لا يكون إلا في الطلاق كنابة ، ودليل هؤلاء حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد)، في حين ذهب جماعة من الفقه الإسلامي إلى أن الطلاق لا يقع في هذه الحالة ، لأن قصد الزوج من تلفظه بالطلاق المعلق في هذه الحالة هو منع نفسه من شيء أو حمل نفسه على فعل شيء، فإذا لم يقم الزوج بالفعل أو لم يمتنع عن العمل فلا يقع الطلاق، وإنما يكون ذلك يميناً يجب على الزوج أن يكفر عن ذلك بكفارة اليمين، وقد افتى بهذا القول جماعة من علماء مصر والسعودية وغيرهم.

اما قانون الأحوال الشخصية اليمني فقد نص في المادة (66) على إنه (لا يقع الطلاق بالحلف يمين الطلاق او الحرام ويلزمه الكفارة إن لم ينو الطلاق) ، ويظهر من هذا النص أن الزوج إذا تلفظ بلفظ الطلاق او الحرام بصيغة يمين فلا يكون ذلك طلاقاً إلا إذا كان الزوج قد نوى ذلك، والتلفظ بالطلاق بصيغة اليمين كأن يقول الزوج: عليه الحرام أو الطلاق من زوجته أن لا يدخل بيت فلان أو: أن لا تذهب زوجته إلى قاعة الأعراس.، فصيغة يمين الطلاق او الحرام تختلف عن صيغة الطلاق المعلق على فعل أو ترك السابق ذكرها.

الوجه الثالث: طلاق الزوج لزوجته المعلق على فعل أو ترك من قبل الزوجة في القانون المصري:

نصت المادة (2) من القانون رقم (25) لسنة 1929م بشأن بعض مسائل الاحوال الشخصية المصري نصت هذه المادة على أنه (لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء او تركه ).

 وقد ورد في المذكرة الإيضاحية للقانون المصري المشار إليه إن الطلاق (ينقسم إلى منجز وهو ما قصد به إيقاع الطلاق فوراً، وإلى مضاف إلى أجل كأنت طالق غداً، وإلى يمين طلاق نحو أن يقول:علي الطلاق لا افعل كذا، وإلى طلاق معلق كأن يقول الزوج لزوجته : إذا فعلت كذا فأنت طالق، والمعلق إن كان غرض المتكلم به التخويف او الحمل على فعل شيء او تركه وهو يكره حصول الطلاق ولا رغبة له في الطلاق كان هذا الطلاق في معنى اليمين بالطلاق، وإن كان بقصد به حصول الطلاق عند حصول الشرط لأنه لا يريد الإبقاء على زوجته لم يكن في معنى اليمين، وقد أخذ القانون المصري بقول الحنفية وطائفة من الشافعية والمالكية فيما يتعلق بعدم وقوع الطلاق في يمين الطلاق، كما أخذ القانون المصري في إلغاء الطلاق المعلق بقصد التخويف بقول الإمام علي كرم الله وجهه وشريح وعطاء وداود وابن حزم). (الوجيز في أحكام الأسرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص86). والله أعلم.

الطلاق بقصد حمل الزوجة على فعل شيء أو تركه
الطلاق بقصد حمل الزوجة على فعل شيء أو تركه