الحكم بفسخ العقد عند خلاف المتعاقدين

الحكم بفسخ العقد عند خلاف المتعاقدين

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
الحكم بفسخ العقد عند الخلاف
الحكم بفسخ العقد عند الخلاف
الأصل أن فسخ العقد يتم من قبل أطراف العقد ، إذا تحققت أسباب الفسخ المقررة في القانون أو إذا تحققت أسباب الفسخ المحددة في العقد ذاته، بيد أنه إذا احتدم واستحكم الخلاف بشأن تنفيذ العقد وتفسيره بين المتعاقدين واتصل القضاء بالخلاف عن طريق دعوى مرفوعة أمام القضاء، فإن محكمة الموضوع تملك أن تحكم بإنهاء العقد إذا قدرت محكمة الموضوع أن الخلاف بين المتعاقدين قد استحكم وبلغ مبلغاً يتعذر معه الإبقاء على العلاقة العقدية أو الاستمرار فيها ، وعند حكم القضاء بإنهاء العقد في هذه الحالة فانه ينبغي أن يتضمن الحكم تصفية الآثار المترتبة على إنهاء العقد حتى يكون الحكم ذاته حاسما ، وحتى يتحقق مبدا الاقتصاد في إجراءات التقاضي، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 28-2-2010م في الطعن رقم (36466)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: ((فلم يكن حكم الشعبة خارجاً عما طرح بصحيفة الاستئناف، وانه لم يحكم بما لم يطلبه الخصوم، فقضاء الشعبة موافق للقانون فقد اخذ بتقرير الخبير واعمل حكم المادتين (173 و 175) إثبات، ولذلك يتبين أن ما اثارته الطاعنة ظاهر التكلف ، أما ما ورد بطعنها بشأن فسخ عقد المقاولة وأن الشعبة اخطأت في تطبيق القانون وبالذات المادة (211) مدني فلم يكن الفسخ محل إعتراض ضمن عريضة الطاعنة، فهي موافقة على فسخ العقد ضمناً ، ولذلك فطعنها بالنقض غير مقبول من أصله وفقاً لأحكام المادة (273) مرافعات، وقد أيدت الشعبة ما قضت به محكمة أول درجة لما عللت به من استحالة إستمرار العلاقة بين طرفي النزاع ، فلم تكن الشعبة قد اخطأت في تطبيق المادة (211) مدني، مما يجعل الطعن مرفوضاً))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية: 

الوجه الأول: الفسخ والتفاسخ والإنفساخ في العقد

اتفق الفقه الإسلامي والقانون اليمني على أن العقد ملزم لأطرافه وأنه يجب عليهم الوفاء بالتزاماتهم العقدية وأنه يجوز لهما الاتفاق على إنهاء العقد بتفاسخهم، فإذا اتفق المتعاقدون على إنهاء العقد اثناء مدة سريانه فأن ذلك هو: (التفاسخ) ويجوز للمتعاقدين الاتفاق المسبق على إنفساخ العقد من تلقاء ذاته من غير حاجة إلى أي إجراء آخر فيكون ذلك (إنفساخاً) ،وكذا ينفسخ العقد بحكم الشرع وقوة القانون إذا تخلف ركن من أركان العقد أو شرط من شروطه ، فإن العقد في هذه الحالة يكون باطلاً ، ويترتب على ذلك إنفساخ العقد بحكم الشرع والقانون، ففي هذه الحالة (ينفسخ) العقد بحكم الشرع والقانون، ومن جانب آخر يحق لأي من أطراف العقد أن يطالب بفسخ العقد إذا لم يف الطرف الآخر بالتزامه وفقا لاحكام الشرع والقانون. 

الوجه الثاني: الرضائية في العقد

وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية والقانون فإن أساس العقد التراضي بين أطرافه، فسلطان الإرادة هو الغالب في العقد، فإنشاء العقد أو إبرامه يقوم على التراضي بين أطراف العقد، ومن ناحية أخرى فإن حل العقد أو إنهائه أو فسخه ينبغي أن يتم على أساس التراضي بين أطراف العقد، وهذا هو الأصل العام. 

الوجه الثالث: تأثير الحوادث الاستثنائية العامة على العقد وعلاقة ذلك بحكم القضاء بفسخ العقد عند الخلاف

الحوادث الاستثنائية العامة التي تحدث في منطقة أو مكان معين كالحروب والكوارث التي لم يكن بوسع المتعاقدين توقعها وقت التعاقد لها تاثير بالغ على الالتزامات الواردة في العقد، فإذا ترتب على الحوادث الاستثنائية صيرورة الإلتزام العقدي مرهقاً بالنسبة لاحد أطراف العلاقة العقدية، فعندئذ يحق للقاضي أن يقوم بتعديل الإلتزام المرهق، حسبما هو مقرر في المادة (211) مدني التي استند عليها الحكم محل تعليقنا في قضائه، وقد نصت المادة (211) مدني على أن (العقد ملزم للمتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله الا باتفاق الطرفين او للاسباب التي يقررها القانون الشرعي، ومع ذلك اذا طرات حوادث استثنائية عامة كالحروب والكوارث لم تكن متوقعة وترتب على حدوثها ان تنفيذ الالتزام التعاقدي وان لم يصبح مستحيلا صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة لا يستطيع معها المضي في العقد, ولا يعني ذلك ارتفاع الاسعار وانخفاضها جاز للقاضي تبعا للظروف من فقر او غني وغير ذلك, وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين ان يرد الالتزام المرهق الى الحد المعقول).
وقد استند الحكم محل تعليقنا إلى هذا النص في قضائه بفسخ العقد بسبب خلاف المتعاقدين على أساس انه إذا كان يحق للقاضي تعديل الالتزام العقدي المرهق بسبب الحوادث الاستثنائية فانه يحق للقاضي أن يحكم بانهاء العقد ذاته بسبب هذه الحوادث الاستثنائية إذا قدر القاضي أن الخلاف بين اطراف العقد قد استحكم وانه من المتعذر إستمرارهم في العلاقة العقدية ،حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.

الوجه الرابع: حكم القضاء بفسخ العقد

سبق القول ان الأصل أن فسخ العقد يتم بالتراضي بين المتعاقدين خارج القضاء، غير أنه إذا اختلف المتعاقدون بشان مدى تحقق أسباب الفسخ وتم رفع الخلاف إلى القضاء، فإن القضاء يحكم بثبوت الفسخ إذا ثبت للقضاء أو تحقق من توفر سبب الفسخ، لأن عمل القضاء الفصل في الخلاف الذي يقع بين الأفراد، فإذا تحقق القضاء من السبب الذي استند إليه المدعي طالب الفسخ فإن الحكم يقضي بصحة طلب الفسخ. 
وقد قضى الحكم محل تعليقنا بأن قضاء المحكمة الابتدائية بفسخ العقد لاستحالة إستمرار العلاقة العقدية بين الطرفين المتنازعين صحيح، لأن المادة (211) مدني التي منحت القاضي الحق في تعديل العقد أو تعديل الإلتزام العقدي المرهق بسبب حوادث استثنائية فإن ذلك يعني أيضاً أن للقاضي الحق في إنهاء العقد إذا ثبت له أن تنفيذ الإلتزام العقدي متعذراً بسبب الخلاف والتنافر الشديد بين المتعاقدين. 

الوجه الخامس: الحكم بإنهاء العقد يستتبع معالجة الآثار المترتبة على إنهاء العقد

قضى الحكم محل تعليقنا بأن الحكم بإنهاء العقد أو فسخه يستتبع معالجة آثار إنهاء العقد وهي الحقوق والديون المترتبة على انهاء العقد، على ان يتم تصفيتها في الحكم ذاته الذي يقضي بانهاء العقد ، وذلك حتى يتحقق مبدأ الإقتصاد في إجراءات التقاضي ومبدأ عدم الهدر الإجرائي، طالما أن الخلاف قد احتدم واستحكم وثبت تعذر إستمرار العلاقة العقدية بين المتعاقدين ، ففي هذه الحالة يعد طلب إنهاء العقد مثاراً ضمناً أمام المحكمة التي تنظر الخلاف بين المتعاقدين ، كما أن ذلك ظاهر لمحكمة الموضوع اذا ثبت لها استحالة إستمرار العلاقة العقدية، فإن العقد في هذه الحالة يستحق الإنهاء، وتبعاً لذلك ينبغي تصفية آثار إنهاء العقد حتى لا تترك محكمة الموضوع آثار العقد لدعاوى أخرى يتم رفعها لاحقاً، فيترتب على ذلك إرهاق القضاء والعدالة والخصوم، والله أعلم.