المعلومات اللازمة لتطوير القضاء في اليمن
المعلومات اللازمة لتطوير القضاء في اليمن
أ.د.عبدالمؤمن شجاع
الدين
الأستاذ بكلية
الشريعة والقانون جامعة صنعاء
لا تكون القرارات
رشيدة إلا إذا كانت مستندة إلى معلومات دقيقة أكيدة، وعلى هذا القدر تكون القرارات
فإذا كانت المعلومات شاملة موثوق بها تكون المعالجات والإصلاحات شاملة ورشيدة،
ولذلك ينبغي أن تسبق أية معالجات أو إجراءات لتطوير القضاء مسوح استقصائية شاملة
ترصد أوجه القصور والنقص والإختلال بإسلوب علمي وأن يتم عرض المعلومات والبيانات
بطريقة تسهل عملية الإستفادة منها وتحليلها واستنباط النتائج منها لاحقاً، وقد كان
مجلس القضاء الأعلى قد قام عام 2010م بتشكيل لجنة من القاضي محمد محمد الغشم
والدكتور عبد المؤمن شجاع الدين والقاضي شايف الشيباني لإعداد استبيان يتضمن
البيانات والمعلومات اللازمة عن العمل القضائي ومعوقاته والعوامل المؤثرة عليه من
مختلف النواحي حتى يتمكن مجلس القضاء من الإستفادة من تلك المعلومات عند مناقشته
للعمل القضائي في محافظات الجمهورية وبالفعل قامت اللجنة بإعداد الإستبيان بعد
الإستئناس بالنماذج المعمول بها في كثير من الدول العربية والأجنبية ، ويتكون هذا
الإستبيان من أكثر من 156 صفحة وقد تم تقسيم الإستبيان موضوعياً أي بحسب المواضيع
التي يعالجها مثل المبنى القضائي/ حكومي / إيجار/ مدى كفاية قاعة الجلسات/ مدى
وجود قاعات مداولة/مدى كفاية المكاتب/مدى وجود غرفة حراسة /ما إذا كان المبنى آمن
أم غير آمن/ معوقات أو صعوبات العمل في
المبنى/ وغيرها أسئلة كثيرة جداً تتناول كل ما يخطر من إشكاليات ومعوقات متصلة
بالمبنى القضائي وكذلك الحال بالنسبة
لبقية المواضيع التي تضمنها الإستبيان، وكانت الإجابات قابلة للقياس في أغلبها(
ردي/مقبول/جيد /مناسب/غيرمناسب...) إضافةً إلى وجود صفحة في كل موضوع تتضمن
المقترحات ويتم صياغتها على هيئة نقاط، وقد تناول هذا الإستبيان كل العوامل
والأسباب والمؤثرات على القضاء والقاضي والجهات المتعاملة مع القضاء كالمحامين
والخبراء ومأموري الضبط القضائي والمجالس المحلية والمشائخ، وبالفعل تم الإنتهاء
من إعداد الإستبيان وتم الإتفاق على تنفيذه حيث تم اختيار عينات من القضاة
والمحامين والاكاديميين لتوزيع الإستبيان عليهم وكانت عينة القضاة هي العينة
السائدة والغالبة، إلا أن الإستبيان لم تتم متابعته مع أهميته البالغة لتطوير
القضاء والوقوف على العوامل المؤثرة عليه والإشكاليات والصعوبات التي يكابدها،
ولذلك فإن أية محاولات لتطوير القضاء ينبغي أن تسبقها المسوح المناسبة والكافية
والشاملة التي تتناول كافة المواضيع والجهات المتصلة بالقضاء بما في ذلك إجراءات
التقاضي والسجلات والنماذج القضائية، حيث تنظم إجراءات التقاضي قوانين كالمرافعات
والإجراءات والإثبات والسلطة القضائية، والواجب على القضاء والقضاة الإلتزام بتلك
الإجراءات المحددة قانوناً والقضاة أكثر دراية ومعرفة بمدى مناسبة وكفاية هذه
الإجراءات المحددة قانوناً، ولا شك أنهم يدركون عوار بعض الإجراءات وتأثيرها في
تعويق أعمال القضاء ، لأن القضاة هم الذين يتولون تطبيق هذه النصوص ولذلك ينبغي أن
تقوم الجهات المختصة كمجلس القضاء الأعلى
وهيئة التفتيش القضائي بإعداد استبيانات واختيار عينات مناسبة من القضاة
لمعرفة النصوص القانونية الإجرائية التي تعيق إجراءات التقاضي أو تحول دون سرعة
الفصل في القضايا أو تلك التي تتيح للخصوم التقاضي الكيدي، إضافةً إلى أن هناك
نصوص قانونية متعارضة يتم تطبيقها بطريقة غير مضطردة، إضافةً إلى أن هناك نصوص
قانونية لا يتم تطبيقها نهائياً ، فعملية استقصاء هذه النصوص ومسحها ودراسة نتائج
ذلك واقتراح المعالجات والتوصيات المناسبة مدخل سليم لمعالجة الركود القضائي، لأن تعديل النصوص
القانونية الإجرائية يجب أن يكون بناءً على استبانات القضاة المعنيين الذين يتولون
تطبيق هذه النصوص ولا يكفي هذا بل يجب أن
تكون آراء هؤلاء القضاة ة حاضرة في أثناء مراحل التعديل للنصوص القانونية بدءً من
مرحلة صياغة التعديلات في مجلس القضاء الأعلى وانتهاء باللجان المتخصصة في
البرلمان وانتهاء بقاعة البرلمان، لأن الملاحظ أن التعديل للنصوص يستغرق وقتاً
ويتم بنظر جهات ومراحل عدة فتتغير صيغة التعديلات دون الرجوع إلى الأشخاص الذين
اقترحوا هذه التعديلات أصلاً، كما ينبغي تنظيم حلقات نقاش يحضرها القضاة معدوا
الإستبيانات والأكاديميين والباحثين لمناقشة التعديلات المقترحة وإعداد مصفوفة
تتضمن النصوص النافذة ومقترحات تعديلها
والنصوص المقابلة لها في قوانين بعض الدول بالإضافة إلى الأسباب الموجبة للتعديل،
لأن النقاش الشفوي يضمن معرفة كافة وجهات النظر كما أنه يكون أكثر تفصيلاً وبياناً
من كتابة المقترحات وتدوينها، لأن التعديلات المجملة لا تفهمها الجهات التي ترفع
إليها التعديلات.
كما أن هناك إجراءات قضائية لم يحددها القانون وإنما ابتكرها القضاة تلبية لمتطلبات العمل القضائي في أوقات ماضية وتناقلها القضاة خلفاً عن سلف والتزموا بها من دون معرفة ماهيتها وما إذا كانت هذه الإجراءات مناسبة في الوقت الحاضر أم لا، وينطبق هذا القول على السجلات والنماذج التي لم تخضع للدراسة والتحليل لمعرفة مدى مناسبتها وكفايتها في العصر الحاضر، وللتدليل على ذلك تكفي الإشارة إلى نموذج قرار الإتهام ( الدعوى الجزائية) الذي يكون في أحيان كثيرة صفحة واحدة مع أن الدعوى الجزائية ينبغي أن تتضمن الركن المادي والركن المعنوي والركن الشرعي للجريمة المنسوبة للمتهم، فهذا النموذج وغيره مازال كما هو منذ انشاء النيابة العامة عام 1978 ولذلك ينبغي استطلاع آراء القضاة وأعوانهم للوقوف عملياً على مدى كفاية وملائمة السجلات والنماذج وأوجه القصور فيها ومقترحات استيفاء أوجه القصور ومقترحات تطويرها ، كما أنه من المناسب الحصول على النماذج والسجلات المعمول بها في الدول الأخرى للإستئناس بها في تطوير السجلات والنماذج في المحاكم والنيابات في اليمن، كما ينبغي أن تتضمن السجلات في بدايتها إرشادات لكيفية استعمالها بالإضافة إلى التعريف بالغرض من كل حقل أو بيان من البيانات الواجب تضمينها في السجل لما لذلك من أهمية عند استعمال السجل أو تطويره، وكذلك الحال بالنسبة للنماذج حيث ينبغي أن تدرج خلف النموذج إرشادات استعماله بالإضافة إلى بيان الغرض من استعمال كل مفردة من مفرادته، بالإضافة إلى ما سبق ينبغي الوقوف على إجراءات التقاضي الحديثة المتبعة في كثير من الدول وبحث إمكانية تطبيقها في ضوء القوانين النافذة ، ونظراً إلى الظروف التي تعاني منها اليمن في الوقت الراهن فإن الطريقة المناسبة للوقوف على إجراءات التقاضي الحديثة هو تنظيم ورش عمل وحلقات نقاش لبحث هذا الموضوع واقتراح التوصيات المناسبة في هذا الشأن.
