مقتضيات الحكم بصحة المحرر أو بطلانه
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
قد يرفع المدعي دعواه امام المحكمة طالبا إبطال عقد أو تصرف تم تدوينه في محرر، وبالمقابل يطلب خصمه المدعى عليه صحة المحرر المدعى ببطلانه ، ومن ناحية اخرى يقوم الخصوم أثناء نظر القاضي للنزاع بينهم يقوم الخصوم بإبراز محررات للإستدلال بها على صحة دعاويهم أو طلباتهم او دفوعهم او ردودهم، وعندئذٍ تكون تلك المحررات ادلة معروضة على المحكمة فتكون المحررات محلاً للبحث والنقاش والدراسة من قبل الخصوم الذين يبينوا للقاضي جوانب الصحة اوالبطلان في تلك المحررات، ولهذه الغاية يقدم الخصوم الأدلة والشواهد على صحة او بطلان تلك المحررات، وإذا اقتضى الأمر الاستعانة بأعمال الخبرة الفنية فإن القاضي يقوم بإحالة المحرر او المحررات إلى الجهة المختصة (الإدارة العامة للأدلة الجنائية/ المعمل الجنائي) للفحص الفني للمحررات محل الخلاف والإفادة للمحكمة عما إذا كانت صحيحة او باطلة (مزورة)، بيد أن الحكم بصحة المحرر او بطلانه يقتضي أن يكون هناك ضمن أوراق القضية طلباً من الخصم جازماً صريحاً يقرع سمع المحكمة يطالب فيه الخصم من المحكمة الحكم له بصحة المحرر او بطلانه، فلا ينبغي للقاضي أن يتبرع بالحكم بصحة أو بطلان محرر في دعوى لها طلباتها الخاصة المزبورة في مذكرات الخصوم المتبادلة، وقد أشار إلى هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 25-6-2012م في الطعن رقم (45286)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي قضى ب: (3- ثبوت صحة مستندات المدعى عليه وهي: المستند الأول المؤرخ.... ،والثاني المؤرخ.... ،والثالث المؤرخ....، والرابع المؤرخ.... ، والخامس المؤرخ.... ، والسادس المؤرخ.... -4- بطلان مستند الوهبية المقدم من المتدخلين المؤرخ.... ، وكذا بطلان المستند المؤرخ....، ووجوب قسمة الأموال المذكورة في هذين المستندين بين الورثة)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (وبعد الإطلاع على الحكم الابتدائي وما تبعه لدى محكمة الاستئناف ودراستهما : فقد تبين للدائرة: أن ما توصلت إليه محكمة الاستئناف في حكمها هو الموافق من حيث النتيجة لأحكام الشرع والقانون لما استند إليه وعلل به)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: الحكم بصحة او بطلان المحرر يعني الحكم بصحة او بطلان التصرف المذكور في المحرر:
المحررات التي يتمسك بها الخصوم امام المحكمة هي عبارة عن وسيلة إثبات كتابية للتصرفات والعقود الواردة فيها.، فقد تتضمن هذه المحررات بيعاً او قسمة او نذر او إجازة او هبة او عمرى او رقبى، فالواقع أن هذه المحررات تثبت العقود والتصرفات الواردة فيها، ولذلك فأن حكم القاضي بصحتها او بطلانها يستوجب على القاضي دراسة وتمحيص اركان وشروط العقد او التصرف المذكور في المحرر .
الوجه الثاني: المحرر محل الخلاف المنظور امام القاضي:
سبق القول ان المحررات ما هي إلا وسيلة إثبات للعقود او التصرفات المذكورة في المحررات ، ولذلك فقد يكون المحرر ذاته محل الخلاف بين الخصوم، فمثلاً في دعوى نقض القسمة يكون محرر القسمة المتضمن القسمة المطلوب نقضها يكون هذا المحرر هو محل الخلاف، فحينئذٍ يكون ذلك المحرر محل الدراسة والبحث والمناقشة للتحقق من صحته او بطلانه، بسبب إختلاف الخصوم بشان المحرر فبعضهم يدعي صحة المحرر ويطلب الحكم له بصحة المحرر ، في حين يدعي الخصم الاخر بطلان المحرر ويطلب من المحكمة الحكم له ببطلان المحرر، ففي هذه الحالة يحكم القاضي بصحة او بطلان ذلك المحرر،لان هناك طلب من الخصوم بذلك، كذلك الحال في دعاوى صحة العقود والتصرفات او بطلانها فالقاضي يحكم بصحة المحرر أو بطلانه بناء على طلب الخصوم ببطلان العقد أو التصرف.
الوجه الثالث: المحرر كدليل في الدعوى او القضية:
في بعض الأحيان يكون المحرر المقدم من الخصم ليس موضوع الدعوى وإنما دليل على صحة الدعوى او بطلانها بحسب مركز الخصم الذي قدم المحرر، وحينئذٍ يجب على القاضي عند تسبيب الحكم التفرقة بين المحرر الذي يقوم عليه حكمه وبين المحرر الزائد الذي يقوم الحكم من دونه، فعندما يقوم الحكم على المحرر، ففي هذه الحالة فإن القاضي ملزم بالإستناد إلى وجه الإستدلال بالمحرر على صحة الدعوى او بطلانها دون التعرض إلى بطلان المحرر او صحته ودون ان يصرح القاضي في الحكم بثبوت صحة المحرر او بطلانه.
الوجه الرابع: طلبات الخصوم والحكم بصحة المحرر او بطلانه:
طلبات الخصوم الواردة في المذكرات المقدمة منهم إلى المحكمة او الواردة في أقوالهم الثابتة في محاضر الجلسات هي دعاوى يجب على الخصوم إثبات صحة تلك الطلبات، فإذا أفلح الخصم في إثبات طلبه حكم له القاضي بطلبه وإن لم يفلح حكم القاضي برفض طلبه، ولذلك يجب أن تكون للطلبات أدلة تثبت صحتها من القانون والواقع.
فيشترط في الطلبات التي يرفعها الخصوم أمام المحكمة أن تكون مؤيدة بالأدلة القانونية (النصوص) ومؤيدة كذلك بالادلة على صحة الوقائع والتصرفات المدعى بها ومن ضمن هذه الادلة (المحررات) سواءً تم تقديمها في سياق الدعوى او الرد عليها أو الدفع او التدخل او الطلبات الإضافية والعارضة، كما يجب أن تكون طلبات الخصوم صريحة وواضحة ً وجازمة تقرع سمع المحكمة ويصر عليه الخصم الطالب ،وعلى هذا الأساس ينبغي النظر إلى طلب الخصم بصحة التصرف او بطلانه، فيجب على الخصم الذي يطلب صحة المحرر او بطلانه يجب عليه أن يثبت صفته ومصلحته وأن يثبت صحة او بطلان الوقائع المذكورة في المحرر وأن يذكر النصوص القانونية التي تقضي بصحة تلك الوقائع او بطلانها، كما يجب أن يكون طلب الخصم بصحة المحرر او بطلانه صريحاً وجازماً يقرع سمع المحكمة، فإن لم يكن الطلب على هذا النحو فأنه جديراً بالرفض لعدم توفر الشروط القانونية اللازمة لقبوله، ففي هذه الحالة لا يجوز للقاضي أن يحكم بصحة المحرر او بطلانه. (سلطة القاضي المدني في تقدير الادلة، د، آدم وهيب النداوي، ص465)
الوجه الخامس: أثر الحكم بصحة المحرر او بطلانه:
يترتب على حكم القاضي بصحة المحرر الحكم بصحة العقد او التصرف المذكور في المحرر، كما يترتب على الحكم ببطلان المحرر الحكم ببطلان التصرف المذكور في المحرر، ولذلك يحرص بعض القضاة عند الحكم بصحة المحرر على تحديد أوجه الصحة في المحرر وكذا تحديد أوجه البطلان إذا كان الحكم بالبطلان، وكذا بيان نطاق البطلان او الصحة إذا اعترت المحرر أوجه الصحة والبطلان معاً، بالاضافة إلى مناقشة اركان وشروط العقد أو التصرف المذكور في المحرر للتدليل على أن الحكم قد ناقش التصرف الوارد في العقد، وكذا يتعرض الحكم ببطلان المحرر الى اوجه تزوير المحرر إذا حكم القاضي ببطلان المحرر دون ان يناقش اركان التصرف الوارد في المحرر الثابت تزويره، والله اعلم.
![]() |
| مقتضيات الحكم بصحة المحرر أو بطلانه |
مقالات ذات صلة
