الإنكار يقتضي الإثبات - في القانون اليمني

 

الإنكار يقتضي الإثبات

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

الإنكار وسيلة سلبية محضة يؤدي سلوكها إلى غموض لا يمكن القاضي من الوقوف على الحقيقة، ولذلك ينبغي عند الإنكار البحث والتمحيص وتنبيه الخصم المدعي بإثبات ما انكره خصمه حتى يستبين القاضي الحقيقة والفصل في القضية كاملة بسرعة وسهولة ويسر ، فتنبيه القاضي للخصوم من مقتضيات إدارة القاضي الرشيدة لإجراءات المحاكمة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 14-12-2014م في الطعن رقم (56014)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((وحيث ان الطاعن قد انكر أمام الشعبة الاستئنافية توقيعه على إتفاق الحكم وتوقيعه على تشريف الحكم، فكان يجب على الشعبة بحث هذه المسألة، إذ أن الإنكار يقتضي الإثبات، وعليه ولما سلف بيانه فإن الحكم المطعون فيه يكون معيباً اجراءً وموضوعاً مما يستوجب نقضه لورود الطعن عليه))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:

الوجه الأول: ماهية الإنكار:

الإنكار نفي الخصم الواقعة أو التصرف أو الفعل أو القول أو المحرر المنسوب له، وعلى هذا المعنى فان الإنكار وسيلة سلبية محضة، وبما أن الإنكار يصدر من  المدعى عليه المنسوبة له الواقعة أو الفعل أو التصرف  فأنه يجب على المدعي ان يثبت التصرف أو الفعل الذي نسبه إلى المدعى عليه، لأن المدعى عليه لم يقر بالدعوى الموجهة إليه ، فينبغي على المدعي في هذه الحالة ان يثبت دعواه بطرق الإثبات المقررة قانوناً، ولذلك قضى الحكم محل تعليقنا بأن الإنكار يقتضي الإثبات، بمعنى ان إنكار المدعى عليه يستلزم قيام المدعي بإثبات دعواه، فإن لم يبادر المدعي إلى ذلك فينبغي على القاضي تنبيه المدعي إلى هذا الأمر .

الوجه الثاني: إدارة القاضي لإجراءات المحاكمة وتنبيه المدعي بالإثبات عند إنكار خصمه:

هناك معادلة صعبة يوازن فيها القاضي الرصين بين مبدأ حياد القاضي وعدم تلقينه للخصوم  وبين حق القاضي في إدارة وحسن سير اجراءات التقاضي وفقا للوجهة الشرعية والقانونية  حتى تتحقق غايات واهداف التقاضي، وهذه مهمة جسيمة تحتاج إلى حنكة القاضي وحكمته، ومن ذلك قيام القاضي بتنبيه المدعي بإثبات ما انكره خصمه حتى يستبين القاضي الحقيقة فيكون حكم القاضي عنوان الحقيقة وحتى يحيط  القاضي ويستوفي  القضية من جوانبها المختلفة فيكون الحكم فاصلا للقضية كاملة ، وتنبيه القاضي للمدعي بإثبات ما انكره المدعى عليه لا يعني الزام المدعي بالإثبات وإنما تنبيهه إلى ذلك، فإذا لم يقم المدعي بالإثبات حكم القاضي بعدم صحة الدعوى التي انكرها المدعى عليه وعجز عن إثباتها المدعى، وعندئذ يذكر القاضي في أسباب حكمه ان المدعي عجزعن الإثبات مع انه قد تم تنبيهه إلى ذلك ، فقد لاحظنا ان حكم المحكمة العليا محل تعليقنا نقض الحكم الاستئنافي لأنه قضى برفض دعوى بطلان حكم محكمة الاستئناف على أساس ان المدعي بالبطلان قد قام بالتوقيع على إتفاق التحكيم وعلى تشريفه للحكم مع أن المدعي بالبطلان قد انكر أمام الشعبة الاستئنافية توقيعه على إتفاق التحكيم أو تشريف الحكم، فكان يجب على الشعبة عند ذلك ان تنبه المدعى عليه بالبطلان بأن يثبت صحة توقيع المدعي طالما ان المدعي بالبطلان قد انكر التوقيع،فكان ينبغي على محكمة الاستئناف ان تتحقق من صحة التوقيع بعد إن انكره من نسب إليه التوقيع، وعلى هذا الأساس لا يعد تنبيه  القاضي المدعي لإثبات دعواه التي انكرها المدعى عليه لا يعد تلقيناً للمدعي.

الوجه الثالث: تنبيه القاضي للخصوم وتأثيره في تسريع وتيسير إجراءات التقاضي:

كثير من القضاة يتحرجون من تنبيه الخصوم، ومن ذلك تنبيه المدعي لإثبات دعواه التي انكرها المدعي وما شابه ذلك،  ويسلك القضاة هذا المسلك خشية وقوع القاضي في شبهة تلقين الخصوم، ويترتب على احجام القضاة عن تنبيه الخصوم في بعض المسائل إطالة إجراءات التقاضي، فغالبية احكام المحكمة العليا عبارة عن إرجاع للقضايا للاستيفاء، حيث تطول الإجراءات وتهدر الامكانيات ، ولذلك فلا حرج ولاتثريب على القاضي في تنبيه الخصوم، فذلك من ضمن سلطة القاضي في إدارة الدعوى عن طريق تنبيه الخصوم في بعض المسائل التي  يقدر القاضي انه يترتب على عدم بحثها ونقاشها من قبل الخصوم غموض القضية وقصور الحكم أو قد يترتب عليها إطالة إجراءات التقاضي وإعادة القضية من محكمة الطعن للإستيفاء، والله اعلم .



تعليقات