عدم قيام الأمين الشرعي بقيد عقد البيع في دفتر قيد المحررات
عدم قيام الأمين الشرعي بقيد عقد البيع في دفتر قيد المحررات
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
يشترط قانون التوثيق على الأمين أن يكتب عقد البيع وغيره من العقود والتصرفات في السجل الذي اطلق عليه القانون (دفتر قيد المحررات) ، إذ يجب على الأمين بحسب ما هو مقرر في قانون التوثيق ان يقوم الأمين ساعة إبرام العقد أو التصرف بكتابة العقد أو التصرف في الدفتر المشار إليه وفي الوقت ذاته يقوم أطراف العقود والشهود والأمين الشرعي بالتوقيع على العقد الذي تم تحريره أو كتابته في الدفتر ، كما اشترط قانون التوثيق على الأمين الشرعي الإلتزام بحدود النطاق المكاني لاختصاصه، وكذا أوجب قانون التوثيق على الأمين الشرعي عدم تحرير المحررات التي تخصه أو تخص أقاربه، فإذا خالف الأمين الشرعي ذلك فأنه يكون عرضة للمسائلة التأديبية وفقاً لقانون التوثيق ولائحته التنفيذية، بيد أنه لا يترتب على مخالفة الأمين الشرعي للإجراءات السابقة بطلان العقد أو التصرف ذاته ، فمن غير المقبول في منطق القانون والعدل أن يتحمل أطراف العقد مسئولية وتبعة مخالفة الأمين لواجباته المهنية المقررة في قانون التوثيق، وان كانت مخالفات الأمين للقانون تستوجب مسائلته تاديبيا ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 29-9-2012م في الطعن رقم (46161)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((فقد اتضح أن الطاعنة قد نعت على الحكم المطعون فيه أنه باطل لاستناده على الوثيقتين :الأولى المتضمنة بيعها لمنزلها للمطعون ضده، والوثيقة الثانية المتضمنة إلتزامها بإخلاء المنزل المبيع، لأن الوثيقتين باطلتين لعدم كتابتهما في دفتر قيد العقود ولخلوهما من توقيعات البائع والمشتري والشهود، وان ذلك يخالف المادة (11) من قانون التوثيق إضافة إلى أن الحكم المطعون فيه قد خالف المادة (13) من قانون التوثيق التي تنص على عدم جواز قيام الأمين الشرعي أو الموثق بتحرير محرر يخصه أو يخص أي قريب له حتى الدرجة الرابعة أو مصاهرة مباشرة، وذكرت الطاعنة أيضاً أن الحكم المطعون فيه قد استند على الوثيقتين المشار إليهما التي حررهما الأمين الشرعي خارج نطاق اختصاصه المكاني، كما ان الأمين الشرعي قد قام بتحرير الوثيقتين ولم يتم تدوينهما في الدفتر المخصص لذلك، كما أنه لم يتم التوقيع على الوثيقتين في دفتر قيد المحررات من قبل الأمين واطراف المحرر والشهود، فقد كانت الوثيقتان المبرزتان موقعتان من قبل الأمين فقط ولم يتم قيدهما في دفتر المحررات التي يحررها الأمين.
والدائرة: تجد أن تلك المناعي مردود عليها ، حيث تبين أن مناعي الطاعنة على الحكم المطعون فيه تتعلق بوقائع النزاع الموضوعية، اما المناعي المتعلقة بالمخالفات المنسوبة للأمين الشرعي لقانون التوثيق التي اوردتها الطاعنة، فإن تلك المخالفات التنظيمية لا تبطل العقد الذي استندت إليه محكمة الموضوع وثبت لديها صحته من خلال الأدلة المقدمة أمام محكمة الموضوع))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية :
الوجه الأول : ماهية دفتر قيد المحررات والعقود التي يحررها الأمين الشرعي :
نصت المادة (18) من قانون التوثيق على أنه: ( يجب على الأمين عند قيامه بمهامه الالتزام بما يلي:-
أ- التحقق من شخصية ذوي العلاقة وأهليتهم ورضاهم وأن يذكر ذلك في الوثيقة مع ذكر الاسم الكامل لكل منهم والمهنة والعمر والشهود وتدوين التاريخ والمبالغ بالأرقام والحروف الكاملة وتحدد اللائحة طريقة التحقق من هوية ذوي العلاقة وأهليتهم ورضاهم.
ب-عدم تحرير أي محرر في تصرف عقاري لم يسجل في السجل العقاري بالمناطق التي يوجد بها سجل عقاري مالم فأقلام التوثيق بالمحاكم هي المختصة .
جـ-قراءة المحرر الذي حرره على ذوي العلاقة والشهود مع ذكر ذلك فيه ثم التوقيع معهم في ذيل المحرر.
هـ-تقديم المحررات التي حررها إلى قلم التوثيق الواقع في دائرة عمله لتوثيقها قبل تسليمها لأصحاب الشأن، وفي حالة رغبة ذوي العلاقة يقدم تلك المحررات إلى قلم التوثيق بأنفسهم لتوثيقها يجب على الأمين إثبات ذلك بمحضر موقع من قبله وذوي العلاقة ويبلغ قلم التوثيق بنسخة منه.
و-تقديم دفاتر قيد المحررات التي تم تحريرها إلى قلم التوثيق كل ثلاثة أشهر لمراجعتها والتأشير على قيودها )، وفي السياق ذاته نصت المادة(60 ) من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق على أنه :( يجب على الأمين عند قيامه بمهامه الالتزام بالاتي:-
١-تقديم المحررات التي حررها إلى قلم التوثيق الواقع في دائرة اختصاصه لتوثيقها قبل تسليمها لأصحاب الشأن وفي حالة رغبة ذوي العلاقة لتقديم تلك المحررات إلى قلم التوثيق بأنفسهم لتوثيقها يجب على الأمين إثبات ذلك بمحضر وفق نموذج يعد لهذا الغرض موقع من قبله وذوي العلاقة ويبلغ قلم التوثيق بنسخة منه.
٢-تقديم دفاتر قيد المحررات التي تم تحريرها إلى قلم التوثيق كل ثلاثة أشهر لمراجعتها والتأشير عليها وفقاً للقانون وهذه اللائحة.
٣-حفظ دفاتر تحرير العقود المحررة وكذا صور الأوراق التي تثبت صفة ذوي العلاقة وصور أوليات المحررات التي حررها .
٤- يمارس الأمين مهامه واختصاصاته في مكتب خاص ويجوز له الانتقال عند الاقتضاء إلى محل ذوي العلاقة لتحرير المحرر في حالتي المرض أو الضرورة .
٥-على الأمين قراءة المحرر الذي حرره على ذوي العلاقة والشهود مع ذكر ذلك فيه ثم التوقيع معهم في ذيل المحرر).
ودفتر قيد المحررات التي يحررها الأمين هو :عبارة عن سجل رسمي يتم إعداده من قبل قطاع التوثيق بوزارة العدل يشتمل على صفحات مرقمة متسلسلة، يتضمن خانات مخصصة لتدوين أو كتابة مضمون العقد أو التصرف وتاريخه وأسماء أطراف المحرر وصفاتهم وبياناتهم الشخصية وبيانات الشهود وتوقيعاتهم وبصماتهم وتوقيع الأمين والشهود ، ويتم تحرير المحرر في الدفتر المشاراليه وقت إبرام التصرف.
ودفاتر تحرير العقود والتصرفات التي يحررها الأمين تتعدد هذه الدفاتر بحسب العقود والتصرفات التي يحررها الأمين وبحسب اتساع نشاط الامين ،وتكون صفحات هذه الدفاتر مرقمة بارقام متسلسلة وتتضمن خانات لتدوين التصرفات وتوقيعات المتعاقدين والشهود وتوقيعات وتاشيرات قلم التوثيق المختص، وفي نهاية الدفتر هناك حيز لتقييم أعمال الامين الشرعي بحسب ماورد في الدفتر ، لذلك يجب على الامين كتابة كل التصرفات التي تتم لديه في هذا الدفتر وقت ابرام التصرف، فيقوم الأمين بتدوين كل تصرف على حدة بخط اليد وبحسب تسلسل ارقام الدفتر، وفي وقت إبرام التصرف يقوم المتصرف او المتعاقدون والشهود الحاضرين بالتوقيع ووضع بصماتهم بعد انتهاء الامين من كتابة التصرف في الدفتر، وفي وقت لاحق يقوم الأمين بنقل ما ورد في الدفتر إلى الوثيقة التي يتم تسليمها للمعني بالمحرر أو صاحب الشان كالمشتري اوالوكيل...الخ، فقد كان في الماضي يقوم الأمين وحده بالتوقيع على الوثيقة المنقولة من دفتر العقود والتصرفات ولا يتم التوقيع علي هذه الوثيقة من قبل اطراف المحرر، وهي الوثيقة التي يقوم الامين بتسليمها إلى صاحب المحرر أو صاحب الشأن الا ان التوجيهات قد صدرت موخرا بضرورة توقيع أطراف العقود والشهود والأمين على المحرر المنقول من دفتر العقود والتصرفات حتى تكون له الحجية القانونية في مواجهة الموقعين عليه وحتى تتحقق فيه مبدأ وحدة الوثيقة وكفايتها واستقلالها في الإثبات ، وأوجبت المادة (18) من قانون التوثيق أوجبت على الأمين ان يحفظ هذه الدفاتر من العبث والضياع وتقديم هذه الدفاتر إلى قلم التوثيق كل ثلاثة اشهر لمراجعتها والتأشير على قيودها، حتى يتم التوثق والتحقق من صحة وسلامة العقود والتصرفات المدونة في الدفتر،وهذا مظهر من مظاهر الرقابة التي يباشرها قلم التوثيق على المحررات التي يحررها الامناء لضمان تجويد أعمال الامناء وتلافي أوجه النقص والقصور في المحررات وتصويبها وتقويم أعمال الأمين في ضوء ذلك.
الوجه الثاني : خطورة تسمية دفتر قيد المحررات بالمسخرة أو المسودة :
المعنى المتعارف عليه للمسودة والمسخرة هو :أنهما مجرد أعمال تحضيرية أو تمهيدية للعقد أو التصرف ، ولذلك فإن مايرد في المسودة أو المسخرة ليس تصرفا نهائيا وان التصرف أو العقد الصحيح التام هو الذي يرد ذكره في المحرر المنقول من المسخرة او المسودة، وبسبب مسمى المسخرة أو المسودة الذي يطلقها بعض العوام على الدفتر الرسمي القانوني لقيد المحررات بسبب ذلك يتم الشطب والحذف والحشر والإضافة في ذلك الدفتر على أساس انه مجرد مسخرة!!!!؟ ، في حين أن ما يتم كتابته في هذه الدفاتر هو أصل التصرف واصل المحرر الذي يتم تسليمه لاحقا إلى أطراف المحرر أو ذوي العلاقة، حيث تتم كتابة البصيرة أو المحرر طبقاً لما ورد في الدفتر ، ولا شك ان تسمية الدفتر (بالمسخرة) لا أصل لها في القانون الذي يسميها دفاتر قيد العقود والتصرفات، حسبما ورد في نصوص قانون التوثيق ولائحته السابق ذكرها ، وبناءً على ذلك فان تسمية المسخرة من الاخطاء الشائعة المتداولة عرفاً، وتتسبب هذه التسمية في التساهل عند كتابة العقود والتصرفات في الدفتر وعدم العناية في الكتابة في تلك الدفاتر، حيث تكون الكتابة مليئة بالشطب والحذف والحشر على اساس انما هو مدون في هذه الدفاتر مجرد مسوّدات أو مسخرات، في حين ان القانون قد اسبغ عليها الحجية القانونية لأنها المثبتة أصلا للتصرف، فلها الاهمية البالغة كما سنرى.
الوجه الثالث : حجية دفاتر قيد العقود والتصرفات التي يحررها الامين الشرعي :
ذكرنا ان المحرر الذي يتم تدوينه في دفتر العقود والتصرفات هو الذي يثبت وجود ووقوع التصرف حقيقة، لانه يتم تحريره وقت تمام التصرف وابرامه بين المتعاقدين، كما أنه يتضمن توقيعات ذوي العلاقة أو اطراف المحرر والشهود وبصماتهم وتاشيرات وتوقيعات المختصين في قلم التوثيق المعني ،ولذلك فانه يستمد حجيته من تضمنه تراضي الاطراف وتوقيعاتهم وبصماتهم التي تدل على صحة التصرف وصحة نسبته الى اطرافه، وكذا تضمنه توقيعات الشهود التي تدل على وقوع التصرف في حضورهم، فشهادة الشهود اهم وسيلة من وسائل الإثبات وفقا لقانون الإثبات ، إضافة إلى تضمن دفتر قيد التصرفات تأشيرات المختصين في قلم التوثيق ، لان البصيرة التي يتم تسليمها للمشتري عبارة عن إخبار الأمين الشرعي بوقوع التصرف لديه حسبما تم تدوينه في الدفتر ،فالبصيرة أو الوثيقة التي يتم تسليمها لصاحب الشان عبارة عن نقل للتصرف كما ورد في الدفتر الذي يعد أصل التصرف، فمن المعلوم ان البصيرة لا تتضمن توقيعات المتعاقدين او الشهود، ولذلك كانت حجية ماورد في الدفتر افضل من حجية البصيرة، ولذلك فهناك توجيهات صارمة من قطاع التوثيق بوزارة العدل لحمل الامناء الشرعيين على الزام المتعاقدين والشهود والأمين بالتوقيع على البصائر حتى تكون حجة على الموقعين عليها وحتى تكون حجيتها مستقلة عن حجية التصرف المقيد في دفتر العقود والتصرفات .
الوجه الرابع : اهمية دفاتر قيد العقود والتصرفات :
دفاتر قيد العقود والتصرفات هي التي تضبط هذه العقود والتصرفات وتحفظها وتحفظ حقوق ومصالح الناس المثبتة فيها، وهي المرجع عند فقدان أو تزوير النسخ التي لدي الأطراف ، ولذلك اوجب القانون على الأمين حفظها والمحافظة عليها، إضافة إلى ان القانون ذاته قد اخضع هذه الدفاتر للرقابة الدورية (كل ثلاثة اشهر) من قبل قلم التوثيق المختص الذي يقوم بمراجعتها للتأكد من صحتها وسلامتها والتاشير علبها حسبما هو مقرر في قانون التوثيق، فبعد التاشير عليها من قلم التوثيق المختص قانونا تصير التصرفات المدونة في هذه الدفاتر في حكم المحررات الرسمية وفقا لقانون الاثبات ، كما ان هذه الدفاتر هي المرجع عند فقدان المحررات او تلفها او تزويرها او النزاع بشأنها، ولذلك يجب أن يحرص الامين الشرعي على أخذ توقيعات وبصمات اطراف المحرر او التصرف او العقد او ذوي العلاقة وكذا توقيعات وبصمات الشهود ثم يقوم الأمين بالتوقيع وذلك عند كتابة كل تصرف في هذه الدفاتر، كما ينبغي تحاشي الخدش او الشطب او الحشر أو الاضافة فيها حتى لا يثير الشك فيها ويسقط الإستدلال بها، كما ينبغي ان يكون ورق هذه الدفاتر من الأوراق القوية والمتينة التي تعمر لمدة طويلة، كذلك يجب ان تتم الكتابة في هذه الدفاتر بأقلام واحبار جيدة لا يمحى مدادها بمضي الزمن حتى تحفظ هذه الدفاتر حقوق الناس،علاوة على أنه يجب أن تكون كافة بيانات المحررات المسلمة للاطراف مطابقة تماما للمحرر المكتوب في دفتر قيد المحررات،لان النسخ التي يتم تسليمها إلى المتعاقدين أو الأطراف منقولة من الدفتر، لذلك يجب أن يكون نقلها من الدفتر حرفيا .
الوجه الخامس : الوضعية القانونية للبصيرة التي لم يتم توثيقها أو تسجيلها أو تلك التي لم يتم قيدها في دفتر المحررات :
البصيرة الموثقة لدى قلم التوثيق تكون محررا رسيماً ملزماً لطرفيه بموجب قانون التوثيق وقانون الإثبات، اما البصيرة التي يتم تسجيلها في السجل العقاري فتكون محررا رسمياً وتكون لها حجيتها المطلقة في مواجهة البائع والمشتري بل في مواجهة الكافة حسبما نص قانون السجل العقاري، في حين تكون البصيرة التي لم يتم توثيقها أو تسجيلها محرراً عرفياً بموجب قانون الإثبات وقانون التوثيق، والمحرر العرفي تكون له حجيته في مواجهة البائع والمشتري، لان البصيرة العرفية عبارة عن إخبار كاتبها بوقوع البيع والشراء فيما بين البائع والمشتري وانعقاده بالإيجاب والقبول والتراضي وقبض الثمن، وبموجب ذلك فإن البصيرة العرفية تتضمن كافة اركان وشروط عقد البيع المعتبرة شرعاً وقانوناً، وبتطبيق هذا المفهوم على الحكم محل تعلقينا نجد ان البصيرة التي اشار إليها الحكم كانت بصيرة عرفية لم يتم توثيقها أو تسجيلها فضلا عن الأمين لم يدونها في الدفتر الخاص بقيد العقود والتصرفات ، ولذلك فقد فقامت محكمة الموضوع بإستيفاء الإجراءات الخاصة بذلك ، فقد استدعت المحكمة كاتب البصيرة الذي شهد أمام المحكمة بأنه كتب البصيرة بعد إن انعقد البيع والشراء بصيغته وتم قبض الثمن، وكذا استدعت المحكمة الشهود المذكورين في البصيرة الذين شهدوا بذلك، وعلى هذا الأساس فقد قضى الحكم محل تعليقنا بأن البيع صحيح، وان المخالفات التي صدرت من الأمين تترتب عليها المسئولية التأديبية على الأمين، ولكن تلك المخالفات لاتبطل عقد البيع.
وكذلك الحال بالنسبة للبصيرة التي يتم قيدها في دفتر العقود والتصرفات فإنها تتضمن إخبار الأمين الشرعي بوقوع البيع والتصرف لديه وأنه قد اثبت ذلك في البصيرة أو المحرر فإذا كان المحرر مشهود عليه وتم إثبات التصرف عن طريق الشهود، فإن التصرف يكون صحيحا، ويسأل الأمين الشرعي مسئولية تاديبية لعدم قيامه بقيد التصرف في الدفتر المعد لذلك.
الوجه السادس : لايجوز للأمين الشرعي أن يحرر العقود التي يكون طرفا فيه هو أو اقاربه إلى الدرجة الرابعة :
كان جانب من النقاش الذي اشار إليه الحكم محل تعليقنا يدور بشأن قرابة الأمين الشرعي للمشتري الذي قام بتحرير بصيرة شرائه، ومع ذلك فقد اشار الحكم محل تعليقنا بأن هذه المخالفة لاتبطل البيع،طالما ان محكمة الموضوع قد حققت وتحققت من صحة البيع عن طريق استدعاء شهود العقد وهم اكثر من خمسة شهود كانوا حاضرين في مجلس العقد حيث اكدوا بأن البيع والشراء قد وقع صحيحا أمامهم في مجلس العقد، ولذلك فقد اشار الحكم محل تعليقنا بأن قيام الأمين الشرعي القريب للمشتري قيامه بتحرير العقد لايبطل عقد البيع طالما أنه قد ثبتت صحة البيع من غير طريق الأمين .
ووفقاً لقانون التوثيق فإن الأمين يتولى تحرير وإنشاء كل العقود والتصرفات مثل عقود بيع الأراضي والعقارات وعقود الزواج وتحرير وثائق الطلاق والإرجاع والوكالات وعقود الإيجارات...إلخ، اما الموثق فقد اجاز له قانون التوثيق بالإضافة إلى التوثيق اجاز له القانون تحرير العقود والتصرفات، ومن خلال ذلك نخلص إلى القول بأن الموثق والأمين يحررا كل العقود والتصرفات عدا العقود التي تحدد القوانين الأخرى الجهات المختصة بتحريرها كعقود مناقصات ومزايدات الدولة والعقود الإدارية والعقود النموذجية التي تعدها جهات الدولة المختلفة مثل عقود تأسيس الشركات والمؤسسات والجمعيات والاحزاب والتنظيمات.
اما من حيث القرابة المانعة للموثق والامين من تحرير العقود وتوثيقها فقد كان قانون التوثيق السابق قبل تعديلات 2010 م ينص في المادة (14) على أنه (لا يجوز للموثق أو الأمين أن يحرر محرراً إذا كان هذا المحرر يخصه في حق له أو لقرابة له حتى الدرجة الأولى أو مصاهرة مباشرة)، وبعد تعديلات 2010 م تم تعديل المادة( 14) السابق ذكرها إلى مادتين هما المادة(11 و20)، حيث بينت المادة( 11) المحررات الخاصة ب الموثق واقاربه التي يحظر على الموثق تحريرها أو توثيقها ، فقد نصت المادة (11) على أنه ( لا يجوز للموثق أن يحرر أو يوثق محرراً يخصه شخصياً أو يخص من تربطه به صلة قرابة إلى الدرجة الرابعة)
اما المادة(20) من القانون ذاته فقد بينت الحالات التي لايجوز فيها للأمين الشرعي تحرير العقود والتصرفات الخاصة به واقربائه ، حيث نصت المادة(20 )على أنه( لا يجوز للأمين أن يحرر محرراً إذا كان هذا المحرر يتعلق بحق له أو لزوجه أو أحد فروعه أو أصوله إلا برضا جميع من لهم علاقة بذلك ويستثنى من ذلك عقود الزواج فيجوز للأمين تحريرها إذا كان طرفا العقد أو أحدهما من أصوله أو فروعه)، ومن خلال استقراء النصين السابقين نجد ان القانون حظر على الموثق تحرير أو توثيق كافة العقود أو التصرفات الخاصة به وباقاربه ، فهذا الحظر مطلق بالنسبة للموثق بخلاف الحال بالنسبة للأمين الشرعي الذي اجاز له القانون ان يحرر عقود الزواج الخاصة به واقاربه من غير حاجة لقبول الأطراف الأخرى، لان عقود الزواج نموذجية تتضمن بيانات محددة سلفا، كما أن عقد الزواج يتم اشهاره واعلانه بوسائل تكفل عدم التلاعب في هذه العقود النموذجية النمطية، إضافة إلى أن القانون قد اجاز للأمين الشرعي ان يحرر كافة العقود الخاصة به أو لزوجه أو أحد فروعه أو أصوله اذا كان ذلك برضا جميع من لهم علاقة بذلك-اي الأطراف الأخرى المتعاقدة مع الأمين أو أقاربه ، ويرجع تشدد القانون بالنسبة للموثق لأهمية وخطورة المهام المناطة بالموثق الذي يتولى التحقق والتثبت من صحة العقود والتصرفات ومن صفات وشخصيات المتعاقدين، وعلى أساس أن التوثيق يحول المحرر من محرر عرفي إلى محرر رسمي بخلاف العقود والتصرفات التي يحررها الأمين الشرعي.
أما بالنسبة لقرابة الموثق والأمين فقد بينها القانون المدني حيث عرف القانون المدني القرابة في المــادة(42) التي نصت على أن( اقارب الشخص هم الذين يجمعهم معه اصل مشترك ويحدد القانون الخاص درجة القرابة)، اما المــادة(43) من القانون ذاته فقد بينت المقصود بالقرابة المباشرة وغير المباشرة، حيث نصت على أن( القرابة المباشرة هي الصلة بين الاصول والفروع، والقرابة غير المباشرة هي الصلة بين شخصين يجمعهما اصل مشترك دون ان يكون احدهما فرعا للاخر ).،وفي هذا السياق بينت المــادة(44) كيفية إحتساب درجات القرابة حيث نصت هذه المادة على أن( تحسب صلة القرابة المباشرة على اساس ان كل فرع درجة عند الصعود للاصل بخروج الاصل الذي تحسب القرابة اليه وتحسب درجة القرابة غير المباشرة باعتبار الفرع درجة صعودا الى الاصل المشترك ثم نزولا منه الى الفرع الاخر ولا يحسب الاصل المشترك)، ومن خلال استقراء هذا النص يظهر ان الأقارب هم : الآباء والأمهات والأجداد والجدات وإن علوا، و الأولاد وأولادهم وإن نزلوا، و الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب أو لأم وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم والأخوال والخالات وأولادهم، اما المقصود بقرابة المصاهرة فهي قرابة الزوج مع أهل زوجته، والزوجة مع أهل زوجها، وتكون درجة قرابة المصاهرة كالتالي: أب وأم الزوج واخوة الزوج، وأب وأم الزوجة واخوتها .
الوجه السابع : اسانيد منع الموثق والأمين من تحرير العقود والتصرفات التي تخصهما أو تخص اقاربهما :
يستند هذا المنع إلى أسانيد عدة منها: تنزيه مهنة الموثق والامين من الشبهات والتهم وسد ذريعة إتهام الموثق والأمين بالتجاوز عن بعض الشروط في العقود والتصرفات وتضمينها بنود وشروط لصالح الموثق أو الامين، لأن الموثق والأمين عندما يقوم بتوثيق أو تحرير العقود والتصرفات التي تخصه أو تخص اقاربه ربما يقوم بتغليب مصلحته ومصالح اقاربه عند تحريره للعقود والتصرفات، فلا يكتب بالعدل كما امره الله سبحانه وتعالى {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}، كما أن الكاتب عندما يكتب لنفسه ربما يقوم باستثناء نفسه واقاربه من كل أو بعض الشروط القانونية اللازمة للتوثيق اوتحرير العقود، إضافة إلى أن تحرير أو كتابة العقود والتصرفات أو توثيقها هو صنع لدليل لإثبات وقوع العقود والتصرفات، ومن المقرر في الشرع والقانون أنه لا يجوز للشخص أن يصطنع دليلاً لنفسه، علاوة على أن تحرير الشخص للعقود والتصرفات الخاصة به أو اقاربه يتعارض مع التصور الشرعي لعدالة الكاتب الذي يشترط فيه أن لايكون قريباً أو خصماً باعتباره في مقام الشاهد على العقد أو التصرف .
الوجه الثامن : وجوب تلفظ البائع والمشتري بصيغة الإيجاب والقبول بقول البائع بعت والمشتري اشتريت بصوت مسموع يسمعه الأمين الشرعي وشهود العقد :
ذهب الحنفية إلى أن صيغة العقد هي الركن الوحيد في عقد البيع، وهي صدور الإيجاب الذي يصدر اولا سواء صدر من البائع ام المشتري، فالصيغة عند الحنفية هي الركن الوحيد للبيع اما غير الصيغة فهي شروط وليست أركان حسبما يرى الحنفية ، في حين ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الإيجاب هو ما صدر من مالك المبيع، والقبول هو الذي يصدر بعد الإيجاب اذا كان مطابقا له، ويقرر جمهور الفقهاء ان ضيغة البيع وهي الإيجاب ليست الركن الوحيد لعقد البيع فهناك أركان أخرى لعقد البيع بالإضافة إلى الصيغة، ومهما كان الخلاف الفقهي بين الجمهور والحنفية إلا أن الحنفية والجمهور قد اتفقوا على أن الصيغة( الإيجاب والقبول )هي ركن عقد البيع،( فقه المعاملات المالية، أ. د. عبدالمؤمن شجاع الدين، ص٦٥)
وقد أخذ القانون المدني بما ذهب إليه الفقه الإسلامي، فقد جعل القانون المدني اليمني الصيغة ركناً في عقد البيع، فقد بينت المادة(452 )مدني كيفية إنعقاد البيع، فقد نصت هذه المادة على أنه( ينعقد البيع بايجاب مكلف وقبول مثله متطابقين دالين على معنى التمليك والتملك حسب العرف لفظا او كتابة وبالاشارة المفهمة من الاخرس ومن في حكمه كالمصمت والاعجمي او بالمراسلة بين الغائبين . ويتم العقد بتلاقي الإيجاب والقبول في مجلس العقد وتنـزل مدة التعاقد بالمراسلة منـزلة مجلس العقد، ويكون الإيجاب والقبول في المجلس قبل الاعراض ولهم الرجوع في المجلس ولا يشترط فيهما التلفظ وانما المعتبر التراضي بما تدل عليه قرائن الاحوال، ويكفي في المحقر ما اعتاده الناس)، اماالمــادة(453) مدني فقد حددت أركان البيع، فقد نصت هذه المادة على أن( اركان البيع ثلاثة هي: –١ . صيغة العقد .٢- . العاقدان هما البائع والمشتري . . المعقود عليه (محل العقد) وهو المال المبيع والثامن )، في حين تضمنت المادة (454) مدني تضمنت شروط صيغة عقد البيع( الإيجاب والقبول يشترط في صيغة عقد البيع ما ياتي: –
1 . ان يكون كل من الإيجاب والقبول بما يفيد التمليك او ما يدل عليه .
2 . ان يكون الإيجاب والقبول متطابقين ومضافين الى النفس او ما في حكمها .
3 . ان يكون الإيجاب والقبول غير مؤقتين ولا مستقبلين كليهما او ايهما .
4 . ان يكون الإيجاب والقبول غير مقيدين كليهما او ايهما بشرط يبطلهما .
5 . ان لا يتخلل بين الإيجاب والقبول اعراض من احد العاقدين او رجوع من المبتدئ منهما)، ومؤدى ذلك إلى أنه يجب على البائع والمشتري أن يتلفظا بالإيجاب والقبول بصوت مسموع أمام الأمين الشرعي وشهود العقد حتى ينعقد عقد البيع صحيحاً منتجا لآثاره ، هذا الأمر فيما يتعلق بالبيع عندما يكون محله العقار الذي اشترط فيه قانون التوثيق وقانون السجل العقاري ان يتم وفقا لشكليات وإجراءات معينة، اما البيوع الأخري غير العقارية فلايلزم حضور البائع المشتري أمام الأمين، حسبما اشار اليه نص المادة( ٤٥٢) مدني السابق ذكرها.
قد أستند الحكم محل تعليقنا إلى ان القانون المدني قد حدد أركان عقد البيع وشروطه وليس من بينها القيد في دفتر العقود والتصرفات ولذلك فإن عقد البيع قد انعقد صحيحا، وان القيد في الدفتر وعدم تحرير العقود التي يكون اطرافها من الأقارب هي إجراءات تنظيمية قررها قانون التوثيق تترتب عليها المسئولية التأديبية للأمين الشرعي وليس بطلان العقد.
الوجه التاسع : التكييف القانوني للتصرف الذي يحرره الأمين الشرعي بدون أن يقيده في دفتر العقود والتصرفات :
قضى الحكم محل تعليقنا بأن التصرف لايبطل اذا لم يقم الأمين بقيده في الدفتر، لان القانون المدني قد حدد أركان عقد البيع وشرائطه وليس من بينها القيد في الدفتر الخاص بالعقود،ولذلك فإن العقد أو التصرف ينعقد صحيحا، لأن كتابة العقد وقيده في الدفتر الغاية منها إثبات العقد عند النزاع وتجفيف منابع الخلاف بين المتعاقدين مستقبلا، ولذلك فإن العقد أو التصرف يقع صحيحا ولو لم يتم قيده في الدفتر، ولا يخل ذلك بمسئولية الأمين عن مخالفته للإجراءات التنظيمية المقررة في قانون التوثيق كقيد المحرر في الدفتر المعد لهذا الغرض.
الوجه العاشر : تعريف المحررات العقارية التي يحررها الأمين الشرعي :
المحررات العقارية: هي تلك المحررات التي يكون محلها المباني والأراضي ، ويندرج ضمن هذا المفهوم عقود البيع والتأجير والوكالات الصادرة من أطراف المحرر العقاري وغيرها من التصرفات التي يكون محلها العقار كالهبة والنذر والوصية والعطية والنحلة والوقف وغيرها، وهناك من يذهب إلى أن المحررات العقارية: هي تلك المحررات التي يتم عن طريقها وبواسطتها إثبات العقود والتصرفات التي تقع على العقارات، والتي يتم تحريرها وفقاً لأركان وشروط العقود والتصرفات المقررة في القوانين الناظمة لأحكام العقود والتصرفات وإجراءات تحريرها بما في ذلك توجيهات وتعميمات ومنشورات الجهة المعنية وهي قطاع التوثيق والمحاكم بوزارة العدل (مهارات قانونية، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، ص37) وقد اشترط قانون التوثيق أن يتم قيد هذه التصرفات في دفتر العقود والتصرفات .
الوجه الحادي عشر : أهمية المحررات العقارية التي يحررها الأمين الشرعي :
كان النقاش الذي اشار إليه الحكم محل تعليقنا بشأن عقد بيع وهو من ضمن المحررات العقارية: التي تعد أداة من أهم أدوات ووسائل تنفيذ القوانين المنظمة للتصرفات العقارية، فالمحررات العقارية: هي أداة ووسيلة لتطبيق تلك القوانين، فالمواطنين لا يباشروا التصرفات العقارية بموجب القانون مباشرةً وإنما عن طريق المحررات العقارية المتضمنة العقود والتصرفات التي تجعل القانون نافذا فيما يتعلق بالتصرفات التي ترد على العقارات، ولذلك يجب على الأمين الشرعي واطراف العقود الإلتزام باركان وشروط العقود والإجراءات التنظيمية المقررة في قانون التوثيق كقيدها في الدفتر وعدم تحريرها من قبل الأمين اذا كان العقد يخصه أو يخص أقاربه .
الوجه الثاني عشر : المحررات العقارية وسيلة الإثبات المقررة قانوناً لإثبات العقود والتصرفات العقارية :
تنص القوانين المتعلقة بإنشاء المحررات العقارية كقانون التوثيق وقانون السجل العقاري على أن التصرفات التي يكون محلها العقار يجب أن تكون مكتوبة حتى يمكن توثيقها وتسجيلها والإحتجاج بها، فالمحررات الكتابية هي الوسيلة المقررة قانوناً لإثبات ملكية العقارات، فلا تثبت التصرفات العقارية الا عن طريق المحررات العقارية المكتوبة، ولذلك الاهتمام والعناية عند كتابتها واتباع الإجراءات التنظيمية ومنها قيدها في الدفتر وغير ذلك من الإجراءات .
الوجه الثالث عشر : حق الدولة في تنظيم التصرفات والمحررات العقارية والرقابة عليها:
يشكل اجمالي العقارات اقليم الدولة، الذي يعد عنصرا من أهم عناصر الدولة، فالدولة تتكون من ثلاثة عناصر هي: الإقليم والشعب والسلطة، فالمقصود بالإقليم هو: الأرض التي تتكون منه الدولة، ولذلك فمن حق الدولة أن تنظم وتشرف وتراقب التصرفات والمحررات العقارية بإعتبار ذلك من أهم مظاهر سيادة الدولة، ومن هذا المنطلق يباشر قطاع التوثيق والمحاكم بوزارة العدل هذه المهمة السامية، ومن هذا المنطلق يجب إتباع الإجراءات التنظيمية المقررة عند تحرير العقود والتصرفات (مهارات الصياعة القانونية، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، ص17
الوجه الرابع عشر : ضمانات سلامة تحرير المحررات العقارية:
هناك ضمانات ينبغي على الأمين الشرعي مراعاتها عند تحرير المحررات بيانها كما يأتي :
أولاً: ضمانات ترجع إلى الصفة العقدية في التصرفات العقارية:
من أهم ضمانات إنشاء محرر عقاري سليم هو تحقق الأمين الشرعي من الصفات العقدية والشخصية لأطراف المحرر العقاري، إذ يجب على الأمين الشرعي قبل تحرير المحرر العقاري أن يطلب من أطراف المحرر المطلوب إنشاؤه أن يثبتوا صفاتهم الشخصية عن طريق البطاقات الشخصية التي جعلها قانون الأحوال المدنية هي الوسيلة القانونية لإثبات هويات الأشخاص وبعدئذ يجب على الأمين أن يتحقق من الصفة العقدية لأطراف المحرر، وأن يبدأ بالتحقق من صفة الموجب وهو المالك كالبائع والواهب والموصي الواقف، حيث يتم التثبت من ملكيته للعقار الذي يريد التصرف فيه عن طريق مستندات الملكية المعدة شرعاً وقانوناً لإثبات الملكية العقارية والتأكد مما إذا كانت مستندات أصلية وموثقة ومسجلة، وفي هذا السياق يجب على الأمين أن يتحقق مما إذا كان العقار المطلوب التصرف فيه في حيازة وتحت يد المتصرف، لأن من شروط التصرف أن يكون المتصرف حائزاً للعقار، وإذا لم يكن المتصرف أصيلاً كأن يكون وكيلاً أو ولياً عن القصار أو ناظر وقف أو ناظر مال دولة، فيجب على الأمين التأكد من صحة الوكالة وانها لا زالت سارية المفعول، وإذا كان المتصرف ولياً للوقف أو على مال الدولة فعلى الأمين أحالة التصرف لهيئة الأوقاف وهيئة أراضي الدولة، وإذا كان المتصرف ولياً أو وصياً أو منصوباً على قصر فجيب على الأمين أن يتحقق من صدور إذن صحيح صريح صادر من المحكمة المختصة التي يقع ضمن نطاقها إختصاصها العقار المطلوب التصرف فيه.
ثانياً: ضمانات سلامة المحرر العقاري التي ترجع إلى الشخص الذي يتولى إنشاء المحرر:
من أهم الضمانات في هذا الشأن أن يكون الشخص حائزا على الترخيص الذي يخول له تحرير التصرفات العقارية، حيث قصر قانون التوثيق النافذ تحرير وإنشاء المحررات العقارية على الموثقين والأمناء الشرعيين، وقد قصر القانون هذه المهمة على الموثقين والأمناء لإعتبارات ومبررات قانونية وواقعية وعدلية وجيهة تحفظ حقوق ومصالح المتصرف والمتصرف إليه، وقبل هذا وذاك تحفظ المصالح العامة والخاصة، وتحد من النزاعات العقارية التي تهدد الأمن والسلم الإجتماعي.
ومن الضمانات في هذا الشأن أن يكون الموثق والأمين عارفاً بأحكام العقود والتصرفات العقارية المقررة في القوانين الناظمة لذلك، فيجب ان يكون الأمين عارفا ما يجوز من التصرفات العقارية وما لا يجوز، وأن يكون حريصاً على الإنخراط في الدورات التدريبية التي تكسبه المهارات والمعارف اللازمة في التصرفات والمحررات العقارية، وفي هذا الشأن يجب على الموثق والأمين ممارسة التأهيل المستمر في مجال المحررات والتصرفات العقارية، ويجب عليه أيضاً تنفيذ توجيهات وتعليمات قطاع التوثيق والمحاكم بوزارة العدل التي تؤكد على وجوب قيام الموثق والأمين الشرعي بتحرير العقود والتصرفات العقارية على وفق الأحكام والنصوص الشرعية والقانونية للحد من وقوع الاخطاء والتجاوزات عند تحرير المحررات العقارية
الوجه الخامس عشر : الاخطاء والتجاوزات التي تقع في المحررات العقارية وغيرها:
من خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا يظهر بأن الأمين الشرعي الذي قام بتحرير عقد البيع العقاري لم يلتزم بالإجراءات التنظيمية المقررة في قانون التوثيق، وقد تسبب ذلك في حدوث النزاع فيما بين البائع والمشتري.
ولاريب أن إلتزام الأمين الشرعي بالإجراءات التنظيمية عند تحريره للعقود يعصمه من الوقوع في الاخطاء والتجاوزات التي تتسبب في حدوث الخلافات النزاعات لاحقا، مثلما حدث في القضية التي اشار إليها الحكم محل تعليقنا، ولذلك من المهم والمناسب الإشارة إلى بعض الأخطاء والتجاوزات التي يقع فيها بعض الامناء الشرعيين، ومما يجدر ذكره أن قطاع التوثيق بوزارة العدل قد قام مشكورا بإعداد قائمة بالأخطاء التي يتكرر وقوعها من بعض الأمناء وقام القطاع مشكورا بتعميمها على الأمناء لتلافيها، ومن جهتنا فقد وقفنا على بعض الأخطاء في مجال المحررات العقارية نكتفي بذكر أهمها كما يأتي:
الخطأ الأول: تحرير المحرر العقاري أو غيره من غير الأمين المختص:
سبق القول أن من حق الدولة السيادي أن تنظم المحررات والتصرفات العقارية، ومعنى ذلك قيام الدولة بحصر تحرير المحررات العقارية على الموثقين والامناء الحائزين على الترخيص النافذ ، فهولاء هم المكلفون قانوناً بتحرير المحررات العقارية، وتبعاً لذلك فمن الخطأ أن يتولى تحرير العقود والتصرفات العقارية غير الموثقين والأمناء، فالمحرر العقاري الذي يحرره غير هؤلاء يكون قد صدر من غير مختص، ويسبب هذا الخطأ تنشب المشاكل والنزاعات.
الخطأ الثاني: تجاوز الأمين لنطاق اختصاصه المكاني والموضوعي والشخصي:
لإعتبارات عدة حدد القانون والجهة المختصة حددا إختصاص الأمين المكاني وهو المنطقة المحددة للأمين لتحرير العقود والتصرفات العقارية ضمن نطاقها، فعندما يقوم بتحرير تصرفات عقارية خارج نطاق إختصاصه المكاني أو الجغرافي فإنه يتسبب في حدوث إشكاليات عدة إضافة إلى تعريض نفسه للمسائلة التأديبية وفقاً للقانون.
كذلك الحال إذا تجاوز الأمين نطاق إختصاصه الموضوعي، فهناك عقود عقارية خاصة بالدولة أو خاصة بالأوقاف فلا يختص الأمين بتحريرها، لأن الأوقاف والدولة لها نماذج وإجراءات خاصة بتنظيم التصرفات العقارية في أراضي الأوقاف أو الدولة.
كذلك من التجاوزات أو الاخطاء مخالفة الأمين الشرعي لنطاق إختصاصه الشخصي، فهناك أشخاص منع القانون الأمين من تحرير التصرفات التي يكونوا أطرافاً فيها كأقارب الأمين مثل الولد أو الأخ أو الأب أو العم حسبما هو مقرر في قانون التوثيق، وقد اشار الحكم محل تعليقنا إلى هذه المسألة في سياق أسباب الحكم .
الخطأ الثالث: عدم الرجوع إلى الأحكام والنصوص القانونية والتعميمات المنظمة لتحرير التصرفات العقارية:
نظمت قوانين كثيرة وبينت كيفية تحرير العقود والتصرفات العقارية والإجراءات الواجب على الأمين إتباعها قبل وبعد تحرير المحرر العقاري، وكذا يقوم قطاع التوثيق والمحاكم دوريا بإصدار تعميمات وتوجيهات كثيرة تبين الإجراءات الواجب على الأمين إتباعها عند تحرير المحررات العقارية و تبين المحظورات التي ينبغي على الأمين تجنبها، فمن الاخطاء التي يتكرر وقوعها عدم إلتزام الأمين بالرجوع إلى الأحكام القانونية والتعاميم المنظمة للمحررات العقارية، ويتسبب عدم رجوع الأمين إلى القوانين والتعاميم المنظمة لتحرير المحررات العقارية في إشكاليات كثيرة.
الخطأ الرابع: عدم استيفاء بيانات المحررات :
عدم إستيفاء الأمين لكافة بيانات المحرر قبل تحرير العقد أو التصرف المطلوب تدوينها في الدفتر الخاص بالتصرفات العقارية قبل أخذ بصمات المتعاقدين في السحل ، حيث يظل العقد معلقاً، وتنجم عن ذلك إشكاليات كثيرة.
الخطأ الخامس: عدم إتباع الطرق الصحيحة في إستيفاء اسماء وبصمات وتوقيعات المتعاقدين والشهود :
حيث يقوم بعض الأمناء بأخذ البصمات فقط دون بيان اسماء أصحاب البصمات، وفي حالات يتم أخذ التوقيعات دون ذكر اسماء المتعاقدين أصحاب التوقيعات .
الخطأ السادس: قيام بعض الأمناء بإحتجاز مستندات البائع وأخذ قطع أو عربون من المشتري لضمان إتمام البيع العقاري:
وظيفة الأمين الشرعي هي تحرير العقد بعد إتفاق أطراف المحرر العقاري، وليس من مقتضيات عمل الأمين إتمام العقد حتماً، حيث يتسبب قيام الأمين بحجز البصائر وأخذ (القطع) في إشكاليات عدة.
الخطأ السابع: قيام بعض الأمناء بإعداد نماذج للتصرفات العقارية معدة مسبقا في الدفتر الخاص بالعقود والتصرفات :
يقوم بعض الأمناء بكتابة نماذج للتصرفات العقارية وغيرها في الدفتر الخاص بالعقود والتصرفات مسبقا حتى إذا جاء أطراف التصرف قام الامين بتعبئة وإقحام البيانات في تلك النماذج.
الخطأ الثامن: الحشر والحذف والإضافة في دفتر العقود والتصرفات :
في حالات كثيرة يتعامل بعض الأمناء مع العقود والتصرفات على أنه (مسخرة)، فيقوم الأمين بالشطب والحذف والحشر والإضافة إلى دفتر العقود والتصرفات، وهذا الأمر يثير إشكاليات كثيرة من أهمها التشكيك في صحة المحرر، سميا أن المحرر المدون في السجل هو التصرف الحقيقي، في حين تكون البصيرة مجرد نقل من الدفتر حسبما سبق بيانه .
الخطأ التاسع: عدم تطابق البيانات المدونة في المحرر الذي بيد المتعاقدين مع البيانات المثبتة في دفتر العقود والتصرفات :
عدم تطابق البيانات بين المحرر العقاري الذي بيد المتصرف له عن البيانات الواردة في السجل الذي تدوّن فيه المحررات العقارية، علماً بأن التناقض بين البيانات قد يبطل العقد.
الخطأ العاشر: عدم مراعاة أحكام قانون الإثبات فيما يتعلق بإختيار الشهود على العقد أو التصرف:
كالقرابة والخصومة بين الشهود والمشهود لهم أو بين الشهود والأمين الشرعي حيث يستشهد بعض الأمناء بأولادهم أو اقربائهم مع ان شهادات الأقارب والخصوم باطلة .
الخطأ الحادي عشر: عدم تلفظ المتعاقدين بالإيجاب والقبول:
فصيغة العقد وهي الإيجاب والقبول، وهي أهم ركن من العقد، ولذلك يجب على الأمين تكليف المتعاقدين بالتلفظ بألفاظ الإيجاب والقبول حتى في التصرفات ذات الإرادة المنفردة يجب على الأمين تكليف المتصرف بالتلفظ كالواقف والواهب ويجب على الأمين الإشارة في المحرر ذاته إلى أن المتصرف والمتصرف إليه قد تلفظا بالإيجاب والقبول .
الخطأ الثاني عشر: عدم إملاء العقد على أطراف المحرر :
عدم قيام بعض الأمناء الشرعيين بإملاء العقد على المتعاقدين وافهامهم بالتبعات والمسئوليات والآثار المترتبة على إبرام العقد،وإثبات وذلك في متن المحرر، مع أن قانون التوثيق قد الزم الأمين بذلك حسبما سبق بيانه .
الخطأ الثالث عشر: التأكيد على ان ثمن المبيع قد تم دفعه إلى البائع في مجلس العقد مشاهدة ومعاينة :
في بعض الحالات يذكر بعض الأمناء في محرر البيع أن البائع قد أقر البائع في مجلس البيع أنه قد استلم الثمن المتفق عليه من المشتري، فيتم إبرام العقد دون أن يتأكد الأمين أو الشهود من أن الثمن قد تم دفعه بالفعل إلى البائع، وهذا الأمر يتسبب في حدوث خلافات ونزاعات مستقبلية بين البائع والمشتري،(ملخص محاضرة ألقاها الأستاذ الدكتور عبد المؤمن شجاع الدين على الأمناء الشرعيين في أمانة العاصمة ومحافظة صنعاء في شهر شعبان ١٤٤٤هـ)، والله اعلم.
تعليقات
إرسال تعليق