جريمة بيع الأرض أكثر من مرة
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون –
جامعة صنعاء
من اخطر المنازعات
العقارية في اليمن قيام مالك العقار ببيعه مرتين أو أكثر ،حيث تتسع رقعة النزاعات
وتتعقد الإجراءات وتتناقض المحررات والأحكام والقرارات، ولأهمية هذا الموضوع فقد
أخترنا التعليق على الحكم الصادر من الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها
المنعقدة بتاريخ 18/2/2013م في الطعن الجزائي رقم (46117) لسنة 1434هـ وتتلخص وقائع
القضية التي تناولها هذا الحكم أن احد الاشخاص قام ببيع مساحة كبيرة من الأرض
لجمعية سكنية تابعة لموظفي أحدى الجهات الحكومية ،وبعد ذلك قام ببيع اجزاء من هذه
الأرض إلى الغير، حيث قامت النيابة بإحالة القضية الى المحكمة الابتدائية وقد
توصلت المحكمة إلى الحكم بسجن المتهم مدة سنة من تاريخ القبض عليه مع النفاذ
المعجل في الحق العام وبطلان جميع التصرفات بالبيع التي قام بها المحكوم عليه في
الارض التي سبق له بيعها للجمعية السكنية وإلزام المحكوم عليه بتقديم ضمين تجاري
بعدم التعرض للأرض المملوكة للجمعية مستقبلاً وإلزامه بدفع مائة الف ريال للجمعية
المجني عليها مصاريف تقاضي وللمشترين من المحكوم عليه في أرض الجمعية مطالبة
المحكوم عليه بتعويضهم بالطرق القانونية لأنه باع لهم مالا يملك وهو ما سبق له
بيعه للجمعية السكنية، وقد جاء في أسباب الحكم الابتدائي (أن هذه القضية قد طالت
إجراءاتها لكثرة المتدخلين فيها من المشترين للأرض من المتهم الذي سبق له بيعها
للجمعية ، وقد ظهر للمحكمة أن تصرفات المتهم بالبيع إلى المتدخلين الذين تدخلوا
أمام المحكمة وهناك مشترون اخرون لم يحضروا ولم يتدخلوا امام المحكمة مع أن المتهم
مقر بسبق بيع الأرض إلى الجمعية ولكنه تعلل بأن البيوع التي قام بها لاحقاً كانت
في رهق الأرض السابق بيعها وليس في الموضع الذي سبق له بيعه، وقد تأكد للمحكمة أن
بيع المتهم للجمعية شامل للأرض ورهقها وذلك ظاهر من تطبيق بصيرة شراء الجمعية على
الواقع) فلم يقبل المحكوم عليه بالحكم الابتدائي فقام باستئنافه، إلا أن الشعبة
الجزائية قضت بتأييد الحكم الابتدائي مسببة حكمها بأن المحكوم عليه لا ينكر سبق
بيعه كما أنه لم ينكر قيامه ببيع أجزاء من
الأرض السابق بيعها الى مشترين آخرين كثيرين وهذا يكذب محضاً ما يدعيه في عريضة
استئنافه، فلم يقنع المحكوم عليه بالحكم الاستئنافي فقام بالطعن فيه بالنقض إلا أن
الدائرة الجزائية في المحكمة العليا أقرت الحكم الاستئنافي، وقد ورد في أسباب حكم
المحكمة العليا (بتأمل الدائرة في أوراق القضية تبين أن الطعن لا يستند إلى أساس
صحيح من القانون، فالظاهر من مدونتي الحكم الابتدائي والاستئنافي وسائر الأوراق أن
الطاعن أقدم على بيع الأرض الى عدد من الاشخاص مع انه يعلم انه سبق له بيعها إلى
الجمعية، اما ما يدعيه بوجود مساحة زائدة عما سبق له بيعه فقد عجز عن إثبات وجود
هذه الزيادة اما مانعاه الطاعن على الحكم الابتدائي من اهمال وتطويل في التسبيب
فيرد على ذلك بأن ذلك التطويل والبحث قامت محكمة الموضوع بقصد الإستيثاق من صحة
التهمة، وقد توصلت المحكمة إلى ذلك حيث ادانت الطاعن بمقتضى المادة (322) عقوبات )
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية :
الوجه الأول : جريمة بيع الأرض أكثر من مرة في القانون :
يصرح قانون الجرائم
والعقوبات بأن هذه التصرفات تعد جريمة يعاقب عليها القانون بمقتضى المادة (322)
التي نصت على أن (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو الغرامة البائع اذا أعاد
بيع عقار سبق له بيعه أو باع أكثر من الحصة أو القدر المملوك له وينطبق ذلك على
الولي أو الوصي أو النائب أو الوكيل ويجوز رفع العقوبة إلى الحبس مدة لا تزيد على
ثلاث سنوات اذا تسبب الفاعل بعمله في أحداث جريمة جسيمة بين المتنازعين على العقار
ويعاقب بالعقوبة ذاتها الراهن اذا تصرف في العقار المرهون بأي تصرف من شأنه
الاضرار بحقوق المرتهن) ومن خلال مطالعة هذا النص وتطبيقه على القضية التي فصل
فيها الحكم محل تعليقنا نجد أن القاضي الابتدائي قد حكم على المتهم بالحد الاقصى
للعقوبة وهو حكم سديد لان القاضي قد نظر إلى الاثار المترتبة على الجريمة وتعلقها
بمصالح عدة سواء اعضاء الجمعية السكنية التي سبق للمتهم بيع الأرض لها أو عدد
الأشخاص الذين اعاد بيع الأرض عليهم وهم كما ذكرنا كثيرون. وكذا بالنظر إلى إرهاق
المحكمة ذاتها بكثرة تدخلات المشترين الذين باع المتهم لهم الارض مرة اخرى واجهاد المحكمة والعدالة، وهذا الحكم صائب
وحفظ الله القاضي يحيى الذي أصدره ،فهذا الحكم من مفاخر القضاء في اليمن، فقد ادرك
القاضي خطورة وجسامة جريمة بيع الأرض أكثر من مرة.
الوجه الثاني : اضرار ومخاطر ومفاسد جريمة بيع الأرض أكثر من مرة وتوصيتنا للجهات المختصة :
نظراً للارتفاع
الهائل في اسعار الأراضي فان الهلع والجشع قد اعمى بصائر بعض الناس فتجده يبحث عن
أية وليجة أو ذريعة لإعادة بيع الأرض التي سبق لها أن باعها بل أن بعضهم يريد
إعادة بيع ما سبق لوالده أو جده أن باعه قبل عشرات السنين!!! وعندما تحاججه بأن
ذلك محرم شرعاً باتفاق حسبما ذكر الأمام الهادي في كتابه (الأحكام) الذي قال : أنه
تكذيب الشخص لنفسه و لأسلافه وقدح في عدالتهم،عند ذلك يرد هؤلاء بأن ثمن الأرض كان
تافهاً قياساً بأسعار الأرض في الوقت الراهن، فذلك يقول : أن الثمن كان قدحاً من
الحبوب والأخر يقول : كان الثمن بضعة ريالات لا تقارن بثمن الأرض في العصر
الحاضر!!! وبعضهم لا يستهدف إعادة بيع الأرض وإنما يصطنع المشاكل والتعديات على
المشتري السابق بغرض الحصول على (النقيصة) أي الفارق بين سعر الأرض في القديم وبين
السعر في الوقت الراهن!!! وهناك قضايا منازعات منظورة أمام القضاء والنيابة اساسها
ومنشأها وهدفها هو إعادة البيع أو نقض البيوع القديمة، وهذه القضايا كثيرة ومعقدة
تتسبب في حوادث القتل والاعتداء، ومن المؤكد انها
تهدد السلم الاجتماعي في اليمن، ولذلك نوصي القضاة بالتبصر عند نظر هذه
القضايا، كما أننا نوصي مجلس القضاء ووزارة العدل بدراسة هذا الموضوع وتحديد الاسباب
والاثار والمعالجات وكذا عقد ورش تدريبية ونقاشية في هذا الموضوع.
الوجه الثالث : بطلان البيع اللاحق :
من خلال المطالعة
للحكم محل تعليقنا فقد لاحظنا أنه قضى ببطلان التصرفات اللاحقة على البيع السابق،
وهذا قضاء سديد لان من شروط البيع أن يكون البائع مالك للمبيع، فالبيع الأول قد
اخرج المبيع من ملكية البائع إلى المشتري فاذا قام البائع السابق بإعادة البيع
فأنه حينئذ قد باع مالا يملكه مما يجعل بيع الثاني باطلاً أما الفقه الإسلامي فأنه
يذهب الى ان البيع الثاني منعدم لانعدام المحل (البيان الشافي للأمام عبد الله بن
حمزة 2/75)، والله اعلم.
