الطلاق التعسفي في القانون اليمني
الطلاق التعسفي في القانون اليمني
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
الطلاق أبغض الحلال عند الله تعالى، وغالب المسلمين لا يطلق زوجته إلا إذا كان هناك سبب وجيه يعطل مقاصد الزواج من حسن العشرة والألفة وتحصين الفروج، غير أن هناك بعض الازواج يطلق زوجته من غير ادنى سبب، بل قد ثبت بالفعل أن بعض الأزواج يتزوج المرأة وفي نيته قضاء شهوته لأيام أو أسابيع ثم يطلقها من غير سبب، ثم يتزوج باخرى ثم يطلقها ، ويستمر في الزواج والطلاق من غير سبب ، ويترك مطلقاته أسيرات النظرة الإجتماعية الدونية لهن كمطلقات ، فلا تتزوج الواحدة منهن من بعده إلا طاعناً في السن أو برجل له زوجة أو زوجات اخر فتحصل على ربع زوج أو نصف زوج...إلخ.
صحيح أن الشريعة الإسلامية اباحت للزوج أن يطلق زوجته من غير أن تتم مطالبته ببيان أسباب طلاقه ، عملاً بقاعدة (الطلاق لمن أخذ بالساق)، وصحيح أن الطلاق في الشريعة الإسلامية يقع بالإرادة المنفردة للزوج، وإن ذلك من حقوقه الشرعية، غير أن الفقه الإسلامي متفق على أن الزوج الذي يطلق زوجته من غير سبب أو لسبب تافه آثم في الشريعة، ولاريب أن الضرر يلحق المرأة المطلقة من غير سبب والشريعة الاسلامية تمنع الضرر والإضرار ، ولاشك أن الشارع تبارك وتعالى قد شرع الطلاق لمقاصد وغايات، ولذلك فإن الزوج الذي يطلق زوجته من غير سبب أو لسبب تافه يكون متعسفاً في طلاقه، وقد كان قانون الأحوال الشخصية اليمني ينص على الطلاق التعسفي ويقرر نفقة سنة للمطلقة تعسفياً إذا ثبت أن طلاق الزوج تعسفياً وتضررت المطلقة من ذلك ولحقها البؤس والفاقة ، وكان القانون يقرر ان تعويض المطلقة في هذه الحالة بمالايزيد على نفقة سنة ،إلا أن القانون اليمني نكص على عقبيه في تعديلات (1999) م حينما الغى المادة (71) قانون الاحوال الشخصية اليمني التي كانت تنص على إنه (إذا طلق الرجل زوجته وتبين للقاضي أن الزوج متعسف في طلاقها دون سبب معقول وان الزوجة سيصيبها بذلك بؤس وفاقة جاز للقاضي أن يحكم على مطلقها بحسب حاله ودرجة تعسفه بتعويض لا يتجاوز مبلغ نفقة سنة لأمثالها فوق نفقة العدة، وللقاضي أن يجعل دفع هذا التعويض جملة أو شهرياً بحسب مقتضى الحال)، فقد تم إلغاء هذا النص الذي تضمن تعويضاً تافهاً للمرأة المطلقة تعسفياً فضلاً عن أن النص قد تضمن شروطاً وقيوداً وضوابطاً تجعل حصول المطلقة تعسفياً على التعويض ضرباً من المستحيل، في حين ان القوانين العربية تنص على أن التعويض في الطلاق التعسفي يصل إلى نفقة من ثلاث إلى خمس سنوات ، ومع هذا وذاك فقد الغى المقنن اليمني ذلك النص.
ومنذ إلغاء القانون اليمني للنص المشار اليه فتح المقنن اليمني الباب واسعاً للطلاق التعسفي تاركاً الأمر لعلاقة الزوج بربه بإعتبار الزوج إذا طلق زوجته تعسفياً آثم في حكم الشريعة الإسلامية، مع أن المقنن اليمني يدرك جيداً أن الوازع الديني في الوقت الحاضر قد صار ضعيفاً إلى درجة أن غريم (النساء الجميلات) قد تزوج منهن 18 زوجة كان يطلقهن بعد زواجه منهن لبضعة أشهر وبعضهن في أسابيع، وآخر من ذلك الصنف تزوج 11 زوجة!!!؟ وهناك في الواقع حالات مماثلة كثيرة!!! ولذلك ماذا سنقول لطلبتنا كاساتذة عن حكم الشريعة فيمن جعل عشرات النساء الفاضلات (مطلقات) في مجتمع لايرحم ينظر إلى المطلقة على أنها مذنبة ، فالقائل في اليمن يقول: (لو كان فيها خير ما رماها الطير)؟ ماذا سنرد كفقهاء في الشريعة على اسئلة ترد الينا من عدة أشخاص يومياً عن حكم الشريعة في هذا الشأن؟ بل ماذا سيرد الذين نادوا بإلغاء النص المتعلق بالطلاق التعسفي عندما يمثلوا أمام الله سبحانه وتعالى سيما وأنهم يعلموا علم اليقين أن الموت حق وان الحساب والعقاب حق!!!؟.
وقد أشار إلى إشكالية الطلاق التعسفي في القانون والواقع اليمني الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 28-12-2011م في الطعن رقم (43700)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن أسبابه: (إلا أن الحق أحق يتبع وبراءة للذمة فإن المدعية تستحق نصف مهر المثل لعدم إبهامها على مرقوم إستلام مبلغ..... ولثبوت التعسف في الطلاق من قبل الزوج)، وقد أيد الحكم الاستئنافي الحكم الابتدائي، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (اما من حيث الموضوع فقد ناقشت الدائرة ما اثارته الطاعنة من أسباب في طعنها بشأن عدم صحة الوثائق المقدمة في إثبات الطلاق، وقد وجدت الدائرة: أن ذلك هو مجادلة في وقائع النزاع، وحيث أن محكمة الموضوع ناقشت تلك الأدلة وتوصلت إلى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون ، فلا التفات إلى ما اثارته الطاعنة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: مفهوم الطلاق التعسفي وحكمه في الفقه الإسلامي:
الطلاق التعسفي: هو تلفظ الزوج بلفظ الطلاق الصريح بحضور شهود او في مواجهة الزوجة وتصادقهما على ذلك أو كتابة وثيقة الطلاق وإعلام الزوجة بها، ويقع الطلاق في هذه الاحوال بدون سبب يستدعي هذا الطلاق أو لسبب تافه أو لغير حاجة، وبعد هذا الطلاق لايقوم الزوج برجعة الزوجة، وهذا الطلاق يتناقض مع مقصد الشارع تبارك وتعالى من تشريع الطلاق وهو دفع الضرر. (نظرية التعسف في إستعمال الحق في الفقه الإسلامي، د. فتحي الدريني، ص52).
اما بشأن حكم الطلاق التعسفي فقد اختلف الفقهاء على قولين:
القول الأول: الأصل في الطلاق الإباحة: فيحق للزوج أن يطلق زوجته من غير سبب أو من غير حاجة، وهو قول السرخسي والكاساني والزيلعي والموصلي من الحنفية، وبه قال القرطبي من المالكية، وإليه ذهب بعض الحنابلة.
القول الثاني: الأصل في الطلاق الحظر: ولا يباح إلا للضرورة او الحاجة التي تنزل بمنزلة الضرورة، وهو قول جمهور الفقهاء من الشافعية والزيدية والحنفية والمالكية والحنابلة. (بدائع الصنائع 3/146 وتفسير القرطبي 3/126 فتح الجواد 2/113).
الوجه الثاني: التعويض عن الطلاق التعسفي في الفقه الإسلامي:
سبق القول: أن جمهور الفقهاء قد ذهبوا إلى منع الطلاق التعسفي، بيد أن الفقهاء المتقدمين لم يتعرضوا للتعويض عن الطلاق التعسفي، اما الفقهاء المتأخرون فقد اختلفوا بشأن هذا الموضوع على قولين :
القول الأول: ذهب فريق من الفقهاء المعاصرين إلى جواز تعويض المطلقة طلاقاً تعسفياً ، وهو قول جماعة من المتأخرين منهم العلامة مصطفى السباعي.، فيجوز ذلك قياساً على المتعة الذي أوجب القرآن الكريم دفعها للمطلقة وهي عبارة عن مبلغ من المال أو أشياء أو كسوة يدفعها الزوج لزوجته المطلقة وليس المقصود بالمتعة هنا نكاح المتعة أو الزواج المؤقت ، وكذلك يقاس التعويض عن الطلاق التعسفي بالعوض في الخلع الذي تدفعه الزوجة المخالعة لزوجها تعويضاً عن إنهاء العلاقة الزوجية من جانبها، كما أن الطلاق ضياع لمستقبل الزوجة وتفويت لغرض لها، والقاضي منوط به إنصاف المظلومين. (الأحوال الشخصية مصطفى السباعي، 1/267).
القول الثاني: ذهب جماعة من الفقهاء المعاصرين إلى عدم جواز إلزام الزوج بتعويض مطلقته تعسفياً، وهو قول جماعة من المتأخرين منهم محمد أبو زهرة ووهبة الزحيلي وعبدالكريم زيدان، وحجتهم أن الطلاق حق مباح للزوج، كما أن الطلاق وإن كان الأصل فيه الحظر إلا إنه قد يكون لدى الزوج سبب نفسي لطلاق زوجته، كما أن فرض التعويض على الزوج يجعل المطلقة تتعمد رمي مطلقها بالتهم جزافا حتى تثبت تعسفه في طلاقها. (مدى حرية الزوج في الطلاق في الشريعة والقانون، الشيخ عبد الرحمن الصابوني، 1/120).
الوجه الثالث: معايير التعسف في الطلاق:
هناك معياران في هذا الشأن:
المعيار الأول: المعيار الشخصي: وأساسه النظر في البواعث والدوافع المحركة لإرادة الزوج في إستعمال حقه في الطلاق، فإذا كان الزوج قد استعمل حقه في الطلاق لمجرد قصد الإضرار بالزوجة أو تحقيقه لمصلحة غير مشروعة أو إستعمال الزوج للطلاق دون أن تكون له منفعة او لمنفعة تافهة في حين يلحق بالزوجة ضرراً بيناً، فقد قال الإمام الشاطبي (كل من استعمل أحكام الشريعة في غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة) ، فالشريعة قررت الطلاق لدفع الضرر، فالطلاق التعسفي يناقض مقاصد الطلاق في الشريعة الاسلامية.
المعيار الثاني: المعيار الموضوعي أو المادي: ويعني هذا المعيار أن القاضي ينظر إلى نتائج الطلاق في الواقع بغض النظر عن طبيعة العوامل النفسية التي دفعت الزوج إلى الطلاق، وعلى القاضي عند تطبيق هذا المعيار أن يراعي ضابطين: الضابط الأول: ضابط التناسب بين المصلحة التي يجنيها الزوج من الطلاق وبين الضرر الذي يلحق بالزوجة جراء الطلاق، والضابط الثاني: الضرر الفاحش المترتب عن ممارسة الزوج لحقه في الطلاق.
الوجه الرابع: صور الطلاق التعسفي:
هناك صور كثيرة للطلاق التعسفي منها: أن يتزوج الرجل المرأة وهو ينوي منذ البداية أن يطلقها بعد أن يقضي وطره منه، إذ يقوم بعد ذلك بطلاقها، ويظهر هذا النوع من الطلاق عن طريق إثبات الزيحات السابقة (لغريم النساء) الذي اعتاد على الزواج ثم الطلاق بعد ذلك بمدة وجيزة دون أن يراجع مطلقاته، كذلك يقع الطلاق التعسفي إذا طلق الزوج زوجته من غير سبب، ويظهر ذلك في زواج بعض المغتربين الذي يتزوج المرأة وبعد زفافها اليه ودخوله عليها يسافر للعمل في خارج الدولة ثم يبعث بعد ذلك بورقة طلاقها من خارج الدولة ،فيظهر من ذلك إنه ليس هناك سبب لهذا الطلاق، كذلك يقع الطلاق التعسفي إذا طلق الزوج زوجته بسبب تافه كما لو طلقها بسبب زيادة الملح في الطعام ، وقد حدث هذا بالفعل وغير ذلك من صور الطلاق التعسفي م التي لايتسع المجال لحصرها في هذا التعليق الموجز.(الوجيز في احكام الأسرة ، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، ص88).
الوجه الخامس: الطلاق التعسفي في القوانين العربية:
نصت القوانين العربية كافة على الطلاق التعسفي ، فمثلاً نصت المادة (117) من قانون الأحوال الشخصية السوري على إنه (إذا طلق الرجل زوجته ووجد القاضي دليلاً على أن الزوج قد طلق الزوجة لغير سبب معقول وان الزوجة ستتضرر من ذلك ويمنعها من كسب المال فيجوز للقاضي أن يحكم بأنها مطلقة تعسفياً ، فيجوز للقاضي أن يحكم لها بنفقة ثلاث سنوات أو أكثر، ويمكن للقاضي ان يقرر منحها مبلغاً شهرياً أو دفع النفقة لها بالكامل)، وقد وردت مثل هذا النص في قوانين الدول العربية الأخرى.
الوجه السادس: الطلاق التعسفي في قانون الأحوال الشخصية اليمني والقضاء اليمني:
كان قانون الأحوال الشخصية اليمني ينص في المادة (71) على إنه (إذا طلق الرجل زوجته وتبين للقاضي أن الزوج متعسف في طلاقها دون سبب معقول وان الزوجة سيصيبها بذلك بؤس وفاقة جاز للقاضي أن يحكم على مطلقها بحسب حاله ودرجة تعسفه بتعويض لا يتجاوز مبلغ نفقة سنة لأمثالها فوق نفقة العدة، وللقاضي أن يجعل دفع هذا التعويض جملة أو شهرياً بحسب مقتضى الحال)، إلا إنه في تعديلات (1999م) تم إلغاء النص القانوني السابق، ومع ذلك فان بعض قضاة اليمن العادلين عندما يثبت له الطلاق التعسفي يتوسل بوسائل شرعية عدة للحكم على المطلق المتعسف ، ومن أهم هذه الوسائل زيادة نفقات التقاضي المحكوم بها للمطلقة على مطلقها تعسفيا ، والله أعلم.
![]() |
| الطلاق التعسفي في القانون اليمني |

تعليقات
إرسال تعليق