مناقشة عدول مطابقة البصائر

مناقشة عدول مطابقة البصائر

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.

البصائر جمع بصيرة وهي وثيقة شراء الأرض، ونتيجة لعدم دقة عملية المساحة عند بيع وشراء الأراضي في اليمن وعدم تحديد وحدة مساحة واحدة في اليمن كلها ،ونظرا لوجود عدة وحدات للمساحة في اليمن كاللبنة الصنعانية ولبنة وادي ضهر واللبنة الذمارية والقصبة في بعض المناطق والشكلة والحبل والحبلة في مناطق اخرى...الخ ، ولعدم وجود نظام السجل العيني العقاري في اليمن، إضافة إلى أن الرهق التابع لكل أرض لا يتم ذكره ضمن حدود البصيرة لتلك الاسباب تحدث خلافات كثيرة بين ملاك الأراضي المتجاورة والمتلاصقة بشأن حدود تلك الأراضي وتوابعها ومراهقها، وعندئذٍ تحتاج محكمة الموضوع إلى عدول من أهل المعرفة ومن أهل المنطقة العارفين بأسماء الأراضي وحدودها ومراهقها والملاك السابقين لها أو المستأجرين لها، حيث تكلف المحكمة هؤلاء الخبراء بتطبيق بصائر الخصوم المتنازعين على أرض الواقع، فيقوم هؤلاء العدول بإعداد تقارير إلى المحكمة تتضمن النتائج التي توصلوا إليها أثناء عملية المطابقة للبصائر.

وحتى تتمكن المحكمة من الإحاطة بالنزاع فأنه يجب على المحكمة أن تمكن الخصوم من مناقشة تلك التقارير وإبداء ملاحظاتهم بشانها، كما يجب على المحكمة ذاتها ان تناقش عدول تطبيق البصائر سواء اثناء الجلسة أو عندما تسبب المحكمة لحكمها؛

حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 16-3-2015م في الطعن رقم (56849)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه:

(فمن الثابت أن الشعبة الاستئنافية لم تناقش القضية مناقشة وافية كافية ، ولم تفصل فيما اثاره الطاعنون بخصوص أن عدلي الطرفين قررا في تقريرهما إنطباق البصيرة المبرزة منهما على الموضع محل النزاع وذلك عقب إجراء المعاينة، وحيث أن الشعبة أهملت الفصل فيما اثير أمامها ولم تناقشه من قريب أو بعيد ، ولأن الشعبة اكتفت بتأييد الحكم الابتدائي، لذلك فإن حكمها مشوب بالقصور)،

وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: من هم عدول مطابقة المستندات أو البصائر؟:

هم المحافظون على الشعائر الإسلامية الذين لم يرتكبوا الكبائر ولم يصروا على الصغائر، وهم العارفون بالأرض محل النزاع من حيث مساحتها وحدودها ومراهقها والأراضي المحادة لها ومسميات الأراضي محل النزاع والملاك والمستأجرين المتعاقبين عليها والعارفين بالخلافات السابقة بشانها، وغالباً ما يكون هؤلاء العدول من ملاك الأراضي المجاورين للأرض محل النزاع أو المستأجرين لها أو الذين عملوا فيها، ويحبذ أن يكون العدول من كبار السن الذين تتوفر لديهم البيانات والمعلومات اللازمة عن الأرض محل الخلاف قديما وحديثا.

الوجه الثاني: المقصود بمطابقة البصائر على الأرض:

المقصود بذلك هو المقارنة بين البيانات والمعلومات الواردة في البصيرة وبين المعلومات والبيانات المتعلقة بالأرض المطلوب تطبيق البصيرة عليها، مثل مساحة الأرض وحدودها ومراهقها والمسميات الواردة في البصيرة وتلك الموجودة فعلاً في الأرض، وبيان الفروق بين البيانات الواردة في وثيقة البيع (البصيرة) وبين بيانات الأرض ذاتها كما هي في الواقع.

وقد تتم المطابقة على هذا النحو من قبل العدول المشار انفسهم من غير إنتقال المحكمة ويرفعوا تقريرهم في هذا الشان، وقد تقوم هيئة المحكمة ذاتها بالإنتقال إلى الأرض محل النزاع وتطبيق البصائر بحضور هيئة التحكيم وتروية العدول للمحكمة عند تطبيق البصيرة أو البصائر.

ومعنى تروية العدول: هو حضور العدول عند انتقال القاضي لمعاينة الارض ، وقيام العدول أثناء ذلك وامام القاضي وفي حضور الخصوم قيام العدول بتحديد حدود الأرض المتنازع عليها وبيان ما إذا كانت بيانات البصيرة تنطبق على الأرض ذاتها محل النزاع أم لا.

الوجه الثالث: التكييف القانوني لتطبيق العدول للبصائر:

لاشك أن مهمة عدول مطابقة البصائر تندرج ضمن أعمال الخبرة المقررة في المادة (165) ومابعدها من قانون الإثبات اليمني، فقد نصت المادة (165) من ذلك القانون على أنه (على المحكمة في المسائل الفنية كمسائل الطب والهندسة والحساب وغيرها مما يدق فهمه أن تعين خبيراً عدلاً أو أكثر من المؤهلين علمياً وفنياً أو ممن لهم خبرة خاصة المشهورين بذلك لتستعين بهم في كشف الغامض من هذه المسائل مما يفيد في إثبات الواقعة المراد إثباتها...إلخ).

فمن مطالعة هذا النص يظهر أن أعمال الخبرة ليست محصورة في مسائل الطب والهندسة والحساب، لأن المادة السابقة قد صرحت بان هناك مسائل فنية أخرى تحتاج إلى خبرة غير تلك المسائل المذكورة في النص السابق ، سيما أن تطبيق البصيرة على النحو السابق بيانه من المسائل التي يدق على القاضي فهمها، وعلى هذا الأساس فإن تكليف القاضي للعدول بتطبيق البصائر على الأرض محل النزاع هو من قبيل إستعانة القاضي بأعمال الخبرة ، وبناء على ذلك تنطبق احكام أعمال الخبرة على إستعانة القاضي بالعدول لتطبيق البصائر بما في ذلك مناقشة الخصوم فيما يتوصل إليه العدول وفقاً للمادة (173) إثبات.

الوجه الرابع: مناقشة الخصوم للنتائج التي توصل إليها عدول تطبيق البصائر:

سبق القول أن تطبيق البصيرة قد يتم أثناء معاينة المحكمة لمحل النزاع ، وقد يتم بموجب تكليف من المحكمة للعدول بتطبيق البصائر أو المستندات، وفي كل الأحوال ينبغي على المحكمة أن تمكن الخصوم من مناقشة أقوال العدول أثناء المعاينة وتوجيه الأسئلة الى العدول ومناقشتهم .

 وسواءً وردت اقوال العدول في محضر المعاينة أو في التقرير المرفوع من العدول إلى القاضي ، فعلى المحكمة أن تمكن الخصوم من الحصول على نسخ من تقارير العدول أو من محضر المعاينة حتى يتمكن الخصوم من مناقشة أقوال العدول وإبداء ملاحظاتهم بشأنها، وعلى المحكمة أن تطلب من العدول الرد على ملاحظات الخصوم أو مناقشاتهم.

سيما أن مناقشة الخصوم لإفادات العدول تمكن المحكمة من الإحاطة بتفاصيل النزاع ووجهات نظر الخصوم في ضوء إجابات العدول أو تعليقاتهم على مناقشات الخصوم، إَضافة إلى أن مناقشة الخصوم لأقوال العدول تعد حقاً من أهم حقوق الدفاع المكفولة في الدستور والقانون، خاصة أنه يترتب على أقوال العدول المساس بحقوق ومصالح الخصوم بإعتبار أعمال الخبرة من أهم ادلة الإثبات.

الوجه الخامس: مناقشة المحكمة لتقرير العدول وأقوالهم:

 ينبغي على المحكمة اذا استدعت العدول للتروية اثناء المعاينة ينبغي عليها ان توجه الاسلة الى العدول بشان المسائل الغامضة عليها ، وكذلك ينبغي على المحكمة أن تستوضح العدول عند رفعهم تقرير مطابقتهم للبصائر اليها وذلك للوقوف على المسائل الغامضة بالنسبة للمحكمة.

وسواءً وردت أقوال العدول في تقرير أو في محضر المعاينة فأنه يجب على محكمة الموضوع أن تناقش في أسباب حكمها أقوال العدول الذين قاموا بتطبيق البصائر على الأرض أو الذين استعانت بهم المحكمة لترويتها أثناء المعاينة، ومعنى المناقشة في هذه الحالة هو : أن تبين المحكمة أسباب أخذها بتقرير العدول أو العدل إذا خالف أقوال العدل الآخر أو العدول الآخرين ، حسبما هو مقرر في المادة (173) إثبات التي نصت على أن (للمحكمة أن تأخذ بتقرير الخبراء أو الخبير الذي تطمئن إليه مع بيان الأسباب إذا خالف التقرير الذي أخذت به تقريراً آخر ، ولها أن تستمع إلى مناقشات الخصوم في شأن التقارير المقدمة وملاحظاتهم عليها وأن تكلف الخبير أو الخبراء مرة أخرى لإستكمالها أو تصحيحها إذا لزم الأمر أو ترفض طلبات الخصوم).

الوجه السادس: حجية أقوال العدول المكلفين بتطبيق البصائر:

سبق ان ذكرنا أن أقوال العدول المكلفين بتطبيق البصائر هي من قبيل أعمال الخبرة، ولذلك فإن أقوال هؤلاء العدول تنطبق عليها حجية أعمال الخبرة، وفي هذا المعنى نصت المادة (175) إثبات على أن (تعتبر النتيجة التي يتوصل إليها الخبير أو الخبراء وتطمئن إليها المحكمة دليلاً كاملاً في المسائل التي يعينون فيها)، والله أعلم.

مناقشة عدول مطابقة البصائر
مناقشة عدول مطابقة البصائر

مقالات ذات صلة:

دمج البصائر - في القانون اليمني

تعطيل البصيرة ليس شرطاً لصحة التصرف

كتابة البصيرة من غير إبراز سند ملكية البائع

كتابة البصيرة القديمة بالحبر الأزرق