مبادلة الدين بالدين
مبادلة الدين بالدين
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
مبادلة الدين بالدين هو: إنشاء دين جديد كي يحل محل الدين السابق، وقد تكون مبادلة الدين على صورة جدولة للدين السابق مع زيادة في الدين، ومبادلة الدين بالدين مع المدين نفسه جائزة اذا كان الدين حال الاداء وتم التقابض فيما بين الدائن والمدين في مجلس التبادل، اما اذا كان الدين موجلا فلا يتم التقابض، ولذلك لاتجوز مبادلة الدين بالدين في هذه الحالة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 7/2/2011م، في الطعن رقم (43591)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (وبالنظر الى ماورد في تقرير المحاسب بان اإتفاقية الجدولة فيما بين الدائن والمدين عبارة عن تمويل دين بدين وذلك محظور)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: المفاهيم العامة للدين ذات الصلة بمبادلة الدين بالدين:
لتحديد ماهية مبادلة الدين فانه ينبغي إستعراض بعض المفاهيم الفقهية العامة للدين ذات الصلة بمبادلة الدين، ونعرض ذلك كما ياتي:
الدَّيْن: هو الشيء الثابت في الذمة، غير المعين أو المحدد بشيء.
العين في اصطلاح الفقهاء: الشيء المعين أو المحدد كهذه السلعة أو المتاع المشاهد. النسيئة أو النَّساء: تأجيل المستحق إلى وقت في المستقبل، ولو بعد إبرام العقد بقليل.
الدين الحالّ والدين المؤجل: أما الدين الحال فهو ما يجب أداؤه عند طلب الدين، كثمن المبيع في دين واجب الأداء في الحال. والدين المؤجل: هو ما لا يجب أداؤه إلا عند حلول الأجل.
الدين المطلق والدين الموثق: الدين المطلق: هو الدين المرسل (غير الموثق) المتعلق بذمة المدين نفسه، ولا يتعلق بشيء من أمواله.
والدين الموثق: هو الدين المتعلق بعين مالية من أعيان أموال المدين لتكون وثيقة عند المنازعة أو استيفاء الدين، كالدين الموثق برهن أو كفالة، حيث تكون له الأفضلية أو الأولوية في الوفاء على سائر ديون الغرماء العاديين غير الموثقة ديونهم.
الدين والقرض: الدين أعم من القرض، والقرض أخص من الدَّين، فالدين: يشمل كل ما ثبت في الذمة من الحقوق المالية كثمن مبيع وأجرة دار وبدل قرض، أو من الحقوق غير المالية كأداء العبادات المفروضة.
والقرض: عقد مخصوص يرد على دفع مال مثلي (كالنقود) لآخر ليرد مثله، أو هو إعطاء شخص مالاً لآخر في مقابل عوض يثبت له في ذمته، مماثل للمال المأخوذ بقصد نفع المعطى له فقط.
حسم (خصم) الكمبيالة: خصم الكمبيالة أن يدفع البنك أو شخص عادي قيمة الورقة التجارية كالكمبيالة قبل موعد استحقاقها، وبعد حسم (خصم) مبلغ معين يمثِّل فائدة من القيمة المذكورة بالورقة عن المدة الواقعة بين تاريخ الحسم وموعد الاستحقاق، إضافة إلى عمولة البنك ومصاريف التحصيل.
والكمبيالة إحدى الأوراق التجارية، وهي صك مكتوب وفق شكل حدده القانون يتضمن أمراً من شخص يسمى الساحب، إلى شخص آخر يسمى المسحوب عليه، بأن يدفع مبلغاً معيناً من النقود في تاريخ معين أو قابل للتعيين لأمر شخص ثالث هو المستفيد.
جدولة الديون: تسوية وفاء الديون المستحقة على أقساط معينة في المستقبل، في مقابل فائدة معينة. وهي شبيهة بفعل عرب الجاهلية عند العجز عن وفاء الدين الحالّ أجله بمنح المدين مدة أخرى للوفاء، حيث يقول الدائن للمدين: "إما أن تقضي أو تُربي" أي تدفع فائدة عن التأجيل للمستقبل.
وكل من خصم الكمبيالة وجدولة الديون محظور شرعاً، لأن كلاً منهما ربا، والربا حرام، ففي الخصم أو الحسم نقص قيمة المستحق كدفع 90% بدلاً من 100% وهو ربا، وفي جدولة الديون تأجيل وفاء الدين للمستقبل في مقابل فائدة جديدة.(احكام مبادلة الدين، ا.د. وهبة الزحيلي).
الوجه الثاني: مبادلة الدين وبيع الدين:
مبادلة الدين هو إنشاء دين جديد كي يحل محل الدين السابق، ومبادلة الدين هي صورة من صور بيع الدين، ولذلك تنطبق على المبادلة احكام بيع الدين.
ومبادلة الدين أو بيع الدين بالدين إما ان يكون للمدين نفسه، وإما ان يكون لغير المدين.
الوجه الثالث: حكم بيع الدين او مبادلته مع المدين نفسه:
في هذه المسالة تفصيل بحسب نوع الدين، وبيان ذلك كما ياتي:
أولاً: مبادلة الدَّين حالً الاداء مع المدين نفسه:
إذا كان الدين حالّ الأداء وقت المبادلة فيجوز شرعاً في رأي أكثر الفقهاء (غير الظاهرية) بيع الدين للمدين نفسه بعوض أو بغير عوض (أي هبة له) بشرط قبضه في الحال، كبيع مئة دينار من الذهب في ذمة المدين لحساب الدائن، بدين آخر من غير جنسه كدراهم فضية، ويسقط الدين المبيع، ويجب عوضه.
فتجوز مبادلة الدين مع المدين نفسه بشرطين:
الأول: تقابض البدلين في مجلس العقد، من غير تأجيل شيء منهما للمستقبل.
الثاني: كون صرف البدلين (الدنانير والدراهم) حاصلاً بسعر اليوم المتفق عليه في الحال، وهو سعر السوق في الصرف في الوقت الحاضر الذي تم فيه التبادل.
وادلة جواز المبادلة في هذه الحالة كثيرة منها: حديث صحيح أخرجه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) والبيهقي والدارقطني وابن حبان وصححه الحاكم، عن عبد الله بن عمر قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا، وبينكما شيء" أي لا بد من قبض المقابل في مجلس المبادلة. وهو دليل على جواز الاستبدال عن الثمن في الذمة بغيره، وجواز التصرف في الثمن قبل قبضه (منتقى الأخبار مع نيل الأوطار 5/156 وما بعدها، ط العثمانية المصرية).
ومن ادلة الجواز: أن المدين إذا دفع مقابل ما في ذمته للدائن يكون هذا بيع مقبوض بمقبوض، وهو جائز.
وكذلك فإن المانع من صحة مبادل الدين بالدين: هو العجز عن التسليم، ولا حاجة إلى التسليم ها هنا، حيث إن ما في ذمة المدين مقبوض له، فقدسئل جابر بن عبد الله (الصحابي) عمن له دين، فابتاع (اشترى) به غلاماً، قال: لا بأس به. وهذا بيع الدين للمدين نفسه، وهو معاوضة.
ثانيا: إذا كان الدين المستحق على المدين مؤجلاً للمستقبل (نسيئة):
فيحرم شرعاً مبادلته بدين آخر، لاشتماله على الربا، أو جدولة الدين، ولأنه بيع شيء في الذمة غير مقبوض، قد يقبض وقد لا يقبض، والتصرف في الشيء قبل قبضه ممنوع شرعاً، للحديث الذي أخرجه الدارقطني وابن عدي وإسحاق والبزار والحاكم وصححه على شرط مسلم، عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ" وهو بيع النسيئة بالنسيئة، أو بيع الدين بالدين، أو بيع الشيء المؤجل بالمؤجل، وذلك مشتمل على مخاطر عدم وفاء الدين فعلاً، أو عدم التأكد من القبض، ففيه غرر (احتمالات). والكالئ: هو المؤخر الذي لم يقبض. وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً، لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين، وهو ما صرح به الإمام أحمد بقوله: لا تحل الرواية فيه عندي عن موسى بن عبيدة الرَّبَذي الذي تفرد به، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره، وقال: ليس هذا أيضاً حديث يصح، ولكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين (منتقى الأخبار مع نيل الأوطار 5/156)، وقال ابن رشد في (بداية المجتهد 2/146 مطبعة الاستقامة بالقاهرة): "أما الدين بالدين فأجمع المسلمون على منعه".
وقد اتفق أئمة المذاهب الأربعة على عدم جواز بيع الدين المؤجل للمدين نفسه بثمن مؤجل، لأنه من بيع الكالئ بالكالئ، ولأنه بيع شيء لم يقبض.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي عن ابن عمر عن بيع ما لم يقبض، في قوله: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يَضْمن" أي بيع ما لم يقبض، لأن عدم القبض معرض للاحتمالات المشتملة على غرر بقبض الشيء أو عدم قبضه (منتقى الأخبار مع نيل الأوطار 5/179).
وكذلك لا يجوز بيع الدين الحالّ للمدين نفسه بثمن مؤجل، لأنه ينطبق عليها حكم بيع الدين بالدين (بيع الكالئ بالكالئ) المنهي عنه، ولأنه ذريعة إلى ربا النَّساء، ولأن من شروط بيع الدين بالدين عدم مخالفة قواعد عقد الصرف، فلو باع شخص لغيره نقوداً بنقود وجب التقابض في مجلس العقد، منعاً من الوقوع في الربا الحرام شرعاً بالإجماع. وتسمى هذه الحالة عند المالكية "فسخ الدين بالدين" لأن الدين السابق في ذمة المدين قد فسخ في مؤخر قبضه عن وقت الفسخ، وحل محله دين آخر، وهو غير جائز في المذاهب الأربعة، وهو أشد الصور تحريماً لكونه ربا الجاهلية (الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 3/63).
فإذا لم يوجد في التصرف شبه بعقد الصرف جاز البيع المؤجل وغيره، كبيع دين بعين (أي شيء في الذمة بسلعة) وكذا العكس (المجموع للنووي 9/274). قال الكاشاني: "إن كان الدين دراهم ودنانير (أي نقوداً معدنية ومثلها النقود الورقية) فاشترى به شيئاً بعينه ـ كسجادة أو سيارة ـ جاز الشراء، وقبض المشتري ليس بشرط، لأنه يكون افتراقاً عن عين بدين، وأنه جائز فيما لا يتضمن ربا النَّساء، ولا يتضمن ههنا" (البدائع 7/3229، مطبعة الإمام بمصر).
والحاصل: أن المانع من صحة بيع الدين بالدين: هو العجز عن التسليم.
الاستثناءات المحظورة في مبادلة الدين مع المدين: استثنى أكثر العلماء من حكم بيع الدين للمدين ثلاثة تصرفات لا تجوز وهي:
الأول ـ بدل الصرف ورأس مال السلَم (الثمن): لم يجز جمهور العلماء التصرف في بدلي الصرف (بيع النقد بالنقد) وفي رأس مال السلم (الثمن) قبل قبضه ولو من المدين نفسه، تفادياً من تفويت شرط القبض في بدلي الصرف ورأس مال السلم قبل التفرق من مجلس العقد (القواعد لابن رجب الحنبلي: 82، منتقى الأخبار مع نيل الأوطار 5/18، البدائع 5/148، ط الجمالية بمصر، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 3/61 وما بعدها، مغني المحتاج 2/71، كشاف القناع 3/293).
الثاني ـ ربا النَّساء (المؤجل فيه التقابض): اشترط فقهاء المذاهب الأربعة لصحة تمليك الدين للمدين أن يخلو التصرف من ربا النَّساء، فلو باع الدائن دينه من المدين بما لا يباع به نَسَاء من الأموال الربوية، كذهب بفضة، أو حنطة بشعير ونحو ذلك من الأموال التي يجري فيها الربا ـ وهي النقود والمطعومات في رأي الشافعية والمالكية، وكل مكيل أو موزون في رأي الحنفية والحنابلة ـ لا يصح البيع إلا إذا قبض الدائن العوض قبل التفرق من مجلس العقد، للأحاديث الناهية عن ربا الفضل وربا النَّساء، مثل الحديث الذي رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه، وأبو داود ونحوه عن عبادة بن الصامت عن النبيr، قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، سواء بسواء، يداً بيد (أي متماثلين متقابضين) فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" أي مع التقابض.
الثالث ـ بيع الدين المؤجل بالمؤجل: اشترط جماعة من الفقهاء (الإمام أحمد، وابن المنذر، والسبكي من الشافعية) لصحة تمليك الدين للمدين انتفاء بيع الدين بالدين، لإجماع العلماء على أن بيع الدين بالدين غير جائز (تبيين الحقائق للزيلعي 4/118، نهاية المحتاج 3/151، المغني 4/9، فتاوى ابن تيمية 29/500، 503، 506).
الخلاصة: يجوز بيع الدين للمدين في أربع حالات هي:
1ـ إذا كان المبيع النقدي حالاً بنقود حاضرة أو بعين حاضرة.
2ـ أو كان المبيع الحالّ غير نقدي بنقود حاضرة أو بعين حاضرة.
3ـ أو كان المبيع مؤجلاً نقدياً، بعين حاضرة أو بالنقود الحاضرة، عملاً بقاعدة "ضع وتعجّل" المشروعة في رأي الحنابلة إذا لم يكن هناك شرط سابق بذلك.
4ـ أو كان المبيع المؤجل غير نقدي بنقود حاضرة أو بعين حاضرة.
ولا يجوز بيع الدين للمدين في أربع حالات أخرى هي:
1ـ إذا كان بيع الدين الحال للمدين بنقود مؤجلة أو بعين موصوفة في الذمة مؤجلة.
2ـ أو كان الدين مؤجلاً نقدياً بالنقود الحاضرة أو بالنقود المؤجلة أو بعين موصوفة مؤجلة.
3ـ أو كان الدين الحالّ غير نقدي بنقود مؤجلة أو بعين موصوفة.
4ـ أو كان الدين المؤجل غير نقدي بالنقد المؤجل أو بالعين الموصوفة المؤجلة.
الوجه الثالث: بيع الدين لغير المدين:
ذهب أكثر العلماء إلى منع جواز تمليك الدين لغير المدين سواء أكان بعوض أم بغير عوض (وهم الحنفية، والشافعية في الأظهر، والحنابلة، والظاهرية، وإسحاق وسفيان الثوري)، كأن يؤجل البائع الثمن عن المشتري للمبيع (وهو هنا الدائن) ثم يتصرف في دينه لآخر. ودليلهم: "نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ" أي المؤخر بالمؤخر، وذلك لا يجوز بالإجماع، لاشتماله على غرر وهو كون المبيع غير مقبوض (روضة الطالبين للنووي 3/514، مجموع الفتاوى لابن تيمية 20/512، 29/472).
وهذا يشمل ثلاث حالات:
الحالة الأولى ـ بيع الدين المؤجل لغير المدين بثمن مؤجل لا يجوز بالاتفاق عملاً بالنهي المتقدم عن بيع الكالئ بالكالئ.
الحالة الثانية ـ بيع الدين الحالّ لغير المدين بثمن مؤجل، لأن ذلك غرر، وذريعة إلى ربا النَّساء، لا يجوز هذا البيع أيضاً في المذاهب الأربعة، لان الديون في دائرة الأموال التي يجري فيها الربا، تعجيلاً وتأجيلاً، فقد كان أهل الجاهلية ـ كما تقدم ـ إذا داين الرجل منهم أخاه، ثم حلَّ أجل الدين، قال له: "إما أن تقضي أو تُرْبي" فإما قضاه، وإما أجَّله، وزاده شيئاً على رأس ماله، وفي هذا إرهاق للمدين وإضرار به، لأن الدين قد يستغرق ماله، وكذلك إذا لم يزده، وتم البيع بثمن المثل، لأنه ربا نَسَاء، وهذا افتراض نادر.
الحالة الثالثة ـ بيع الدين المؤجل لغير المدين بثمن حالّ، سواء أكان ذلك بعوض أم بغير عوض، لا يجوز هذا البيع أيضاً في رأي جمهور الفقهاء (الحنفية والحنابلة، والشافعية في الأظهر، والظاهرية)، لأن المشتري أو الواهب يتصرف فيما ليس في يده، وليس له سلطة على تمكين العاقد الآخر من قبضه منه، فكان تصرفاً في شيء لا يقدر على تسليمه، إذ ربما منَع المدين الوفاء أو جحدَ الدين، وذلك غرر، فلا يجوز.
أما بيع الدين الحالّ لغير المدين بثمن حالّ: فهذا بيع جائز إن تم التقابض في مجلس العقد، فإن لم يتم ذلك لم يجز عند الجمهور من الحنفية والحنابلة والشافعية في الأظهر، للعجز عن التسليم أو الغرر (الاحتمال) أو كون الشيء غير مقبوض.
والراجح فقهاً أنه لا يجوز هذا البيع مطلقاً، سواء بثمن حالّ أم مؤجل، لأنه ينطبق عليه النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، فهو محظور إجماعاً، ولأنه بيع ما لا يقدر على تسليمه، وذلك غرر، فصارت الأحوال المحظورة في بيع الدين لغير المدين أربعاً، وليست ثلاثاً (البدائع 5/148، نهاية المحتاج 3/151، أسنى المطالب 2/85، غاية المنتهى 2/80 وما بعدها، أعلام الموقعين 1/288 وما بعدها).
استثناءات في مذهب الحنفية في مبادلة الدين مع غير المدين:
أورد الحنفية ثلاث حالات مستثناة من حرمة مبادلة الدين مع غير المدين وهي:
الأولى ـ الوكالة بقبض الدين: إذا وكّل الدائن من ملّكه الدين في قبض الدين من مدينه صح ذلك، وأصبح الوكيل بمجرد القبض قابضاً لنفسه، وممتلكاً الدين. وكذلك في الهبة إذا أمر الواهب الموهوب له بقبض الموهوب صحت الهبة، لأنها ترجع إلى هبة العين، والعين هنا تشمل كل ما كان معيناً، حالاً أو مآلاً.
الثانية ـ حوالة الدين: إذا أحال الدائن من ملَّكه الدين على مدينه يصح ذلك، ويصير المحال بقبضه الدين مالكاً له.
الثالثة ـ الوصية: تصح الوصية بالدين لغير المدين، لأنه تمليك مضاف لما بعد الموت، فينتقل ملك الدين للموصى له، كانتقال الإرث (رد المحتار على الدر المختار 4/173، الأشباه والنظائر لابن نجيم المصري: ص 313، ط دار الفكر بدمشق).
مذهب المالكية في بيع الدين لغير المدين:
أجاز المالكية بيع الدين لغير المدين بشروط ثمانية تبعده عن الربا والغرر وسائر المحظورات الأخرى، كعدم بيع الطعام قبل قبضه، وهذه الشروط هي:
1ـ أن يكون الدين مما يجوز بيعه قبل قبضه: كأن يكون من قرض ونحوه، احترازاً عما لو كان طعاماً (بُراً) لأنه لا يجوز شرعاً بيع الطعام قبل قبضه، وهذا في مذهبهم فقط، وعمم الشافعية المنع لأي شيء قبل قبضه، وقصر الحنفية المنع على بيع المنقول دون العقار، لندرة تعرض العقار للهلاك.
2ـ أن يباع بثمن مقبوض: بأن يعجل المشتري الثمن، لئلا يكون بيع دين بدين.
3ـ أن يكون الثمن من غير جنس الدين، أو من جنسه مع التساوي، حذراً من الوقوع في الربا.
4ـ ألا يكون الثمن ذهباً، حيث يكون الدين فضة، أو على العكس، لئلا يؤدي إلى بيع النقد بالنقد من غير مناجزة، أي من غير قبض في الحال، لاشتراط التقابض في صحة بيع النقود.
5ـ أن يكون المدين حاضراً في بلد العقد: ليعلم حاله من فقر أو غنى، أو عسر أو يسر، لأن عوض الدين يختلف باختلاف حال المدين، فلا بد من حضوره، ليمكن تقدير قيمة الدين، والمبيع لا يصح أن يكون مجهولاً.
6ـ أن يكون المدين مقرّاً بالدين حتى لا يستطيع إنكاره بعد ذلك، فإن كان منكراً له لا يجوز بيع دينه، ولو كان ثابتاً بالبينة، حسماً للمنازعات.
7ـ ألا يكون بين المشتري وبين المدين عداوة: لئلا يتوصل بذلك إلى الإضرار به، والتسلط عليه، بأن يقصد إعنات المدين وإلحاق الضرر به.
8ـ أن يكون المدين ممن تطبق عليه الأحكام الشرعية، ليكون الدين مقدور التسليم (مواهب الجليل للحطاب 4/368، بداية المجتهد 2/146).
وبيع الدين لغير المدين لا يجوز في جميع الأحوال إلا عن طريق الحوالة أو الوصية أو الوكالة بقبض الدين. يؤكده قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي 101/4/11 ونصه:
"أولاً: أنه لا يجوز بيع الدين المؤجل من غير المدين بنقد معجل من جنسه أو من غير جنسه لإفضائه إلى الربا، كما لا يجوز بيعه بنقد مؤجل من جنسه أو من غير جنسه، لأنه من (بيع الكالئ بالكالئ) المنهي عنه شرعاً، ولا فرق في ذلك بين كون الدين ناشئاً عن قرض أو بيع آجل".(مبادلة الدين بالدين،ا. د.وهبة الزحيلي)
الوجه الرابع: قرار المجمع الفقهي الاسلامي بشان مبادلة الدين بالدين:
هناك قراران:
القرار الاول:
(قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في مملكة البحرين، من 25-30 رجب 1419هـ، الموافق 14- 19 تشرين الأول (نوفمبر) 1998م, وبعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع “بيع الدين وسندات القرض وبدائلها الشرعيـة في مجال القطاع العام والخاص”، وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع من المواضيع المهمة المطروحة في ساحة المعاملات المالية المعاصرة. قرر ما يلي:
أولا: أنه لا يجوز بيع الدين المؤجل من غير المدين بنقد معجل من جنسه أو من غير جنسه, لإفضائه إلى الربا، كما لا يجوز بيعه بنقد مؤجل من جنسه أو غير جنسه, لأنه من بيع الكالئ بالكالئ, المنهي عنه شرعًا، ولا فرق في ذلك بين كون الدين ناشئًا عن قرض أو بيع آجل.
ثانيا: التأكيد على قرار المجمع رقم 60(11/6) بشأن السندات في دورة مؤتمره السادس بالمملكة العربية السعودية بتاريخ 17 – 23 شعبان 1410هـ الموافق 14 – 20 آذار (مارس)1990م. وعلى الفقرة (ثالثا) من قرار المجمع رقم 64/2/7 بشأن حسم (خصم) الأوراق التجارية، في دورة مؤتمره السابع بالمملكة العربية السعودية بتاريخ 7-12 ذي القعدة 1412هـ الموافق 9 – 14 مايو 1992م.
ثالثا: استعرض المجمع صورًا أخرى لبيع الدين, ورأى تأجيل البت فيها لمزيد من البحث، والطلب من الأمانة العامة تشكيل لجنة لدراسة هذه الصور, واقتراح البدائل المشروعة لبيع الدين, ليعرض الموضوع ثانية على المجمع في دورة لاحقة.
القرار الثاني:
وفي قرار رقم: 101(4/11)، قرر ما يلي:
أولًا: يعدّ من فسخ الدين بالدين الممنوع شرعًا كل ما يُفضي إلى زيادة الدين على المدين, مقابل الزيادة في الأجل أو يكون ذريعة إليه، ومن ذلك فسخ الدين بالدين عن طريق معاملة بين الدائن والمدين تنشأ بموجبها مديونية جديدة على المدين من أجل سداد المديونية الأولى كلها أو بعضها، سواء أكان المدين موسرًا أم معسرًا، وذلك كشراء المدين سلعة من الدائن بثمن مؤجل ثم بيعها بثمن حال من أجل سداد الدين الأول كله أو بعضه.
ثانيًا: من صور بيع الدين الجائزة:
(1) بيع الدائن دينه لغير المدين في إحدى الصور الآتية:
(أ) بيع الدين الذي في الذمة بعملة أخرى حالة، تختلف عن عملة الدين، بسعر يومها.
(ب) بيع الدين بسلعة معينة.
(ج) بيع الدين بمنفعة عين معينة.
(2) بيع الدين ضمن خلطة أغلبها أعيان ومنافع هي المقصودة من البيع.
كما يوصي بإعداد دراسات معمقة لاستكمال بقية المسائل المتعلقة بهذا الموضوع وتطبيقاته المعاصرة). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل البنوك والمصارف، أ. د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة، طبعة 2024م صنعاء، صـ180)، والله أعلم.
مقالات ذات صلة:

تعليقات
إرسال تعليق