تمييز الوقف عن الحر عند القسمة
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
من المعروف ان المال الموقوف هو الذي يكون اصله محبوسا قربة لله تعالى وتصرف حاصلاته في المصارف التي حددها الواقف، في حين ان المقصود بالمال الحر في اليمن هو المال الخاص غير المحبوس أي غير الموقوف .
وقد سبق أن ذكرنا في تعليق سابق جواز قسمة الإنتفاع بأموال الوقف المؤجرة للمورث أو الأعيان الموقوفة التي كان ينتفع بها المورث أثناء حياته، إذ تجوز قسمة الإنتفاع بها بين الورثة على سبيل (المعوشة او المعيشة او المعايشة) بحسب المصطلح المتداول في اليمن ،أي أن المقاسم بموجب قسمة المعيشة يكون له حق الإنتفاع بتلك الأموال فقط دون تملكها شريطة أن يقوم الوارث بإستئجار تلك الأموال من مكتب الأوقاف أو متولي الوقف المختص.
وإن كان من الجائز قسمة الإنتفاع بالأموال الموقوفة التي كانت مؤجرة للمورث، بيد إنه يجب عند إجراء القسمة عدم الخلط بين الأموال الموقوفة وغيرها (الحر) وهي الأموال (الحرة) غير الموقوفة سواء في وثائق القسمة كالحصر والتركيز والفصول أو عند تطبيق الفصول على الواقع ، فيمنع خلط الوقف بالحر بل حتى عند تحصيل عائدات الوقف يجب أن لاتختلط حاصلات الوقف بحاصلات الأموال الاخرى، وكذلك الحال بالنسبة لحاصلات الوقف حتى لا تضيع الأموال الموقوفة بمضي الزمن، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 1-7-2012م في الطعن رقم (45346) ، الذي ورد ضمن أسبابه: (ونعي الطاعنين مردود عليه بما علل به الحكم المطعون فيه بقوله: وحيث أن محرر الصلح لا يفيد تقسيم الوقف وهو شعبة (....) بشكلٍ مستقل بما يكفل تمييز الوقف عن غيره والمحافظة عليه، لأن ضم الوقف في القسمة إلى موضع.... (المال الحر) يخشى معه تلاشيه مستقبلاً ، فيضيع الوقف ويتعطل مقصود الواقف، والدائرة تجد: أن هذا التعليل في محله)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: جواز قسمة الإنتفاع بالعين الموقوفة:
منع قانون الوقف الشرعي اليمني قسمة أموال الوقف إلا إذا كان ذلك على سبيل المعايشة، ويطلق على قسمة الإنتفاع بأموال للوقف في مناطق اليمن قسمة معوشة وقسمة معيشة أو معايشة، وان كان من الجائز قسمة الإنتفاع بالعين الموقوفة الا ان ذلك مشروط بأن يقوم المقاسم الذي صار له الإنتفاع العين الموقوفة ان يقوم بإستئجار العين من مكتب الأوقاف.
ولأن قسمة منفعة الوقف لا تمس ملكية رقبة العين الموقوفة، فهذه القسمة قاصرة على حق الإنتفاع بالعين الموقوفة ، فلا تخول هذه القسمة المقاسم إلا الإنتفاع فقط بالعين الموقوفة، فلا يحق للمقاسم المنتفع أن يتصرف في العين إلا في حدود حق الإنتفاع بل أن تصرفه بحق الإنتفاع إلى الغير مقيد بإذن مكتب الأوقاف أو متولي الوقف، فإذا اراد المقاسم أن يتصرف بحق الإنتفاع إلى الغير فأنه يجب عليه أن يحصل على إذن وموافقة مكتب الأوقاف أو متولي الوقف، ويجب على من تم التصرف إليه أن يستأجر من الأوقاف أو متولي الوقف وأن يدفع المأذونية المقررة.
الوجه الثاني: ضوابط قسمة منفعة الوقف:
إذا كان من الجائز قسمة منفعة الوقف غير أن هناك ضوابط عدة لهذه القسمة من أهمها: أن تتضمن كافة وثائق القسمة النص الصريح على أن القسمة قاصرة على حق الانتفاع وان المال المقسوم وقف وبيان اوصاف المال الموقوف المقسوم كذكر اسم هذا المال او الموضع ومساحته وحدوده واسم الواقف وغرض الوقف ومصرفه وكيفية إنتقال العين او المال الموقوف إلى يد المؤرث، وكذا التصريح في وثائق القسمة أن القسمة مقتصرة على حق الإنتفاع بالعين الموقوفة وإنه لا يجوز للمقاسم أن يتصرف بالعين الا بعد موافقة الجهة او الشخص الذي يتولى إدارة الوقف ، ويتم ذكر أن المقاسم ملتزم بإستئجار العين الموقوفة من مكتب الأوقاف أو متولي الوقف، ويجب أن يتم ذكر هذه الضوابط في وثائق القسمة كافة ومن ضمنها فصل المقاسم أو فصول المتقاسمين.
الوجه الثالث: تمييز مال الوقف عن المال الحر في وثائق القسمة ومنها فصل المقاسم:
ارشد الحكم محل تعليقنا إلى وجوب تمييز مال الوقف عن المال الحر عند قسمة أموال المورث على أن يكون هذا التمييز في وثائق القسمة ومنها فصول المتقاسمين وكذا عند تنفيذ الفصول او تطبيقها في الواقع، وقد اشار الحكم محل تعليقنا إلى مظهر من مظاهر الخلط بين الوقف والحر ، وهو الخلط في وثيقة الفصل او الفرز بين مال الوقف والمال الحر كأن يتضمن فصل المقاسم عبارة (ومال الوقف: هو نصف موضع كذا) دون أن يتضمن الفصل تحديد الجهة التي يقع فيها الوقف او مساحة وحدود النصف الخاص بالوقف، ويتحقق الخلط أيضا بين مال الوقف والمال الحر إذا تضمن الفصل مال الوقف مع المال الحر دون أن تتم الإشارة أو التصريح بأن المال وقف ،لأنه في هذه الحالة يختلط مال الوقف بالأموال الأخرى فيضيع مال الوقف بمرور الزمن ويتم التعامل مع مال الوقف كما لو انه مال حر، وكذلك يقع الخلط بين مال الوقف والمال الحر في وثيقة الفصل إذا لم يتم النص في الفصل على أن المال المذكور في الفصل من أموال الوقف، لأن ذلك يعني إنه من الأموال الحرة، ويقع الخلط بين الوقف والحر في الفصل عن طريق ذكر أموال الوقف في فصول القسمة أو وثائق القسمة الاخرى دون ذكر مساحاتها وحدودها التي تميزها عن غيرها، كما يقع الخلط بين مال الوقف والمال الحر عن طريق قيام المقاسم بخلط حاصلات مال الوقف بحاصلات ماله الخاص أو المال الحر.
وقد كان اسلافنا يتورعون عن خلط مال الوقف بالمال الحر حتى انهم عند حراثتهم للمال الوقف يقوموا بتنظيف المحراث مما علق به من تراب مال الوقف، وفي موسم الحصاد كانوا يفصلوا حاصلات أموال الوقف عن حاصلات المال الحر ،وكذا مصاريف الوقف عن مصاريف الحر.
الوجه الرابع: الخلط بين الوقف والحر في الواقع وعدم التمييز بينهما:
يقع الخلط بين الوقف والحر في الواقع عن طريق عدم التمييز بين مال الوقف والمال الحر بعلامات تميزهما عن بعضهما كوضع العلامات والفواصل والحدود بين أموال الوقف وغيرها، حتى يكون مال الوقف ظاهراً للعيان بصورة منفصلة عن غيره، وكذا يجب التمييز بين الوقف والحر عند جني المحصول، فلا يجوز خلط محصولهما ولو كان محصولهما من جنس واحد، وكذا ينبغي عدم خلط مصاريف المال الحر بمصاريف مال الوقف حتى تكون مصاريف الوقف معلومة على وجه الإستقلال.
الوجه الخامس: مخاطر الخلط بين الوقف والحر:
اشار الحكم محل تعليقنا إلى إنه يخشى من عدم تمييز الوقف عن الحر أن يضيع الوقف أي أن يضيع أصل المال الموقوف أو عائداته نتيجة عدم تمييزه عن الحر وطغيان الحر عليه، وكذلك الحال عند إختلاط مصاريف او غلال الوقف بغيرها، إذ يترتب على عدم تمييزها ضياع عائدات الوقف وتحميل الوقف بمصاريف الحر، والله اعلم.
![]() |
| تمييز الوقف عن الحر عند القسمة |
