الإلتباس في تحديد مساهمة الشركاء في المكتسب
الإلتباس في تحديد مساهمة الشركاء في المكتسب
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
الشركة العرفية تنشأ غالباً في اليمن بين الأقارب كالوالد وأولاده أو الأخ واخوانه ، فيساهم جميع الشركاء بالمال والعمل أو الجهد لأجل ومصلحة الشركة العرفية وتطويرها وتنمية عائداتها او أرباحها، ولاشك أن مساهمات الشركاء بالمال وجهودهم في الشركة العرفية تكون متفاوتة من شريك إلى اخر كما يتفاوت المردود أو العائد الذي تحققه الشركة العرفية من جهود الشركاء لاختلاف اهمية وطبيعة جهود الشركاء وامكانياتهم المتفاوتة من شريك إلى آخر.
وفي بعض الحالات يكون هناك إتفاق كتابي أو شفهي على تحديد حصص وارباح الشركاء في الشركة العرفية وكيفية تقسيم الأموال المكتسبة ، فعندئذ ينبغي تنفيذ هذا الإتفاق والعمل بموجبه ، اما اذا لم يكن هناك إتفاق بين الشركاء فأنه ينبغي أن يتم إحتساب حصص الشركاء وارباحهم والاموال المكتسبة من عائدات الشركة العرفية بحسب المساهمات المالية المقدمة من الشركاء في رأس مال الشركة (الكرمة) وبحسب العائد الذي تحقق للشركة من جهود كل شريك على حدة.
بيد انه في بعض الحالات قد يثبت بما لا يدع مجال للشك قيام الشركة العرفية بين جميع الشركاء في وقت واحد وان جميع الشركاء قد ساهموا بالمال والجهد في الشركة العرفية في وقت واحد ، وانه لم يثبت من خلال الاستعانة بالخبراء او غيره لم يثبت أن هناك تفاوت بين الشركاء في تاريخ الالتحاق بالشركة ولم يظهر ان هناك تفاوت بين الشركاء في المساهمة بالمال والجهد، ففي هذه الحالة ينبغي أن يتم التعامل مع هذه الحالة على أساس ان حصص الشركاء وارباحهم متساوية ، ولذلك ينبغي تقسيم المكتسب من الشركة العرفية بالتساوي بين الشركاء ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 28-2-2012م في الطعن رقم (44032)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن أسبابه: (فإن ما قدمه المتداعون قد ظهر منه شراكة المورث مع أولاده البالغين في المكتسب إلا إنه لما كان حال الشركاء المورث وأولاده مجهولاً بشأن ما ساهم به كل واحد منهم في المكتسب وما بذله من جهد، لذلك فاللازم إعتبار المكتسب بينهم أرباعاً بشرط مضي المدعى عليه الأول في اليمين بشأن ما قدمه هو واخويه..... و..... من قيمة ذلك المكتسب براءة للذمة)، وعند إستئناف الحكم الابتدائي قضت الشعبة الاستئنافية: (بأنه لا مجال للشك او التخمين بأن العمارة محل النزاع هي ملك للمورث وأولاده الخمسة بالتساوي واللازم قسمتها بينهم على هذا الأساس)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: ( فقد تبين أن الأسباب الواردة في الطعن تتعلق بموضوع النزاع، وقد ناقشها الحكم الاستئنافي، ومن خلال ذلك توصل إلى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: كيفية وقوع المساواة بين الوالد وأولاده في الشركة العرفية:
عندما تقع الشركة العرفية بين الوالد وأولاده او الأخ واخوانه او غير ذلك، قد يكون هناك إتفاق سابق او لاحق بين الشركاء على كيفية تقسيم حصص وارباح الشركاء في الشركة العرفية وتبعا لذلك كيفية تقسيم المكتسب من عائدات هذه الشركة، فعندئذٍ يجب تنفيذ هذا الإتفاق.
غير إنه في بعض الحالات يكون من الثابت امام القضاء وقوع الشركة العرفية بين الشركاء في وقت واحد او تاريخ واحد ، وثبوت قيام كل واحد من الشركاء بالمساهمة في رأس مال الشركة دون ثبوت مقدار مساهمة كل واحد منهم في راس المال، وكذا ثبوت أن جميع الشركاء قد التحقوا في الشركة العرفية في وقت واحد وأنهم جميعاً كانوا يعملون جميعاً في الشركة العرفية وان جهودهم كانت في مجال واحد ومن جنس واحد ، وان مردود عمل وجهد كل واحد منهم متقارب إلى حد ما من غير تفاوت كبير بينهم ، وثبوت ان إمكانيات وقدرات الشركاء في الشركة العرفية لم تكن متفاوتة، فعندئذٍ تتحقق المساواة بين الشركاء في الشركة العرفية.
الوجه الثاني: كيفية تقدير حصص الشركاء في الشركة العرفية في المكتسب من الشركة:
سبق القول أنه قد يتفق الشركاء في الشركة العرفية على تقسيم حصص الشركاء والارباح وكذا كيفية تقسيم الأموال المكتسبة من عائدات الشركة العرفية ، وقد يكون هذا الإتفاق كتابة او شفاهة ، وقد يكون هذا الإتفاق سابقا على قيام الشركة العرفية أو لاحقا لذلك، وقد يكون هذا الإتفاق صريح يتم التصريح به لفظا أو كتابة ، وقد يكون ضمناً بأن يقوم الشركاء قبل حدوث النزاع بينهم بقسمة الأرباح بنسب متفاوتة أو بنسب متساوية بين الشركاء، ففي هذه الأحوال يجب على الشركاء التوقف على هذا الإتفاق والعمل بموجبه.
اما إذا لم يكن هناك إتفاق بين الشركاء على كيفية تقدير حصص الشركاء في الشركة العرفية ، فيتم تقدير هذه الحصص عن طريق الخبراء العدول العارفين في مجال نشاط الشركة العرفية، ويقوم الخبراء بتقدير حصص الشركاء في الشركة العرفية على أساس مقدار مساهمة كل شريك في رأس مال الشركة العرفية (الكرمة) وعلى أساس المردود الذي تحقق للشركة العرفية من جهود كل شريك من الشركاء، وعلى أساس وقت إلتحاق كل شريك في الشركة إذا كان إلتحاقهم قد وقع في أوقات متفاوتة، وغالباً ما ينجح الخبراء العدول الذين تعينهم المحكمة في تقدير حصة كل شريك في الشركة العرفية على أساس المعايير المشار إليها، إلا إنه في بعض الحالات قد لا يفلح الخبراء العدول في التوصل إلى تقدير حصص الشركاء في الشركة سيما حينما يكون محل الشركة العرفية إنشاء عمارة في مدينة تبدأ الشركة فيها بشراء الأرض بأسماء الوالد وأولاده وتصدر رخصة البناء على هذا الأساس ويشهد الشهود أن جميع الشركاء كانوا يدفعوا قيمة المواد واجور البناء من مالهم جميعاً ، فعندئذٍ يتم تقدير حصص الشركاء في الشركة العرفية بالتساوي بين جميع الشركاء، ومؤدى ذلك أن الحصص في الشركة العرفية متساوية وذلك هو الاصل ، فعلى من يدعي خلاف ذلك أن يثبت، ومن هذا المنطلق فقد لاحظنا أن الحكم الاستئنافي قد قضى بأن حصص الشركاء في الشركة متساوية وألغى الحكم الابتدائي الذي قضى أيضاً بأن الحصص متساوية ولكن بين الوالد وثلاثة من أولاده فقط، في حين قضى الحكم الاستئنافي بأنها متساوية بين الأولاد الخمسة ووالدهم، وقد أقر حكم المحكمة العليا الحكم الاستئنافي، والله اعلم.
![]() |
| الإلتباس في تحديد مساهمة الشركاء في المكتسب |
