نطاق الاختصاص المكاني والنوعي لقلم التوثيق
نصت المادة (3) من قانون التوثيق اليمني على أن: (-أ- تنشأ في نطاق محاكم الاستئناف بأمانة العاصمة ومحافظات الجمهورية مكاتب للتوثيق تتبعها أقلام للتوثيق في نطاق المحاكم الابتدائية وتمارس مهامها واختصاصاتها وفقاً لأحكام هذا القانون واللائحة، ويجوز بقرار من الوزير إنشاء أقلام توثيق متخصصة ويحدد قرار إنشائها اختصاصها النوعي والمكاني. -ب- تحدد اللائحة التقسيمات الإدارية لمكاتب وأقلام التوثيق ومهام واختصاصات تلك التقسيمات.) فسياق هذا النص يدل على أن هناك صنفان من أقلام التوثيق، الصنف الأول: أقلام التوثيق العادية وأن الاختصاص المكاني لهذا الصنف متقيد بحدود الاختصاص المكاني للمحكمة، والصنف الثاني: أقلام التوثيق النوعية المتخصصة بتوثيق نوع معين من المحررات: وهذا الصنف يتم تحديد اختصاصها النوعي والمكاني بموجب قرار إنشائها الذي يصدره وزير العدل.
بيد أنه لا يترتب على توثيق المحرر في قلم التوثيق غير المختص مكانياً إبطال المحرر أو إبطال التوثيق ذاته وفقدان المحرر صفته الرسمية، لأن تقسيم أقلام التوثيق على مناطق جغرافية محددة أمر تنظيمي علاوة على أن التوثيق ليس ركناً أو شرطاً في العقد الذي يتم توثيقه، فضلاً عن أنه لا ينبغي تحميل صاحب المحرر جزاء المخالفة التي وقعت من قلم التوثيق، الذي كان ينبغي عليه إرشاد أطراف المحرر إلى قلم التوثيق المختص، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 9-2-2014م، في الطعن رقم (53913)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (أما ما يخص المستند غير المؤرخ الذي شوهد أصله من قبل المحكمة بتاريخ.... الصادر من فلان فإنه لا يقوى على مناهضة مستند التنازل الصادر من فلان نفسه المؤرخ .... للمتنازل إليه .....، لأن هذا المحرر، لأن محكمة .... قد صادقت على ذلك المحرر)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: تعريف توثيق المحرر:
ضمن تعاريف المصطلحات القانونية الواردة في قانون التوثيق فقد عرف قانون التوثيق في المادة (٢) التوثيق بأن: (التوثيق: تقييد وتدوين الموثق للمحررات في السجلات المعدة لها بعد التصديق عليها واستيفاء الرسوم المقررة وإثبات تاريخ ورقم القيد على المحرر وختمه بخاتم قلم التوثيق وفقاً لأحكام هذا القانون واللائحة).
ومن خلال استقراء التعريف القانوني للتوثيق المذكور في النص السابق يظهر أن معنى توثيق العقد أو التصرف أن المختص في قلم التوثيق أو القنصلية يقوم عند تقديم المحرر إليه بغرض توثيقه يقوم الموثق بالتوثق أو التحقق من رضا وأهلية أطراف المحرر وصفاتهم وشخصياتهم ومدى توفر أركان وشروط العقد أو التصرف ثم يقوم الموثق بقيد التصرف أو المحرر في السجل الخاص بالتوثيق الذي تعده وزارة العدل ثم يقوم الموثق بالتوقيع على المحرر وختمه بختم قلم التوثيق ثم يقوم بحفظ نسخة من المحرر الذي تم توثيقه.
وتعريف القانون للتوثيق حسبما ورد النص السابق حصر التوثيق في الكتابة فقط، باعتبار الكتابة من أهم وسائل توثيق وإثبات التصرفات، ومن المعروف في اللغة العربية أن من معاني التوثيق الكتابة.
فالتعريف القانوني السابق قاصر، لأن أعمال التوثيق المقررة في القانون غير محصورة في كتابة وقيد التصرف في السجلات وحفظ نسخ منها، فأساس عملية التوثيق هو التوثق والتحقق من شخصية وصفة وأهلية المتصرف ومدى تحقق الأركان والشروط الشرعية والقانونية للتصرف قبل كتابته أو قيده في السجلات، فالغرض من التوثيق هو التوثق والتثبت من تلك المسائل قبل قيد التصرف، وقد أغفل التعريف السابق للتوثيق ذلك، وهذا ما يعيبه.
الوجه الثاني: إجراءات التوثيق والمصادقة على المحررات من قبل قلم التوثيق:
بينت المادة (٥) من قانون التوثيق بينت إجراءات التوثيق والمصادقة على المحررات، فقد نصت هذه المادة على أن: (يتولى قلم التوثيق ممارسة المهام والاختصاصات الآتية:
أ - تلقي المحررات العرفية والتصديق على توقيع ذوي العلاقة فيها وتوثيقها.
ب - تحرير وتوثيق المحررات التي توجبها التشريعات النافذة أو يطلب ذوو العلاقة توثيقها.
ج - استيفاء الرسوم المقررة قانوناً على كل محرر حرره أو وثقه.
د - حفظ سجلات ودفاتر تحرير العقود المحررة أو الموثقة من قبله وصور الأوراق التي تثبت صفة ذوي العلاقة.
ه - حفظ صور المحررات التي تم توثيقها.
و - إعداد فهارس للمحررات التي تم توثيقها.
ز - إثبات المحررات العرفية وتأريخها في السجلات المعدة لها.
ح - إثبات المحررات الرسمية في السجلات المعدة لذلك.
ط - إعطاء الشهادات بحصول التصديق على التوقيعات من واقع السجلات.
ي - التأشير على الدفاتر التجارية.
ك - تحرير الاحتجاجات بإثبات الامتناع من قبول أو وفاء الأوراق التجارية.
ل - تحرير وتوثيق صكوك الوصية.
م - أية مهام واختصاصات منصوص عليها في هذا القانون واللائحة).
ويعمل ضمن قلم التوثيق مجموعة من الموثقين يقوموا بأعمال التوثيق والمصادقة المشار إليها في النص السابق، وقد عرف القانون الموثق بأنه: (الموثق: الموظف الذي يتولى في حدود مهامه واختصاصاته القيام بأعمال التوثيق المبينة في هذا القانون والقوانين الأخرى النافذة واللائحة).
ووفقاً للقانون فإن هناك إجراءات يتحتم على الموثق القيام بها قبل قيد التصرف في السجلات، وقد بينت ذلك المادة (٩) من قانون التوثيق التي نصت على أنه: (مع مراعاة قانون الوقف يجب على الموثق عند ممارسة مهامه الالتزام بما يلي:
-١- التحقق من شخصية ذوي العلاقة وأهليتهم ورضاهم وأن يذكر ذلك في الوثيقة مع ذكر الاسم الكامل لكل منهم ومهنته وعمره والشهود وتدوين التاريخ والمبالغ بالأرقام والحروف الكاملة وتحدد اللائحة طريقة التحقق من هوية ذوي العلاقة وأهليتهم ورضاهم.
-٢- عدم توثيق أي محرر في التصرفات العقارية إلا بعد التأكد من ملكية المتصرف للعقار بأن يكون مسجلاً في السجل العقاري في المناطق التي يوجد بها مكاتب للسجل العقاري ما لم فأقلام التوثيق بالمحاكم هي المختصة.
-٣- عدم تحرير أو توثيق أي محرر يخالف الشريعة الإسلامية والقوانين النافذة.
-٤- التأكد من ذوي العلاقة عن موضوع المحرر الذي يرغبون توثيقه وقراءته عليهم مع ذكر ذلك فيه ثم التوقيع عليه مع ذوي العلاقة والشهود.)
ومن خلال استقراء النص السابق يظهر المعنى الآخر للتوثيق وهو التثبت والتحقق من صحة التصرف وتوفر أركانه وشروطه وعدم مخالفته لأحكام الشريعة والقانون والتحقق من صفة وأهلية المتصرف قبل قيد التصرف في السجلات.
الوجه الثالث: الفرق بين توثيق المحررات والمصادقة عليها:
سبق أن ذكرنا أن قانون التوثيق عرف مصطلح (التوثيق) وذلك في المادة (٢) فذكر القانون أن: التوثيق هو: (التوثيق: تقييد وتدوين الموثق للمحررات في السجلات المعدة لها بعد التصديق عليها واستيفاء الرسوم المقررة وإثبات تاريخ ورقم القيد على المحرر وختمه بخاتم قلم التوثيق وفقاً لأحكام هذا القانون واللائحة). أي أن التوثيق مجرد كتابة وقيد المحرر أو التصرف في السجل المعد لهذا الغرض وختم المحرر بعد توثيقه وحفظ صورة منه.
أما التصديق على المحررات فقد عرفه القانون أيضاً ضمن تعاريف المصطلحات القانونية الواردة في قانون التوثيق فقد عرف قانون التوثيق التصديق على المحررات بأنه: (التصديق: تأشير الموثق على صحة توقيع الأمين في المحررات المحررة من قبله أو على صحة توقيعات ذوي العلاقة في المحررات العرفية وعلى اعترافهم بمضمونها تمهيداً لتوثيقها).
وبحسب ما ورد في التعريف القانوني السابق للتصديق فإن إجراءات التصديق أو المصادقة تقتصر على التأكد من صحة التوقيع أو الختم الموجود في المحرر دون التعرض لمضمون المحرر بخلاف التوثيق الذي يشمل المضمون حسبما سبق بيانه في التعريف الجامع للتوثيق المشار إليه في الوجه الأول.
والتصديق المذكور في النص السابق عبارة عن إجراء تمهيدي سابق لتوثيق المحرر حسبما ورد في النص السابق، بيد أن معنى التصديق المذكور في النص السابق لا يشمل مصادقة وزارة العدل على المحررات المطلوبة استعمالها خارج اليمن المذكورة في المادة (٤٧) من قانون التوثيق التي نصت على أن: (تصادق الوزارة على المحررات الموثقة والأحكام المطلوبة للخارج وتبين اللائحة التنفيذية الأحكام والإجراءات المنظمة لذلك).
فالمصادقة المذكورة في هذا النص تشمل كل المحررات المطلوبة استعمالها خارج اليمن سواء كانت موثقة أم غير موثقة.
الوجه الرابع: نطاق اختصاص قلم التوثيق المكاني والنوعي:
نصت المادة (٣) من قانون التوثيق اليمني على أن: (-أ -تنشأ في نطاق محاكم الاستئناف بأمانة العاصمة ومحافظات الجمهورية مكاتب للتوثيق تتبعها أقلام للتوثيق في نطاق المحاكم الابتدائية وتمارس مهامها واختصاصاتها وفقاً لأحكام هذا القانون واللائحة، ويجوز بقرار من الوزير إنشاء أقلام توثيق متخصصة ويحدد قرار إنشائها اختصاصها النوعي والمكاني. -ب -تحدد اللائحة التقسيمات الإدارية لمكاتب وأقلام التوثيق ومهام واختصاصات تلك التقسيمات.) فسياق هذا النص يدل على أن هناك صنفان من أقلام التوثيق، الصنف الأول: أقلام التوثيق العادية التي يتحدد نطاق اختصاصها المكاني بحدود الاختصاص المكاني للمحكمة، التي يعمل قلم التوثيق في نطاقها، بمعنى أن نطاق اختصاص قلم التوثيق هو ذاته نطاق احتصاص المحكمة.
أما الصنف الثاني فهي: أقلام التوثيق النوعية المتخصصة بتوثيق نوع معين من المحررات: وهذا الصنف من أقلام التوثيق يتم تحديد نطاق اختصاصه النوعي والمكاني بموجب قرار إنشائها الذي يصدره وزير العدل، فهذا الصنف لا يتقيد بحدود الاختصاص المكاني للمحكمة وإنما يتحدد نطاق اختصاصه في قرار وزير العدل المتضمن إنشاء قلم التوثيق هذا.
وتباشر أقلام التوثيق العادية والنوعية إجراءات التوثيق السابق ذكرها ضمن نطاق اختصاصها المكاني والنوعي.
الوجه الخامس: نطاق اختصاص القنصليات اليمنية في التوثيق والمصادقة:
نصت المادة (٤٦) توثيق على أن: (-أ -تتولى قنصليات الجمهورية مهام تحرير وتوثيق المحررات المتعلقة بمواطني الجمهورية في الخارج وفقاً لأحكام هذا القانون ولائحته -ب -تحصل الرسوم وفقاً للإجراءات المحددة في القوانين النافذة.)
ومن خلال استقراء النص القانوني السابق نستنتج أن النص السابق منح القنصليات اليمنية خارج اليمن صلاحيات قلم التوثيق داخل اليمن المقررة في قانون التوثيق.
ومن المعلوم أن قلم التوثيق داخل اليمن يقوم بتحرير وإنشاء كافة العقود والتصرفات، كما يقوم أيضاً بالمصادقة على بعض المحررات تمهيداً لتوثيقها، كما يقوم قلم التوثيق بتوثيق المحررات الجاهزة للتوثيق حسبما سبق بيانه، أي أن قلم التوثيق يجمع بين التحرير والمصادقة والتوثيق للمحررات، ومعنى تحرير أو إنشاء العقود والتصرفات هو كتابتها بعد تحقق الكاتب من توفر أركان وشروط العقد أو التصرف والتحقق من شخصية الشخص الطرف في التصرف، والتحقق من صفته العقدية التي تخوله الحق في إبرام العقد أو التصرف، في حين أن معنى المصادقة هو التحقق من صحة التوقيع والختم على المحرر ثم التأشير على المحرر بما يفيد تمام المصادقة.
أما معنى توثيق العقد أو التصرف فمعناه أن المختص في قلم التوثيق أو القنصلية يقوم بالتوثق أو والتحقق من رضا وأهلية أطراف المحرر وصفاتهم وشخصياتهم ومدى توفر أركان وشروط العقد أو التصرف ثم يقوم المختص بقيد التصرف أو المحرر في السجل الخاص بالتوثيق الذي تعده وزارة العدل ثم يقوم المختص بالتوقيع على المحرر وختمه بختم القنصلية ثم يقوم بحفظ نسخة من المحرر الذي تم توثيقه.
وبما أن قانون التوثيق اليمني قد أناط بالقنصلية اليمنية القيام بمهام قلم التوثيق بالنسبة للمحررات المتعلقة بالمواطنين اليمنيين خارج اليمن، لذلك فإن القنصلية في هذا الشأن تجمع بين تحرير العقد أو التصرف وبين المصادقة على المحررات التي تحتاج إلى ذلك بالإضافة إلى توثيق المحررات.
إذ تتولى القنصلية صياغة أو تحرير أو كتابة العقود والتصرفات المختلفة بعد أن يتحقق الموظف المختص من شخصيات وصفات أطراف المحرر، ويتحقق أيضاً قبل تحرير المحرر من توفر الأركان والشروط الشرعية والقانونية للتصرف المطلوب تحريره، وبعد أن يقوم المختص بالقنصلية بتحرير المحررات (وهذا هو إنشاء المحرر أو تحرير المحرر)، وبعد إنشاء المحرر تقوم الإدارة المختصة بالقنصلية (أي موظف آخر غير الذي قام بكتابة المحرر) يقوم هذا الموظف كرة أخرى بالتحقق من صفات وشخصيات أطراف المحرر، وبعد ذلك يتم وضع ختم القنصلية ثم يقوم المختص بقيد التصرف أو المحرر في السجل الخاص بالتوثيق الذي تعده وزارة العدل ثم يقوم المختص بالتوقيع على المحرر وختمه بختم القنصلية ثم يقوم بحفظ نسخة من المحرر الذي تم توثيقه، (وهذه العملية هي عملية توثيق المحرر)، وتتم كتابة المحرر بالورق الرسمي للقنصلية كما يتم ختم المحرر بختم القنصلية، للتدليل على أن المحرر قد تم تحريره وتوثيقه بنظر القنصلية، ووفقاً للنص القانوني السابق فإن ختم القنصلية على المحرر مثل ختم قلم التوثيق، إضافة إلى أن القنصلية تختص بالمصادقة على المحررات التي تحتاج لذلك قبل توثيقها.
ويظهر من سياق المادة (24) توثيق أنه يحق للقنصلية أن تقوم بتحرير وتوثيق كافة العقود والتصرفات التي يحق لقلم التوثيق داخل اليمن القيام بها وذلك بالنسبة للمواطنين اليمنيين في الخارج، ولا تكون القنصلية متقيدة بالمواطنين اليمنيين العاملين أو المقيمين بصفة دائمة في الدولة التي يوجد بها مقر القنصلية بل تختص القنصلية بتحرير وتوثيق المحررات الخاصة بكل يمني يصادف وجوده في تلك الدولة كالمسافرين للعلاج أو السياحة بل حتى لو كان عمله في دولة أخرى أو في نطاق قنصلية أخرى.
وفي حالات كثيرة يتم إبرام عقود وتصرفات خارج اليمن بين يمني وغير يمني، وفي هذا الشأن فإن المادة (46) من قانون التوثيق اليمني قد نصت على أن: (-1- تتولى قنصليات الجمهورية مهام تحرير وتوثيق المحررات المتعلقة بمواطني الجمهورية في الخارج وفقاً لأحكام هذا القانون ولائحته –ب- تحصيل الرسوم وفقاً للإجراءات المحددة في القوانين النافذة).
ومن استقراء هذا النص القانوني يظهر أن عبارة: (مهام تحرير وتوثيق المحررات المتعلقة بمواطني الجمهورية في الخارج) يظهر أن هذه العبارة عامة تشمل كل المحررات التي يتم تحريرها خارج اليمن طالما أنها تعلقت بمواطن يمني، لأن التصرف أو العقد الذي أحد طرفيه يمني والآخر أجنبي يتعلق بيمني خارج اليمن، وبناءً على ذلك يجوز للقنصلية أن تحرر أو توثق المحرر الذي يكون أحد طرفيه يمني. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التوثيق والأمناء الشرعيين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2023م، ص93).
الوجه السادس: حجية المحرر بعد المصادقة عليه وتوثيقه:
نصت المادة (٣١) توثيق على أن: (تكون للمحررات الموثقة من قبل الموثق حجية المحررات الرسمية ما لم يثبت تزويرها أو بطلانها بالطرق القانونية، أما المحررات الناقلة للملكية العقارية والرهن العقاري فلا تكتسب هذه الحجية إلا بين طرفيها فقط، أما حجيتها أمام الكافة فلا تكون إلا بعد تسجيلها في السجل العقاري) فبعد توثيق المحرر لدى قسم التوثيق يصير المحرر رسمياً حسبما صرح النص السابق، وعلى هذا الأساس فإن التوثيق يكسب المحرر الصفة الرسمية، فبعد توثيقه يصير محرراً رسمياً له حجيته المطلقة المقررة في قانون الإثبات للمحرر الرسمي، فالمحرر قبل توثيقه يكون محرراً عرفياً حتى وإن كان تحريره قد تم من قبل الأمين المختص، فتكون له في هذه الحالة حجية المحرر العرفي الذي تكون حجيته قاصرة على أطراف التصرف دون غيرهم – أما بعد توثيق المحرر فإنه يصير محرراً رسمياً له حجيته المطلقة وفقاً لما هو مقرر في قانون الإثبات.
أما التصديق أو المصادق فقد سبق أن ذكرنا أن هناك نوعين من المصادقة هما:
النوع الأول: تصديق قلم التوثيق أو القنصلية على بعض المحررات قبل توثيقها، وهذه المحررات قبل تمام توثيقها لا تكتسب حجية المحرر الرسمي، وفقاً للمادة (٢) توثيق التي نصت على أن: (التصديق: تأشير الموثق على صحة توقيع الأمين في المحررات المحررة من قبله أو على صحة توقيعات ذوي العلاقة في المحررات العرفية وعلى اعترافهم بمضمونها تمهيداً لتوثيقها).
النوع الثاني: مصادقة وزارة العدل على المحررات المراد استعمالها خارج اليمن: وهذه المصادقة تجعل المحررات رسمية، لأن هذه المصادقة تكون على محررات سبق توثيقها أو على أحكام قضائية حسبما ورد في المادة (٤٧) من قانون التوثيق التي نصت على أن: (تصادق الوزارة على المحررات الموثقة والأحكام المطلوبة للخارج وتبين اللائحة التنفيذية الأحكام والإجراءات المنظمة لذلك). (مهارات الصياغة القانونية – مهارات صياغة العقود والمحررت، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٤م، ص٦٢).
الوجه السابع: توثيق المحرر في قلم توثيق غير مختص مكانياً:
قضى الحكم محل تعليقنا بأن توثيق المحرر لدى قلم التوثيق غير المختص مكانياً لا يهدر الحجية الثبوتية لتوثيق المحرر في هذه الحالة طالما أن الموثق قد قام بقيد وتسجيل التصرف في السجلات الرسمية بعد أن تحقق وتثبت من صفات وشخصيات أطراف المحرر، وتأكد من صحة التصرف وسلامته وتوفر أركانه وشروطه وموافقته للقانون، لأن التوثيق عبارة عن إجراء هدفه وغرضه التحقق من صحة التصرف وقيده في السجل الخاص وحفظ نسخة منه، وقد تم ذلك أصلاً لدى قلم التوثيق غير المختص حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا، غير أنه لا ينبغي توثيق المحررات في غير أقلام التوثيق المختصة مكانياً لما يترتب على ذلك من أخطاء في عملية التوثيق في غير أقلام التوثيق المختصة لعدم توفر البيانات والمعلومات عن محل التصرف كونه يقع في نطاق قلم توثيق آخر خاصة إذا كان المحرر المراد توثيقه يتناول عقاراً.
فقد أشار الحكم محل تعليقنا إلى أنه لا يترتب على توثيق المحرر في قلم التوثيق الذي لا يقع العقار أو لا يقيم الشخص ضمن نطاق اختصاصه المكاني لا يترتب على ذلك إبطال المحرر أو إبطال التوثيق ذاته، لأن تقسيم أقلام التوثيق على مناطق جغرافية محددة أمر تنظيمي علاوة على أن التوثيق ليس ركناً أو شرطاً في العقد الذي يتم توثيقه، فضلاً عن أنه لا ينبغي تحميل صاحب المحرر جزاء المخالفة التي وقعت من قلم التوثيق، الذي كان ينبغي عليه إرشاد أطراف المحرر إلى قلم التوثيق المختص.
علماً أن الالتزام بالاختصاص المكاني لأقلام التوثيق له أهمية قصوى في تحقيق الأهداف المتوخاة من توثيق المحررات ومن أبرزها استقرار التصرفات والمعاملات، لأن كل قلم توثيق تتوفر لديه البيانات والمعلومات اللازمة في النطاق المكاني له فعند توثيق المحرر في غير قلم التوثيق المختص لا تتحقق الأغراض والأهداف المتوقعة من التوثيق بل أن ذلك يجعل عملية التوثيق عشوائية. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التوثيق والأمناء الشرعيين، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٦٥)، والله أعلم.