العامل والشريك بالعمل والشريك المضارب

العامل والشريك بالعمل والشريك المضارب

يكون المضارب في عقد المضاربة مستقلًا في عمله ونشاطه عن صاحب رأس المال الذي سلم إليه رأس المال للمتاجرة والمضاربة بقصد الربح، فالمضارب لا يكون تابعًا لصاحب رأس المال فلا يخضع المضارب في نشاطه لإدارة صاحب رأس المال أو توجيهاته، بخلاف العامل الذي يكون في عمله خاضعًا لإشراف وتوجيه صاحب العمل الذي يعمل لديه، كما أن المضارب يحصل على النسبة الشائعة من الربح المتفق عليها مسبقًا مع صاحب رأس المال.

أما العامل فإنه يعمل لدى صاحب العمل تحت إشرافه وينفذ توجيهاته، يتقاضى نظير عمله أجرًا ثابتًا، في حين أن الشريك بالعمل في شركات أخرى غير المضاربة يكون شريكًا في كل الحقوق والواجبات المترتبة على عقد الشراكة بقدر مساهمته أو حصته في الشركة إضافة إلى أنه لا يكون تابعًا لأي من الشركاء الآخرين.

وبناء على ما سبق فإذا ثبت أن الشخص الذي يدير الشركة ليس شريكًا فيها أو مضاربًا فإنه يستحق أجوره المتفق عليها بصفته عاملًا حتى لو لم تحقق الشركة ربحًا أو أفلست الشركة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٦/٣/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٣٩٥٦)، فقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم: (فـقول الطاعن بأن حكم التحكيم قضى للمطعون ضده مقابل جهده وعمله بمبلغ يفوق رأس مال الشركة بضعفين، فالدائرة تجد أن قول الطاعن تعوزه الدقة، لأنه بالرجوع إلى حيثيات حكم التحكيم يتبين أن المبلغ المحكوم به للمطعون ضده يمثل تعويضًا للمطعون ضده عن جهده وعمله وعن وكالة ....، وليس كما ذكر الطاعن خاصة أن الطاعن ذكر في طعنه أنه لم يعد للشركة ولا للوكالة وجود)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: التعريف بالمضاربة والشراكة:


المضاربة أو القراض أو المقارضة في الفقه الإسلامي هي عقد شركة في الربح بين طرفين؛ يقدم أحدهما المال (رب المال) ويقدم الطرف الآخر الجهد والعمل وهو العامل أو (المضارب)، على أن يكون الربح بينهما بنسبة مئوية شائعة متفق عليها (كالنصف أو الربع)، وتقع الخسارة المالية على صاحب المال وحده ما لم يكن هناك تفريط أو تعدٍ من المضارب، وتسمى المضاربة "قراضًا" عند أهل الحجاز و"مضاربة" عند أهل العراق.

عقد المضاربة عند الفقهاء هو أن يدفع شخصٌ مبلغًا من المال لآخر ليتجر فيه، والربح مشترك بينهما على حسب ما يتفقان - أي يكون المال من شخص والعمل من شخص آخر.

وقد عرف المعيار الشرعي رقم (13) عرف المضاربة بأنها: المضاربة شركة في الربح بمال من جانب (رب المال) وعمل من جانب آخر (المضارب).

وتنعقد المضاربة بلفظ المضاربة والقراض والمعاملة، ويشترط في طرفي المضاربة أهلية التوكيل والتوكل. فلا تنعقد إلا بعاقدين كاملي الأهلية أو من ينوب عنهما بهذه الصفة.

والأصل أن عقد المضاربة غير لازم فيحق لأي من الطرفين فسخه إلا في حالتين لا يثبت فيهما حق الفسخ:

(أ) إذا شرع المضارب في العمل، فتصبح المضاربة لازمة إلى حين التنضيض الحقيقي أو الحكمي.

(ب) إذا اتفق الطرفان على تأقيت المضاربة، فلا يحق إنهاؤها قبل ذلك الوقت إلا باتفاق الطرفين.

والمضاربة من عقود الأمانات، فالمضارب أمين على ما في يده من مال المضاربة إلا إذا خالف شروط عقد الأمانة فتعدى على مال المضاربة، أو قصّر في إدارة أموال المضاربة، أو خالف شروط عقد المضاربة، فإذا فعل واحدًا أو أكثر من ذلك فقد أصبح ضامنًا لرأس المال.

أما الشراكة فهي اتفاق أو عقد إنشاء علاقة تعاون تجاري بين شخصين، أو أكثر (أفرادًا أو كيانات أو شركات)، يلتزم بموجبه الأطراف الشركاء بالعمل المشترك لتحقيق هدف معين أو مشروع يستهدف الربح، من خلال المساهمة بحصص مالية، أو عينية، أو بالجهد والعمل، مع تقاسم الأرباح والخسائر وفقًا لترتيب أو نسبة متفق عليها، والشركة في القانون اليمني تتكون من شخصين أو أكثر (أو كيانات اعتبارية) ويجب أن تتخذ الشركة الشكل القانوني للشركات المقرر في قانون الشركات مثل الشركة المحدودة أو التضامنية أو المساهمة وتستمر الشركة لفترة من الزمن ويجوز الاتفاق على بقاء الشريك في الشركة لفترة من الزمن.

ويقوم الشركاء في الشركة بتقديم حصص من رأس المال، أو الممتلكات، أو الخبرات، أو العمل، ويتقاسم الشركاء الأرباح ويتحملوا الخسائر بقدر حصة كل شريك.

وفي هذا الشأن يظهر أن هناك أوجه شبه كثيرة بين الشركة والمضاربة المنظمة إذا كانت تقوم بالمضاربة شركة أو مؤسسة أو مصرف إسلامي، بيد أنه في الغالب تكون الشركة نظامية وفقًا لقانون الشركات كما أنها تستمر لفترة من الزمن وأنها تخضع في إنشائها وتصفيتها للإجراءات المقررة في قانون الشركات، وأن الشريك يستلم أرباحه في نهاية كل سنة بقدر حصصه في الشركة أما المضاربة فلا يتقاضي المضارب الربح إلا عند انتهاء أو تصفية عملية المضاربة سواء كانت المضاربة منظمة أم غير منظمة فردية. (النظرية العامة للمصرفية الإسلامية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٦م، ص٣٢٢).

الوجه الثاني: الشريك بالعمل بالشركة والشريك في المضاربة:


الشريك بالعمل هو الشخص الذي يكون شريكًا في الشركة بموجب اتفاق ينص على أن تقتصر مساهمته في الشركة على العمل في الشركة أو إدارتها أو أنه يساهم بالإضافة إلى عمله بنسبة أو حصة من رأس مال الشركة، فيقدّم الشريك لالعمل مساهمته في الشركة من خلال جهده، خبرته، أو عمله الفني أو الإداري بدلًا من تقديم حصة نقدية أو عينية كما قد يقدم عملًا ومالًا معًا.

ويستحق الشريك بالعمل نصيبًا من أرباح الشركة يحدده عقد التأسيس أو اتفاق الشركاء بناءً على تقدير قيمة عمله وجهده مقارنة ببقية الحصص، وبالإضافة إلى ذلك فإنه قد يستحق أجرًا أو راتبًا نظير عمله كإدارة الشركة إذا كان عمل الشريك يتضمن إدارة الشركة بشكل فعلي، فله الحق في تقاضي أجر أو راتب مقابل الإدارة بحسب ما يتم يتم الاتفاق عليه، وذلك بالإضافة إلى نصيبه من الأرباح، وكذا يتمتع الشريك بالعمل بكافة الحقوق التي يتمتع بها الشركاء الآخرون في الشركة.

ويكون الشريك العامل مالكًا لحقوق الملكية الفكرية الشخصية كالأفكار أو الابتكارات الشخصية أو الاختراعات التي توصل إليها بجهده الخاص (ما لم تكن هي صلب عمل الشركة المتفق عليه) تظل من حقوقه الملكية الفكرية الخاصة.

ويجب على الشريك بالعمل تقديم العمل الذي التزم به وتعهد به بنفسه، وعليه تقديم كشف أو حساب عما كسبه من مزاولة هذا العمل لصالح الشركة.

وتكون الأرباح أو الإيرادات المباشرة الناتجة عن أداء الشريك بالعمل لعمله تكون حقًا للشركة وليست له وحده (إلا ما خولته له اتفاقات الأرباح المحددة).

الوجه الثالث: الشريك بالعمل بالشركة العامل في الشركة والمضارب:


سبق القول أن المضارب يكون غالبًا مستقلًا في عمله ونشاطه عن صاحب رأس المال وأن المضارب لا يكون تابعًا لصاحب رأس المال بخلاف العامل الذي يكون في عمله خاضعًا لإشراف وتوجيه صاحب العمل الذي يعمل لديه كما العامل يتقاضى نظير عمله أجرًا ثابتًا، في حين أن الشريك بالعمل يكون شريكًا في كل الحقوق والواجبات المترتبة على عقد الشراكة بقدر مساهمته أو حصته في الشركة وأنه لا يكون تابعًا لأي من الشركاء الآخرين.

فالشريك بالعمل (Partner by Work) هو مالك جزئي لحصة في الشركة بحسب ما هو محدد في عقد تأسيس الشركة ونظامها الأساسي، وتعد حصته في رأس مال الشركة مقدَّمة في شكل "عمل" أو "خدمات" يقوم بها بدلًا من المال النقدي، ولذلك فإنه يمتلك نصيبًا في أرباح الشركة بقدر نصيبه أو بحسب ما هو محدد عقد التأسيس، وقد يستحق أجرًا إضافيًا إذا كان يقوم بأعمال إدارة إضافية تتجاوز مجرد كونه شريكًا.

ويتحمل الشريك بالعمل مخاطر الشركة وخسائرها بنسبة حصته ووفقًا لنوع الشركة (تضامن أو مسؤولية محدودة)، كما أن له الحق في المشاركة بالرأي، أو الإدارة، أو الاطلاع على سير العمل والقرارات الاستراتيجية حسب عقد التأسيس.

والأهم من هذا وذاك أن الشريك بالعمل لا يعمل تحت سلطة رب عمل، بل هو طرف أصيل ومؤسس/شريك في الكيان القانوني للشركة.

أما العامل في الشركة (Employee / Worker) فهو أجير مرتبط بعقد عمل (فردي) يخضع لقوانين العمل والعمال المحلية، ويعمل تحت إشراف وتوجيه صاحب العمل الذي تعاقد معه بموجب عقد عمل.

ولذلك فإن العامل لا يمتلك أية حصة في أموال الشركة ولا في أصولها، ولا يستحق أرباحًا (إلا إذا كان هناك نظام حوافز أو بونص مرتبط بالإنتاج)، كما أن العامل لا يتحمل خسائر الشركة؛ فحتى لو خسرت الشركة، فهو يتقاضى أجره المتفق عليه بانتظام، وقد كانت هذه المسألة تحديدًا هي محل النقاش في الحكم محل تعليقنا.

بالإضافة إلى أنه ليس للعامل حق الملكية أو الإدارة الاستراتيجية، بل ينفذ المهام الموكلة إليه من الإدارة أو من صاحب العمل.

والأهم من هذا وذاك أن العامل في الشركة يعمل تحت توجيه وإشراف وإدارة المديرين في الشركة بخلاف الشريك بالعمل.

الوجه الرابع: العامل المضارب والشريك في شركة أخرى:


العامل المضارب هو الطرف الذي يقدم جهده وعمله فيقوم بالمتاجرة والاستثمار لرأس المال المقدم من غيره، ويُسمى هذا الطرف رب المال، فلا يقدم العامل المضارب المال وإنما يقدم العمل والإدارة (الجهد والخبرة في التجارة)، ويتحمل صاحب رأس المال وحده الخسارة المالية، ولا يتحمل العامل المضارب أي خسارة مالية، بل تكون خسارته هي ضياع جهده وتعبه، إلا إذا ثبت منه تعدٍ أو تقصير، ولذلك فإن المضارب يختلف عن الشريك في شركات الأخرى غير المضاربة.

وفي المضاربة يتم تقسيم الربح بنسبة مئوية شائعة ومعلومة يتفق عليها الطرفان مسبقًا (مثل النصف أو الثلث)، ويكون المضارب شبيهًا بالوكيل عن صاحب المال في إدارة التجارة.

أما الشريك في الشركات الأخرى غير المضاربة فإنه يساهم مع جميع الشركاء في رأس المال أو قد يقدم المال أو بالعمل معًا، كما أن الشريك في غير المضاربة يشترك مع جميع الشركاء في إدارة الشركة أو في تفويض من يقوم بذلك ولهم جميعًا الحق في اتخاذ القرارات وإدارة المشروع.

وفي غير المضاربة يتم تُوزيع الأرباح بقدر حصة كل شريك أو بحسب ما يتفق عليه الشركاء أما في حالة الخسارة فإن كل شريك يتحمل الخسارة بقدر حصته في رأس المال. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المضاربة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٣٥)، والله أعلم.
العامل والشريك بالعمل والشريك المضارب، مع عقد شراكة وميزان العدالة وكتب القانون وعناصر العمل والاستثمار
تعليقات