تنازل أحد المستأنفين الموقعين في عريضة واحدة
في بعض القضايا تتعدد الطعون في الحكم الواحد بتعدد الخصوم، بمعنى أن كل خصم يقدم عريضة استئناف خاصة به، وقد يفضل هؤلاء أن يقوموا بإعداد عريضة استئناف واحدة تتضمن أسماء المستأنفين وتوقيعاتهم، وأثناء سير إجراءات المحاكمة أمام محكمة الاستئناف، قد تقتضي مصلحة أحد المستأنفين الموقعين في عريضة الاستئناف الواحدة أن يتنازل عن استئنافه، وعندئذ يجب عليه أن يحضر أمام المحكمة في جلسة المحاكمة ويصرح أمام المحكمة أنه قد تنازل عن استئنافه، ويقوم بالتوقيع في محضر جلسة المحاكمة بما يفيد تنازله عن استئنافه، فتقرر المحكمة في المحضر ذاته اعتماد هذا التنازل وشطب اسم المتنازل من الاستئناف، ويحق لمحامي المتنازل أن يقوم بهذا الأمر بالوكالة عن المستأنف المتنازل إذا كان لدى المحامي توكيل خاص بذلك من المتنازل.
ويترتب على تنازل أحد المستأنفين الموقعين على العريضة أن يصير الحكم الابتدائي نهائيًا بالنسبة للمتنازل، بيد أن هذا التنازل لا يؤثر على حقوق بقية المستأنفين الموقعين على العريضة، كما أن ذلك لا يلغي إجراءات المحاكمة السابقة إلا بالنسبة للمتنازل فقط.
فبعد تنازل أحد المستأنفين الموقعين على العريضة تستمر إجراءات الخصومة والمحاكمة بالنسبة للمستأنفين الآخرين الموقعين على العريضة رغم انسحاب المستأنف المتنازل من بينهم، فشطب اسم أحد المستأنفين الموقعين على العريضة لا تنطبق عليه أحكام شطب الاستئناف المقررة في القانون، وإنما تنطبق عليه أحكام التنازل عن الخصومة المقررة في قانون المرافعات، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 30-1-2014م، في الطعن رقم (53912)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وقد نعى الطاعن في السبب الثاني على الحكم الاستئنافي المطعون فيه أن الشعبة شطبت اسم المستأنف من عريضة الاستئناف استنادًا منها إلى ما أفاد به محامي المستأنف بموجب الوكالة المحررة له من المستأنف، حيث أفاد المحامي أمام الشعبة أن موكله لم يتقدم بعريضة الاستئناف وأنه كان قد قبل الحكم الابتدائي، وإنما الذي قام بإدراج اسم الطاعن في عريضة الاستئناف هم بقية المستأنفين، وقال الطاعن إن المحامي قد ذكر ذلك أمام الشعبة من غير أن يكون لديه توكيل من المستأنف – وأوضح الطاعن أن التنازل عن الاستئناف أو الخصومة يجب أن يتم من قبل الخصم نفسه أو عبر وكيل مفوض بتفويض خاص وفقًا للمادة (١٢٠) مرافعات، والدائرة تجد أن هذا النعي غير منتج، لأن المحامي قد ذكر أمام محكمة أول درجة بأنه محامي عن الطاعن وأن لديه وكالة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول:
الفرق بين شطب الاستئناف وشطب اسم أحد المستأنفين الموقعين على عريضة الاستئناف:
شطب اسم أحد المستأنفين الموقعين على عريضة الاستئناف كما ورد في الحكم محل تعليقنا هو عبارة عن تنازل أحد المستأنفين الذي يحضر بشخصه أو عن طريق وكيله الخاص يحضر أمام المحكمة في جلسة المحاكمة ويصرح أمام المحكمة أنه قد تنازل عن استئنافه، ويقوم بالتوقيع في محضر جلسة المحاكمة بما يفيد تنازله عن الاستئناف، فتقرر المحكمة في المحضر ذاته اعتماد هذا التنازل وشطب اسم المتنازل من الاستئناف وبقاء الإجراءات بالنسبة للمستأنفين الآخرين الموقعين على عريضة الاستئناف.
أما شطب الاستئناف فإنه يتم تطبيقًا للمادة (289) مرافعات التي قررت تطبيق أحكام استبعاد الدعوى وشطبها وسقوطها على الاستئناف، وأحكام استبعاد الدعوى وشطبها وسقوطها منصوص عليه في المواد (112 و 113 و 114) مرافعات التي تقرر استبعاد الدعوى من جدول الجلسات، وإذا لم يطلب أحد الخصوم السير فيها خلال المدة المقررة فإنه يتم شطبها.
وبناءً على ذلك إذا حضر المستأنف جلسات الاستئناف ثم انقطع عن الحضور فيتم استبعاد الاستئناف من جدول الجلسات، وبعد ذلك تنطبق عليه أحكام شطب وسقوط الدعوى إذا انقضت المدة المقررة في القانون.
وعلى هذا الأساس فإن شطب اسم أحد المستأنفين الموقعين على عريضة الاستئناف يختلف عن شطب الاستئناف.
الوجه الثاني:
التنازل عن الاستئناف وشطب اسم أحد المستأنفين الموقعين على العريضة:
يترتب على تقديم الاستئناف والرد عليه انعقاد الخصومة فيما بين المستأنف والمستأنف ضده، ومن المعلوم أن الطعن في الأحكام ومن ذلك الاستئناف حق للطاعن وليس واجبًا عليه، ولذلك يحق للمستأنفين جميعًا الموقعين على العريضة أو أحدهم أن يتنازل عن استئناف في أي وقت إلى وقت صدور الحكم.
وقد سبق القول إن المقصود بشطب اسم أحد المستأنفين الموقعين على عريضة الاستئناف هو عبارة تنازل أحد المستأنفين الموقعين على عريضة الاستئناف عن استئنافه، وذلك حينما يكون مجموعة من المستأنفين قد قدموا استئنافهم في عريضة واحدة.
وبناءً على ذلك فإن التنازل عن الاستئناف قد يكون من جميع المستأنفين الموقعين على عريضة الاستئناف كما قد يقع التنازل من أحدهم، وهو المقصود بشطب اسم أحد المستأنفين في الحكم محل تعليقنا.
وبصفة عامة فإن التنازل عن الاستئناف: تصرف قانوني يفصح فيه المستأنف أنه قد قبل الحكم المطعون فيه أو تنازل عن استئنافه وأنه لم يعد يرغب في موالاة إجراءات نظر استئنافه.
ولأن التنازل من التصرفات المضرة محضًا، فيجب أن تتوفر في المتنازل الأهلية القانونية اللازمة للتنازل، كما يشترط قبول المستأنف ضده بالتنازل إذا تعلقت الخصومة الاستئنافية بحق للمستأنف ضده، بيد أنه لا تشترط موافقة المستأنف ضده على التنازل إذا كان المستأنف ضده قد دفع أو طلب قبول الاستئناف. (الوسيط في قانون القضاء المدني، د. فتحي والي، ص254).
وقد حددت المادة (210) مرافعات طرق وإجراءات التنازل عن الخصومة ومنها الخصومة الاستئنافية، فقد نصت هذه المادة على أنه: (يجوز للمدعي التنازل عن الخصومة في أية حالة تكون عليها الخصومة بإحدى الطرق الآتية: -1- أن يعلن خصمه بالتنازل قبل الجلسة المحددة طبقًا لما هو مبين في باب الإعلان -2- أن يقرر ذلك في الجلسة في مواجهة خصمه ويثبت ذلك في محضرها -3- أن يبديه في بيانٍ صريح في مذكرة موقعة منه أو من وكيله المأذون له بذلك ويطلع خصمه عليه، ولا يجوز التنازل عن الخصومة إذا تعلق بها حق للمدعى عليه إلا بموافقته، ولا يلتفت إلى اعتراضه إذا كان قد قدم دفعًا بعدم الاختصاص أو بالإحالة أو ببطلان صحيفة الدعوى أو أي طلب يكون القصد منه منع المحكمة من سماع الدعوى أو السير في الخصومة)، ويسري هذا النص على الخصومة أمام محكمة الاستئناف عملًا بما ورد في نهاية المادة (٢٨٩) مرافعات التي نصت على أنه: (فيما لم يقض به القانون بنص خاص يتبع في شأن خصومة الاستئناف القواعد المتعلقة بما هو مقرر أمام محكمة الدرجة الأولى).
الوجه الثالث:
آثار التنازل الفردي أو الجماعي عن الاستئناف:
نصت المادة (٢١٣) مرافعات على أن: (التنازل عن الاستئناف يجعل الحكم الابتدائي نهائيًا والتنازل عن الحكم يعتبر تنازلًا عن الحق الثابت فيه).
فهذا النص يصرح بأن الأثر المباشر المترتب على التنازل عن الاستئناف هو صيرورة الحكم الابتدائي نهائيًا قابلًا للتنفيذ، بالإضافة إلى أنه يترتب على التنازل عن الاستئناف إلغاء جميع إجراءات الخصومة الاستئنافية السابقة عملًا بالمادة (211) مرافعات التي نصت على أنه: (يترتب على التنازل إلغاء جميع إجراءات الخصومة بما في ذلك إجراء رفع الدعوى ويستثنى من ذلك أثر مرور الزمن على سماعها، ويحكم على المتنازل بالنفقات وبالتعويضات اللازمة للمدعى عليه إذا طلبها، وإذا تنازل الخصم عن أية ورقة من أوراق المرافعات أو إجراء من إجراءات الخصومة اعتبرت الورقة أو الإجراء كأن لم يكن).
ومن المعروف أن هذا النص يسري على الخصومة أمام محكمة الاستئناف عملًا بما ورد في نهاية المادة (٢٨٩) مرافعات التي نصت على أنه: (فيما لم يقض به القانون بنص خاص يتبع في شأن خصومة الاستئناف القواعد المتعلقة بما هو مقرر أمام محكمة الدرجة الأولى).
وإلغاء جميع إجراءات الخصومة الاستئنافية السابقة لا يثير إشكالية إذا كان التنازل عن الاستئناف قد صدر من جميع الموقعين على عريضة الاستئناف، في حين يختلف الأمر إذا صدر التنازل عن الاستئناف من أحد الموقعين على العريضة، فمن غير المقبول القول بإلغاء جميع الإجراءات السابقة بالنسبة للموقعين الآخرين على العريضة الذين لم يتنازلوا عن استئنافهم، وحتى يتحاشى الحكم محل تعليقنا هذا الأمر فقد استعمل مصطلح (شطب اسم أحد المستأنفين) في حين يستعمل بعض الباحثين مصطلح (انسحاب أحد المستأنفين)، ووفقًا لأحكام التنازل عن الخصومة المنصوص عليها في قانون المرافعات فإن التسمية المناسبة هي تنازل أحد المستأنفين الموقعين على عريضة الاستئناف. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالاستئناف الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة ٢٠٢٦م صنعاء، ص٦٠)، والله أعلم.