قاعدة من كان القول قوله فلخصمه اليمين

قاعدة من كان القول قوله فلخصمه اليمين

قاعدة «من كان القول قوله فلخصمه اليمين» هي قاعدة فقهية، معناها أنه عندما يرد نص شرعي أو قانوني يقرر أن القول المقبول عند الخلاف لأحد الأطراف فإن للطرف الآخر أن يطلب اليمين من الطرف الذي القول قوله للتوكيد على صحة قوله وكي يطمئن الخصم والقاضي إلى صحة قول القائل.

وقد أخذ القانون اليمني بهذه القاعدة وطبقها القضاء اليمني في أحكام عدة، منها الحكم محل تعليقنا وهو الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٠/٤/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٣٩٥٥)، فقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم: (فقول الطاعن مردود بما ورد في أسباب حكم محكمة الموضوع التي ذكرت أنها قد وجهت اليمين المتممة إلى المطعون ضده على أساس قاعدة من كان القول قوله فاليمين يمينه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: معنى قاعدة من كان القول قوله فلخصمه اليمين:


قاعدة «من كان القول قوله فلخصمه اليمين» هي قاعدة فقهية أخذ بها القانون اليمني وطبقها القضاء اليمني في أحكام عدة منها الحكم محل تعليقنا، ويطبقها القضاء اليمني في أحكامه سيما في المعاملات المالية، والودائع، والديون، والمواريث، وتعد هذه القاعدة امتداداً لقاعدة «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر».

ومعنى قاعدة «من كان القول قوله فلخصمه اليمين» أنه عندما يرد نص شرعي أو قانوني يقرر أن القول المقبول عند الخلاف لأحد الأطراف فإن للطرف الآخر أن يطلب اليمين من الطرف الذي القول قوله للتوكيد على صحة قوله وكي يطمئن الخصم والقاضي إلى صحة قول القائل.

فمن تقرّر شرعاً أو قانوناً أن القول قوله (لأنه منكر، أو لأن الظاهر معه، أو كونه أميناً) لا يُقبل كلامه مجرّداً فحسب في مواجهة خصمه، بل يُضمّ إلى قوله اليمينُ الشرعية لقطع النزاع وتأكيد صدق دعواه، عملاً بالأصل القضائي: «اليمين على من أنكر» أو «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»، فمن وافق قوله الأصل أو الظاهر، قُبل قوله بيمينه إذا لم تكن هناك بينة، ويكون لخصم الشخص الذي القول قوله يكون لخصمه الحق في توجيه اليمين إلى من كان القول قوله.

فمثلاً يقرر الشرع والقانون أن القول قول الأمين كالمضارب والمستودع والمغارس والمزارع والوصي والمنصوب والمنكر لدعوى لا بيّنة عليها، ففي هذه الأحوال وأمثالها يُقبل قول الأمين أو من كلامه ظاهراً ويُرجّح جانبه لعدم وجود دليل يثبت العكس، بيد أن لخصمه اليمين: لأننا قبلنا قول الأمين من غير أن تكون هناك بيّنة قاطعة أو دليل على صحة قوله اكتفاءً بالجانب الراجح، لذلك فإن للطرف الآخر أي خصم الأمين الحق في طلب اليمين الشرعية من الأمين فيحلف بالله ويعزز صدق كلامه ويقطع النزاع.

فإذا اختلف طرفان في أمر لا يمكن لأحدهما إقامة دليل (بينة) عليه، فإن الشرع والقانون يرجح قبول قول الأمين أو المنكر وغيرهما (لأنه أقرب إلى الظاهر أو الأصل)، ومع ذلك فإن هذا الترجيح لا يُعطى للطرف الأول بلا ثمن، بل يُشرع للطرف الآخر (الخصم) أن يطلب منه اليمين الشرعية تأكيداً لصدقه واستظهاراً للحق.

الوجه الثاني: الأصل الشرعي لقاعدة من كان القول قوله فلخصمه اليمين:


أصل هذه القاعدة هو الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لو أُعطي الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه».

فالأصل براءة الذمة وعدم استحقاق الغير للأموال، فمن يدعي خلاف الظاهر أو الأصل مثل أن من يطالب بحق عليه إحضار البينة (الشهود أو الأدلة)، فإذا عجز المدعي عن الإتيان بالبينة، فإن القول في هذه الحالة وأمثالها قول المنكر أو الأمين، فعندئذ يجوز للخصم أن يطلب من الأمين أو المنكر اليمين للتأكيد على صحة قوله أو موقفه.

فاليمين تُشرع في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه، لتقوية قوله، وحسم النزاع، وإبراء الذمة، ولأن اليمين يشرع في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه، تقوية لقوله، وتحقيقاً للعدل فإنه لخصم من كان القول قوله أن يطلب يمين من كان القول قوله، فهذه القاعدة تعتمد على فكرة موازنة الحجج بين الطرف الأقوى في الدعوى وهو من كان القول قوله وبين خصمه، فالطرف الأقوى: يُقبل قوله لأنه يوافق الأصلَ (كالأصل براءة الذمة، أو الأصل عدم الاستدانة، أو قول الأمين كالوكيل والوصي فيما عُهد إليه) ولغرض التوازن فإن يحق للخصم طلب يمين الطرف الأقوى، لأن قوله قُبِل بظاهر الحال أو بالقرائن دون دليل قاطع، ولذلك شرع الإسلام للخصم الآخر (المدعي أو من أنكر عليه) أن يحلفه اليمين الشرعية ليقطع الشك ويحمي الحقوق.

الوجه الثالث: مسميات قاعدة من كان القول قوله فلخصمه اليمين:


وردت هذه في المصنفات الفقهية والتطبيقات القضائية بمسميات عدة، بيد أن معناها واحد، فالتسمية الغالبة لهذه القاعدة هي تسميتها بـ: من كان القول قوله فلخصمه اليمين، حسبما هو ظاهر في مصنفات الفقهاء، ولذلك اخترنا هذه التسمية عنواناً لهذا التعليق.

وقد وردت هذه القاعدة في كتاب المغني لابن قدامة باسم: (كل من كان القول قوله فلخصمه عليه اليمين) وشرح ابن قدامة ذلك بقوله مثل أن يقول الأمين: عندي ألف. ثم يقول هي عندي: وديعة. أو قال: علي. ثم قال: وديعة. أو قال: له عندي رهن. فقال المالك: وديعة. ومثل الشريك والمضارب والمنكر للدعوى، فإذا اختلفا في قيمة الرهن أو قدره، أو قدر الدين الذي الرهن به، وأشباه هذا، فكل من قلنا: القول قوله فعليه لخصمه اليمين. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لو أعطي الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه}. رواه مسلم.

كما وردت هذه القاعدة باسم «من كان القول قوله فلخصمه عليه اليمين»، وكذا وردت هذه القاعدة عند بعض الفقهاء باسم: «كلّ مدّع يسمع قوله فعليه اليمين».

وكذا وردت هذه القاعدة بصيغة: (من كان القول قوله يؤخذ بيمينه) وكذا وردت القاعدة بصيغة: الأصل أن القول قول الأمين بيمينه، وكذا صيغة: القول قول من يدعي الأصل أو من يدعي عدم التغيير.

فإذا اختلف المتشاجران أو المتبايعان ولم يكن مع أحدهما بينة، يُعطى الحق لمن يقوي جانبه الأصل، ويُطلب اليمين من الطرف الآخر.

وفي حال ادّعى الأمين تلفَ المال الذي في يده، فالقول قوله بيمينه، ولصاحب المال تحليفه.

الوجه الرابع: تطبيقات قاعدة من كان القول قوله فلخصمه اليمين في الفقه الإسلامي:


وردت في كتب الفقه الإسلامي تطبيقات كثيرة لهذه القاعدة الجليلة القدر، من أهم هذه التطبيقات ما يأتي:

١- إنكار الاستدانة: فإذا ادعى شخص على آخر أن له في ذمته مالاً، وأنكر المدعى عليه، فإن القول قول المنكر بيمينه؛ لأن الأصل براءة الذمة.

٢- مقدار الدين أو ردّه: فإذا اختلف الطرفان في قدر الدين (ادعى أحدهم أن الألف مئتان وأنكر المدرب) أو ادعى المدعى عليه أنه سدّد الدين وأنكر المدعي القبض، فالقول قول المدعى عليه بيمينه.

٣- الهبة والرهن والبيع: فإذا أقر شخص أنه وهب أو رهن أو قبض ثمن مبيع ثم أنكر ذلك وطالب بتحليف الخصم، تُبنى المسألة على الخلاف الفقهي في تصديقه بيمينه.

٤- الوديعة والدين: فلو ادعى شخص على آخر قائلاً: «عندك لي ألف ريالا قرضاً»، وأنكر المدعى عليه ذلك وقال: «بل هي وديعة تلفت بلا تفريط»، فالقول قول الوديع المدعى عليه: (لأنه أمين)، ولكن للمدعي الحق في تحليف الوديع أو الأمين اليمينِ على أنها ليست قرضاً مضموناً، وكذا إنكار الوديعة أو التلف: فلو أودع شخصٌ عند آخر مالاً، فادّعى المودع عنده أنه تلف أو رُدّ، وقُبل قوله (لأنه أمين)، فإن لصاحب المال (الخصم) أن يحلفه اليمين على ذلك.

٥- الوكيل والوصي المضارب: فالأصل أن القول قول الأمين بيمينه فيما كلف به، فإذا ادعى صاحب المال عليه تفريطاً أو مخالفة للأوامر، فعلى المدعي (صاحب المال) الإثبات، فإن عجز المدعي فله أن يطلب من الأمين أن يحلف اليمين فتبرأ ذمته.

٦- الاختلاف بين الدافع والقابض: فإذا دفع شخصٌ مالاً لآخر، واختلفا؛ فقال الدافع: «هو قرض»، وقال القابض: «هو هدية»، فعند من يرى أن القول قول المعطي بيمينه، يحق للخصم (القابض أو العكس حسب التفصيل) تحليفه.

٧- دعوى عدم العلم بالشيء (كالشُفعة): إذا ادّعى الشفيع أنه لم يعلم بالبيع إلا متأخراً، وقيل: القول قوله، فإن للمشتري (الخصم) تحليفه على عدم علمه.

٨- دعاوى الطلاق والعدة: فيُقبل قول الزوجة بيمينها فيما يتعلق بحالتها النسائية (مثل انقضاء العدة، أو الحيض، أو الطهر) لأنها تنفرد بمعرفتها ولا يطلع عليها غيرها.

الوجه الخامس: تطبيقات قاعدة من كان القول قوله فلخصمه اليمين في القانون اليمني:


قاعدة «من كان القول قوله فلخصمه اليمين» هي قاعدة فقهية وقانونية مستمدة من الشريعة الإسلامية وقد أخذ بها القانون اليمني، وتم تطبيقها في نصوص القانون المدني وقانون الإثبات اليمني في المنازعات التي يرجّح فيها جانب أحد الخصوم لقوله (مع اعتباره ظاهر الصدق أو في مواضع يُقبل فيها قوله بيمينه)، فيشرع للخصم الآخر طلب تحليفه لقطع النزاع.

وأبرز تطبيقات القاعدة في القانون اليمني في قضايا الشفعة (إثبات العلم بالشراء):

فقد نصت المادة (1269/فقرة 9) من القانون المدني اليمني على أن: (والقول قول الشفيع إذا ادعى عدم حصول الظن وللمشتري تحليفع على ذلك). فإذا ادعى الشفيع أنه لم يعلم بالشراء إلا في تاريخ متأخر، فإن القول قوله بيمينه، ويجوز للمشتري طلب تحليفه اليمين لنفي صدق ادعائه أو إثبات علمه السابق.

وكذا فإن القانون يطبق هذه القاعدة على صعيد المعاملات المالية والودائع والأمانات، وذلك عند الاختلاف بشأن ردّ الأمانة أو الوديعة أو مقدار الدين عند عدم وجود بينة، فيُرجّح قول من يدعي عدم الاستلام أو الرد بيمينه، ويحق للخصم طلب اليمين منه.

وكذا يطبق القانون هذه القاعدة في دعاوى العقود والالتزامات عند إنكار التنفيذ فعندما ينكر أحد الطرفين واقعة منسوبة إليه في إطار تعاقدي ويترجح جانبه، يحق

الوجه السادس: الفرق بين اليمين في هذه القاعدة واليمين المتممة:


اليمين المقررة في قاعدة من كان القول قوله فلخصمه اليمين تختلف عن اليمين المتممة من جهتين:

الأولى: اليمين المقررة في هذه القاعدة حق للخصم وليس للقاضي حسبما هو مقرر في القاعدة، ويلجأ الخصم إليها عند انعدام البينة، فللخصم عند انعدام البينة أن يطلبها محتكماً إلى ضمير المدعى عليه ممن القول قوله، فيحسم المدعي النزاع بطلبه، فيكون أثرها كاليمين الحاسمة، فإذا حلفها صاحب القول بطلت دعوى الخصم، وإذا نكل عنها صاحب الحق صحت دعوى الخصم الذي طلبها، ولا يجوز للخصم طالب اليمين أن يطعن في الحكم المبني على هذه اليمين.

أما اليمين المتممة فإن القاضي يقوم من تلقاء نفسه بتوجيهها إلى المدعي الذي لديه بينة ناقصة لإتمامها.

وعلى هذا الأساس فإن اليمين المتممة تختلف عن اليمين المقررة في هذه القاعدة (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اليمين، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص١٥٣)، والله أعلم.
قاعدة من كان القول قوله فلخصمه اليمين، مع كتب الفقه الإسلامي والقانون اليمني وميزان العدالة والمطرقة القضائية ووثيقة اليمين
تعليقات