خطورة التوسع في تكييف الصلح وتفسيره
نصت المادة (668) من القانون المدني اليمني على أن: (الصلح: عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة يحسم به الطرفان نزاعاً قائماً أو يتوقيا به نزاعاً محتملاً بأن يتنازل كلٍ منهما عن جزء من ادعائه)، فالصلح في الشريعة والقانون عقد خطير لأنه يتضمن التنازل والإسقاط لبعض الحقوق، ولذلك فإنه لا يجوز التوسع في تفسير عقد الصلح وتكييفه عملاً بالمادة (678) من القانون المدني التي نصت على أنه: (يجب أن تفسر عبارات التنازل التي يتضمنها الصلح تفسيراً محدداً وأن لا تنصب إلا على الحقوق التي كانت بصفة جلية محلاً للنزاع الذي حسمه الصلح)، كما أنه لا ينبغي التوسع في إثبات عقد الصلح، لأن القانون قد اشترط إثباته ببينة شرعية، حسبما هو مقرر في المادة (679) من القانون ذاته التي نصت على أن: (يثبت الصلح عند الإنكار ببينة شرعية).
وعلى هذا الأساس فإنه ينبغي على محكمة الموضوع التحقق من وجود عقد الصلح والتحقق من توفر أركانه وشرائطه الشرعية، فإذا تم إبراز مستند بخط الغير للاستدلال به على وجود الصلح فإنه ينبغي على محكمة الموضوع التأكد من نسبة صيغة الصلح إلى الأطراف الخصوم في القضية، لأن الصلح عقد لا ينعقد إلا إذا كانت صيغة الصلح قد صدرت من الطرفين المتصالحين، فإذا لم تكن الصيغة كذلك فإن ما ورد في المستند يكون عبارة عن مقترح للصلح أو حكم إذا كان هناك اتفاق تحكيم وتوفرت شروط الحكم في المستند المقدم أمام محكمة الموضوع، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٠/٢/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٣٩٥٤)، فقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم: (فلم يكن الحكم المطعون فيه موفقاً في تكييفه لتوقيع الطاعن بأنه صلح، لأن المادة (٦٦٨) مدني قد عرفت الصلح بأنه: (الصلح: عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة يحسم به الطرفان نزاعاً قائماً أو يتوقيا به نزاعاً محتملاً بأن يتنازل كلٍ منهما عن جزء من ادعائه)، وهذا التعريف لا ينطبق على توقيع الطاعن على حكم التحكيم)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: أركان عقد الصلح وشروطه في القانون المدني اليمني:
عقد الصلح هو عقد يتوافق بمقتضاه طرفا النزاع على حسم النزاع القائم بينهما أو توقيه بالتراضي، ونزول كل منهما عن جزء من ادعائه، وفي هذا المعنى نصت المادة (668) من القانون المدني على أن: (الصلح: عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة يحسم به الطرفان نزاعاً قائماً أو يتوقيا به نزاعاً محتملاً بأن يتنازل كلٍ منهما عن جزء من ادعائه).
ومن خلال مطالعة النص السابق تظهر أركان وشروط عقد الصلح، وخلاصتها مبينة كما يأتي:
تختلف أركان عقد الصلح باختلاف المدارس الفقهية والقوانين:
فقد نصت المادة (146) مدني يمني على أن: (أركان العقد ثلاثة هي:--١-التراضي.-٢-طرفا العقد.-٣-المعقود عليه (محل العقد).
ووفقاً للمادة (146) من القانون المدني اليمني، فإن العقد بصفة عامة بما في ذلك عقد الصلح يتكون من ثلاثة أركان أساسية:
الركن الأول: التراضي وهو: تعبير كل من طرفي العقد عن إرادته، وتطابق الإرادتين (باللفظ، أو الكتابة، أو الإشارة المفهمة والمتداولة عرفاً، أو باتخاذ موقف لا يدع مجالاً للشك).
الركن الثاني: طرفا العقد: ويشترط فيهما الأهلية المعتبرة لإبرام الصلح.
الركن الثالث: المعقود عليه (محل العقد): الشيء أو العمل الذي يلتزم به أحد الطرفين أو كلاهما، ومحل في عقد الصلح هو الشيء محل الخلاف وبدل أو الشيء المتصالح عليه.
ويذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان عقد الصلح أربعة أركان:
الركن الأول: الصيغة: وهي (الإيجاب والقبول الدالان على التراضي)، ويشترط فيهما صدور إيجاب وقبول واضحين ومتطابقين (سواء باللفظ أو بالكتابة أو بما يدل على الرضا).
الركن الثاني: العاقدان: (المتصالحان)، ويشترط فيهما الأهلية: بأن يكون كل منهما بالغاً عاقلاً كامل الأهلية للتصرف، وأن يكون لكل منهما أهلية التبرع/التصرف بأن ألا يكون صبياً أو مجنوناً، فلا يصح من مجنون أو صبي أو ولي يتيم، أو ناظر وقف إلا إذا كانت هناك مصلحة ظاهرة (كأخذ بعض الدين خوفاً من ضياعه) فيشترط فيمن يتصلح نيابة عن غيره (كالوليّ أو الوصي) ألا يكون في الصلح ضرر ظاهر على المولى عليه، وأن يعود بمصلحة واضحة، كما يشترط أن لا يشوب إرادة المتصالحين أي عيب من عيوب الإرادة كالإكراه أو الغلط.
الركن الثالث: المُصالَح عنه: (محل النزاع أو الحق المتنازع عليه).
الركن الثالث: المُصالَح عليه (بدل الصلح): (المال أو المنفعة التي يتم التصالح عليها).
ويشترط في الركن الثالث والرابع وهما محل عقد الصلح (المصالَح عنه والمصالَح عليه)، يشترط فيهما -١- أن يكون النزاع حقيقياً أو محتملاً وقابلاً للصلح.-٢- ألا يرد الصلح على حقوق الله الخالصة (كإسقاط الحدود أو الواجبات الشرعية البحتة).-٣-أن يكون بدل الصلح مالاً متقوماً ومعلوماً ومقدوراً على تسليمه.-٤-ألا يُحلّل الصلح حراماً أو يُحرّم حلالاً، كما يشترط في محل عقد الصلح أن يكون ممكناً ومشروعاً.
أما الحنفية: فقد ذهبوا إلى أن للصلح له ركن واحد فقط هو الصيغة (الإيجاب والقبول). (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٠م، ص٦٩).
الوجه الثاني: صيغة عقد الصلح وأهميتها:
في الوجه السابق ذكرنا أن صيغة في عقد الصلح هي أهم ركن من أركان الصلح سواء عند الجمهور أو عند الحنفية، لأن الإيجاب الشرعي في عقد الصلح أو في غيره يتضمن كافة الأركان والشروط الأخرى، فالإيجاب في عقد الصلح كما يتصوره فقهاؤنا العظام هو الإيجاب الذي يجعل المتعاقد الآخر على معرفة ودراية بكافة بيانات وتفاصيل العقد حتى يقبل الإيجاب القابل عن بينة تنفي الجهالة بأي ركن من أركان العقد الأخرى وشروطها.
ويتحقق الإيجاب الشرعي في عقد الصلح بأن يقول أحد المتعاقدين المتصالحين للآخر: أنا فلان...... البالغ العاقل الراشد المأذون لي شرعاً بالتصرف وبصفتي المالك أو الولي أو الوصي أو الوكيل صالحتك على الخلاف القائم بشأن كذا.. ويذكر تفاصيل محل الخلاف صالحتك على كذا ويذكر تفاصيل بدل الصلح، فيرد عليه المصالح الآخر بالقبول بكل ما ورد في الإيجاب، لأنه يشترط أن يكون القبول مطابقاً للإيجاب.
ولذلك يذهب الحنفية إلى أن صيغة الصلح وهي (الإيجاب والقبول) هي الركن الوحيد لعقد الصلح، ويرون أن الأركان الأخرى (كالعاقدين والمحل) يرد ذكرهما والتراضي، عليهما ضمن صيغة العقد، فإفراد العاقدين والمحل كركنبن منفصلين لا لزوم له، فذلك تحصيل حاصل، في حين يذهب جمهور الفقهاء إلى أن لعقد الصلح أركان عدة منها الصيغة حسبما سبق بيانه.
وركن الصيغة في عقد الصلح هو المظهر الخارجي للتعبير عن إرادة الطرفين ورضاهما بإنهاء النزاع وعقد الصلح لحسم النزاع، ويتكون ركن الصيغة من الإيجاب والقبول.
والإيجاب: هو اللفظ أو الكتابة أو ما يقوم مقامَهُا الصادر من أحد الطرفين المتصالحين، ويتضمن الإيجاب إبداء الرغبة في الصلح (مثل أن يقول: "صالحتك عن كذا بكذا" أو "تنازلت لك عن حقي مقابل كذا").
أما القبول فهو اللفظ الصادر من المتصالح الآخر وموافقته على الإيجاب (مثل أن يقول: "قبلت"، "رضيت"، أو أي عبارة تفيد الرضا الصريح).
في حال كان الصلح يتضمن إسقاطاً محضاً للحق دون معاوضة، فيرى الحنفية أنه ينعقد بالإيجاب فقط دون الحاجة إلى قبول لفظي صريح.
ويشترط في صيغة عقد الصلح أن تصدر عن إرادة حرة بعيدة عن الإكراه أو الغلط، وكذا يشترط أن يتطابق القبول مع الإيجاب تماماً في محل النزاع والبدل، وكذا يشترط في الصيغة أن تكون الألفاظ دالة بوضوح على إنهاء النزاع بالتراضي بين الخصوم.
أما القانون المدني اليمني (رقم 14 لسنة 2002)، فإنه لا يشترط التقيد بصيغة جامدة وموحدة لكل العقود بما فيها الصلح، بل العبرة في القانون اليمني بما يدل على التراضي بين الطرفين، وفي هذا الشأن نصت المادة (138) من القانون المدني اليمني على أن: (العقد إيجاب من أحد المتعاقدين يتعلق به قبول من الآخر أو ما يدل عليهما على وجه يترتب أثره في المعقود عليه (المحل) ويترتب على العقد التزام كل من المتعاقدين بما وجب به للآخر ولا يشترط التقيد بصيغة معينة بل المعتبر ما يدل على التراضي).
وبناء ما تقدم فإذا تم التصالح وتحققت أركان وشروط عقد الصلح السابق ذكرها فقد انعقد الصلح ورتب آثاره عملاً بالمادة (677) مدني التي نصت على أن: (يحسم الصلح المنازعات التي تناولها ويترتب عليه انقضاء الحقوق والادعاءات التي تنازل عنها أي من الطرفين).
الوجه الثالث: طابع الرضائية وإسقاط الحقوق في عقد الصلح:
من المؤكد وفقاً لأحكام الفقه الإسلامي ونصوص القانون سيما المادة (668) السابق ذكرها أن الصلح عقد رضائي حسبما سبق بيانه، ومن المقرر في فقه الشريعة الإسلامية ونصوص القانون المدني أن الرضاء شرط من أهم الشروط المعتبرة في صيغة العقد بصفة عامة، وصيغة العقد هي: الإيجاب والقبول، فيجب أن يكون الإيجاب والقبول صادرين بناء على رضاء وقبول وموافقة الخصوم المتصالحين أو المتعاقدين.
ومن جانب آخر فإن الصلح عقد يتضمن إسقاط الخصوم المتصالحين لبعض حقوقهم وتنازلهم عن بعض طلباتهم، حسبما ورد في المادة (668) السابق ذكرها، ولذلك لا يجوز لناظر الوقف أو ناظر أموال الدولة أو ولي القاصر أو وصيه إبرام الصلح عمن ينوب عنه، لأن الصلح يتضمن الإسقاط أو التنازل عن الحقوق والطلبات إلا إذا كان في ذلك مصلحة للوقف أو الدولة أو القاصر.
وعلى هذا الأساس فإن للصلح طبيعة خاصة تستلزم النظر إليها بعين الاعتبار عند تكييف الصلح أو تفسيره أو إثباته لخطورة الآثار المترتبة عليه.
الوجه الرابع: تكييف عقد الصلح وتفسيره:
عقد الصلح عقد رضائي عماده الرضا كما أنه يتضمن معنى الإسقاط والتنازل ولذلك تشدد الفقه والقانون في تحقق الرضا في عقد الصلح.
وعلى هذا الأساس فإنه ينبغي على محكمة الموضوع التحقق من وجود عقد الصلح والتحقق من توفر أركانه وشرائطه الشرعية السابق ذكرها، فإذا تم إبراز مستند بخط الغير للاستدلال به على وجود الصلح فإنه ينبغي على محكمة الموضوع التأكد من نسبة صيغة الصلح إلى الأطراف الخصوم في القضية، لأن الصلح لا ينعقد إلا إذا كانت صيغة الصلح صادرة من الطرفين المتصالحين، فإذا لم تكن الصيغة كذلك فإن ما ورد في المستند يكون عبارة عن مقترح للصلح أو حكم إذا كان هناك اتفاق تحكيم وتوفرت شروط الحكم في المستند المقدم أمام محكمة الموضوع، حسبما أشار الحكم محل تعليقنا.
كما ألمح الحكم محل تعليقنا إلى خطورة التوسع في تكييف عقد الصلح وتفسيره، لأن الصلح يتضمن التنازل عن الحقوق وإسقاطها، فالتوسع في تفسير وتكييف عقد الصلح يؤدي إلى إسقاط الحقوق بغير مقتضى، كما أن التوسع في تفسير عقد الصلح يخالف الشرع والقانون، وفي هذا المعنى نصت المادة (678) مدني يمني على أنه: (يجب أن تفسر عبارات التنازل التي يتضمنها الصلح تفسيراً محدداً وأن لا تنصب إلا على الحقوق التي كانت بصفة جلية محلاً للنزاع الذي حسمه الصلح).
الوجه الخامس: إثبات عقد الصلح:
كان جانب من النقاش في الحكم محل تعليقنا يتناول إثبات عقد الصلح، وفي هذا الشأن نصت المادة (679) مدني يمني على أن: (يثبت الصلح عند الإنكار ببينة شرعية).
والمقصود بالبينة الشرعية التي يثبت بها عقد الصلح المقصود بها طرق الإثبات المقررة في قانون الإثبات كالإقرار والشهادة والكتابة، ولا شك أن الكتابة أفضل لأنها تضبط كافة المسائل التي تناولها عقد الصلح، فتمنع تجدد الخلاف بين المتصالحين، وقد ألمح الحكم محل تعليقنا أيضاً إلى عدم جواز التوسع في إثبات عقد الصلح. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الصلح، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، صـ223)، والله أعلم.