إغفال الحكم مناقشة بعض المستندات

إغفال الحكم مناقشة بعض المستندات

توسع الخصوم في العصر الحاضر في الاستدلال بالمستندات أمام القضاء سواء بغرض إثبات الحقوق والالتزامات أو نفيها، وبناء على ذلك فقد صارت المستندات من أهم أوجه دفاع الخصوم، ولذلك ذهب أستاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفاء إلى أن الصحيح هو تسمية الخصوم عند النزاع للوثائق بالمستندات، لأنهم يستندوا ويعتمدوا عليها في الاستدلال على صحة طلباتهم أو نفيها.

وبناءً على ذلك يجب على محكمة الموضوع أن تناقش مستندات الخصوم الجوهرية أو المؤثرة في وجهة الحكم، وذلك ضمن أسباب حكمها الفاصل في النزاع، فإن لم تفعل فإن حكمها يكون مشوبًا بقصور في التسبيب مما يترتب عليه بطلان الحكم، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢/٣/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٣٩٥٧)، فقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم: (فقد وجدت الدائرة أن نعي الطاعن في محله، لأن الطاعن كان قد أرفق المستندين ضمن مستندات أخرى، وذلك في حافظة مستندات أمام محكمة أول درجة، وبما أن الطاعن كان قد قام باستئناف الحكم الابتدائي الذي أغفل مناقشة المستندين خلافًا للمادة (٢٣١) مرافعات، فقد كان من اللازم على الشعبة مناقشة المستندين في حكمها، لأن الاستئناف يعيد طرح النزاع أمام محكمة الاستئناف وفقًا للمادة (٢٨٨) مرافعات، مما يستوجب نقض الحكم وإعادة القضية إلى الشعبة لاستجواب الطرفين بشأن المستندين المشار إليهما ومناقشتهما، والفصل في القضية من جديد طبقًا للقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: المستندات تتضمن أوجه دفاع الخصوم:


من المسلم به في الوقت الحاضر أن المستندات قد صارت أهم وسيلة من وسائل الإثبات سيما في القضايا المدنية والتجارية بعد أن توسع التوثيق والتسجيل للعقود والتصرفات والإقرارات عن طريق استعمال وسائل ووسائط التقنية الحديثة، فصارت الكتابة هي الوسيلة الموثوق بها في إثبات الحقوق والالتزامات كما أنها أيضًا أهم وسيلة لنفي الادعاءات والمطالبات.

وعلى هذا الأساس فإن الخصوم قد توسعوا في العصر الحاضر في الاستدلال بالمستندات أمام القضاء سواء بغرض إثبات الحقوق والالتزامات أو نفيها، وبناء على ذلك فقد صارت المستندات من أهم أوجه دفاع الخصوم، ولذلك ذهب أستاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفاء إلى أن الصحيح هو تسمية الخصوم للوثائق المقدمة للمحكمة التي تنظر النزاع تسميتها بالمستندات، لأن الخصوم يستندوا إلى تلك المستندات في الاستدلال على صحة طلباتهم أو نفيها، ولذلك يجب على محكمة الموضوع أن تناقش المستندات الجوهرية ضمن أسباب حكمها الفاصل في النزاع. (الإثبات في المواد المدنية والتجارية، لأستاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفاء، الدار الجامعية القاهرة ٢٠٠٧م، ص١٣٨).

الوجه الثاني: المستندات أدلة صامتة وطرق استنطاقها:


مع أهمية المستندات في الإثبات إلا أنها أدلة صامتة حسبما يسميها شراح قانون الإثبات مقابل الأدلة الناطقة كالإقرار الشفهي والشهادة، ولذلك فإن المستندات تحتاج عند الاستدلال بها أو الاستناد إليها تحتاج إلى إجراءات لاستنطاقها كي تكون ناطقة، ويتم ذلك بثلاث طرق: الأولى: ما يسمى بحافظة المستندات التي يقدمها الخصم مبينًا وجه الاستدلال بالمستندات، والثانية: استجواب القاضي للخصوم أثناء المحاكمة لشرح الإجمال أو الغموض في المستندات، والثالثة: مناقشة القاضي للمستند عند تسبيبه للحكم واستناده للمستند فيبين القاضي أسباب استناده إلى المستند أو طرحه.

الوجه الثالث: استنطاق الخصوم للمستندات عن طريق حافظة المستندات:


فيما سبق ذكرنا أن المستندات أدلة صامتة تحتاج إلى استنطاق، ووفقًا للقانون فالخصم الذي يقدم المستند أمام المحكمة بقصد الاستدلال به أو الاستناد إليه فالخصم ملزم باستنطاق المستند عن طريق حافظة المستندات التي ترفق بها المستندات المتضمنة شرح وجه الاستناد إلى المستند وذكر بيانات المستند.

وحافظة المستندات عبارة عن كشف أو جدول يتضمن رقم المستند المرفق وتاريخه ونوعه ووصفه ووجه الاستدلال به وعدد المستندات المرفقة بالحافظة.

ويتم ترتيب المستندات المرفقة بالحافظة بحسب ترتيب الاستدلال المذكور في صفحات العريضة المرفقة بها الحافظة، وكذا يتم ترقيم المستندات في العريضة وفي حافظة المستندات بحسب ترتيب ذكرها في العريضة، أي بحسب ترتيب ورودها في صفحات العريضة، ويكون ترقيم المستندات في الحافظة مطابقًا لأرقامها في العريضة.

ولحافظة المستندات أهميتها البالغة سيما أنها تتضمن وجه استدلال الخصم بالمستند المرفق، لأن عدم قيام الخصم ببيان وجه استدلاله بالمستند يعني أنه ترك هذه المهمة وأوكلها للمحكمة لفهم وجه استدلاله من المستندات المرفقة وأن الخصم قد فوض المحكمة في هذا الأمر، وهذا غير جائز قانونًا.

وتسهل حافظة المستندات على القاضي دراسة المستندات المرفقة كوحدة واحدة وتوفر عليه الوقت والجهد، وتقلل من احتمال الخطأ وتمنع النسيان أو الغفلة عن أحد المستندات المرفقة المذكرة، فالحافظة تساعد المحكمة على تكوين عقيدتها بسهولة وتمنع إغفال المستندات أو عدم الالتفات لها كما أن ما يكتب على وجه الحافظة يعد دفاعًا قائمًا بذاته يجب على المحكمة الرد عليه وإلا كان حكمها قاصرًا إذا كان من شأنه تغيير وجه الرأي في الدعوى، ولهذا فإن عدم كتابة وجه الحافظة بإتقان قد يؤدي إلى ضياع حقوق قائمة.

وفي الصفحة الأولى من الحافظة يتم نسبة الحافظة إلى العريضة المرفقة بها والخصم الذي قدمها عن طريق الكتابة في أعلى الصفحة عبارة (حافظة المستندات المرفقة بعريضة.... المقدمة من... بتاريخ ... أو في جلسة تاريخ....)، للتأكيد على أن الحافظة تابعة للمذكرة المقدمة من الطرف الفلاني حتى لا تختلط أو تشتبه بأخرى أو بمذكرة الخصم، وبعد عنوان الحافظة السابق ذكره يتم إعداد جدول يتكون من ثلاثة أعمدة: يتضمن الجدول سطور بعدد المستندات المرفقة التي يتم تضمينها في الجدول، ويتم تخصيص العمود الأول: لأرقام المستندات متسلسلة (مرفق رقم 1 مرفق رقم 2... الخ بحسب عدد المرفقات)، والعمود الثاني يتم تخصيصه لبيان أوصاف المحرر أو المستند (صورة بصيرة / صورة عقد / محضر... إلخ)، بالإضافة إلى الأوصاف الأخرى للمستند وذلك بصورة مختصرة للتعريف بالمستند وتمييزه عن غيره مثل تاريخ المستند وعدد صفحاته، والعمود الثالث: يتم تخصيصه لبيان وجه الاستدلال بالمستند، وهذا هو أهم عمود في حافظة المستندات، لأنه يجعل الدليل الصامت وهو المستند يجعله دليلًا متكلمًا، فربما أن المستند يدل على أمور متعددة ولكن مقدم الحافظة يريد الاستدلال بأحدها أو ببعضها وليس كلها، وفي نهاية حافظة المستندات أو الجدول يتم ذكر اسم الخصم الذي قدم الحافظة وتوقيعه عليها، للتدليل على نسبة الحافظة إلى الخصم الذي قدمها وإذا كانت الحافظة مكونة من عدة صفحات فيجب التوقيع على صفحاتها كلها، ويجب إغلاق الحافظة بعد تقديمها حتى لا يتم استبدال أو إدخال أوراق عليها وفي نهايتها يكتب طويت هذه الحافظة على عدد كذا مستند وعدد كذا ورقة ثم يوقع المحامي ويكتب اسمه وصفته ويستحسن تصوير الحافظة وحفظها إلكترونيًا أو ميكروفيلميًا لضمان عدم العبث بها.

وفي حالة تعدد الحوافظ المقدمة من الخصم فيجب ترقيم كل حافظة برقم خاص بها مثل حافظة رقم واحد حافظة رقم اثنين وهكذا، بحسب تاريخ تقديم كل حافظة حتى يعرف القاضي أن هناك أكثر من حافظة مقدمة من الخصم نفسه.

وهناك إجراءات لمنع التلاعب وحماية الحافظة والمستندات، ومن ذلك ترقيم صفحات كل مستند وترقيم صفحات الحافظة تسلسليًا من البداية للنهاية بحيث لا يمكن إدخال أو حذف صفحات دون تغيير الأرقام، وكذا تثبيت المستندات داخل الحافظة بطريقة تمنع نزعها بسهولة مثل وضع كل مستند داخل غلاف شفاف ثم دبسه بالحافظة أو تثبيته بدباسة محكمة ثم وضع شريط شفاف على طرف الدباسة وتوقيع المحامي على الشريط بحيث يغطي طرف الشريط والورقة معًا، وكذا تصوير رقمي لكل صفحة مع ختم زمني أو حفظ نسخة إلكترونية مؤرخة على بريد محمي أو سحابة رسمية مع حفظ نسخة احتياطية ميكروفيلمية أو تصوير مختوم لدى كتاب المحاكم أو لدى جهة موثوقة، بالإضافة إلى إرفاق قائمة مفصلة برقم كل مستند وعدد صفحاته بحيث يسهل كشف أي تعديل بالمطابقة بين القائمة والأصول والتواقيع.

وفي اليمن يجب أن لا يصح وضع أصول المستندات في الحافظة وإنما يفضل وضع صور مطابقتها أثناء جلسة المحاكمة، وفي حالة المستندات الحساسة أو الأصول فيتم الاحتفاظ بالأصل لدى الخصم صاحبه وصورة مطابقة مؤمنة لدى المحامي ونسخة مقدمة للمحكمة ضمن الحافظة ونسخة إلكترونية مرقمة ومؤرخة ويُثبّت ذلك في توقيع الحافظة بختم وتاريخ لتمييز النسخ.

بيد أنه إذا كانت المستندات المرفقة قليلة جدًا فلا يلزم أن يتم إرفاقها بحافظة مستندات، إذ يغني عن الحافظة الإشارة إلى رقمها ونوعها ووجه الاستدلال بها من متن العريضة ذاتها، والإشارة إلى أنها مرفقة بالعريضة بأرقامها المذكورة في العريضة، أما إذا كانت المستندات المرفقة كثيرة فيلزم إعداد حافظة مستندات لها. ومن عيوب حافظة المستندات أنها تعزل مستندات الخصم عن العريضة التي قدمها ففي حالات كثيرة يصعب على القاضي الربط بين الوقائع المذكورة في العريضة والمستندات المرفقة بالحافظة، فالقاضي يدرس العريضة إلى أن يكملها ثم يدرس الحافظة والمستندات المرفقة بها، ولذلك فقد ظهرت مدرسة بين المحامين في الشام ومصر والعراق تقوم بتضمين صور المستندات المستدل بها في متن العريضة ذاتها، وذلك في مواضع الاستدلال بها في العريضة حتى يدرس القاضي الواقعة مع المستندات الدالة عليها في وقت واحد بدلا من إحالة القاضي إلى المستنات المرفقة بالحافظة، ففي هذه الطريقة يتم تصوير المستندات في متن العريضة عن طريق الاستفادة من التقنيات الحديثة في مجال تصوير واستنساخ المستندات، وقد بدأ بعض الرواد من المحامين اليمنيين باستعمال هذه الطريقة وأنا شخصيًا أحبذ هذه الطريقة، ولمعالجة حالة المطابقة لصور المستندات المصوّرة في متن العريضة ذاتها عند اتباع هذه الطريقة الحديثة، فإنه يشار في العريضة ذاتها بأن تلك الصور قد تمت مطابقتها حسبما هو مبين في المرفقات. (مهارات الصياغة القانونية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص112).

الوجه الرابع: معنى مناقشة المحكمة لمستندات الخصوم المقدمة إليها:


ذكرنا فيما سبق أن المستندات من أهم أوجه دفاع الخصم، ولذلك فإن المحكمة ملزمة بمناقشتها لبيان أسباب الأخذ بها والاستناد إليها أو بيان أسباب طرحها وعدم الأخذ بها، فإن لم تفعل المحكمة ذلك فإن حكمها معيب لإغفاله أوجه دفاع الخصوم.

ومناقشة المحكمة لمستندات الخصوم تعني استفصال الخصوم عن المستندات المقدمة منهم أثناء سير إجراءات المحاكمة بغرض بيان وشرح أوجه الإجمال والغموض والتناقض أو النقص الذي قد يشوب هذه المستندات واستيفاء أوجه النقص والقصور فيها، حتى تتمكن المحكمة من الإحاطة بكافة تفاصيل تلك المستندات وبيان موافقتها أو مخالفتها للنصوص الشرعية والقانونية وبيان سبب أخذ المحكمة بهذه المستندات أو سبب طرحها وعدم الأخذ بها.

وتكتسب هذه المناقشة أهمية بالغة، إذ أن هذه من أهم مقومات الحكم والمحاكمة العادلة، لأن الحكم القضائي عماده الأدلة، وهذه الأدلة يجب أن تكون مفصلة ومبينة تناولها الخصوم والخبراء بالبحث والتدقيق حتى يستطيع القاضي أن يستبين الحقيقة فيكون الحكم عندئذ عنوان الحقيقة، أما إذا لم تخضع المستندات للمناقشة والتدقيق والبحث فإنها عندئذ تكون مجهولة تفضي إلى جهالة الحكم الذي لم يهتد إلى الحقيقة.

الوجه الخامس: المستندات الجوهرية التي تناقشها المحكمة:


المستندات الجوهرية هي: تلك المؤثرة في النزاع، أي تلك المستندات التي يترتب على نظر المحكمة فيها، يتغير عند نظرها ونقاشها وجه الحكم أو الرأي في القضية إذا ما تم عرضها ومناقشتها والرد عليها ضمن أسباب الحكم، فيترتب على نظرها ومناقشتها تغيير الحكم لصالح الخصم الذي قدمها وتمسك بها أو يترتب عليها عدم الحكم لصالح خصمه بالحق كله أو بعضه.

ولذلك يتعين على الخصم حينما يقدم المستندات أن يبين للمحكمة مظاهر جوهريتها وتأثيرها في طلباته أو طلبات خصمه، وكذلك الحال حينما يقوم الخصم بالطعن في الحكم مدعيًا إغفال مستنداته الجوهرية، فعليه حينئذ أن يبين مظاهر الجوهرية.

ويتعين على الخصم بيان أوجه الجوهرية في المستندات ومظاهرها حتى تقدر محكمة الموضوع أو محكمة الطعن مدى تأثير أوجه الدفاع المقدمة من الخصم أو التي يدعي إغفالها رغم جوهريتها وتأثيرها.

الوجه السادس: مقتضيات مناقشة المحكمة لمستندات الخصوم:


تقتضي مناقشة القاضي لمستندات الخصوم في أسباب الحكم أن تكون هذه المستندات قد سبق تمحيصها وتدقيقها وبحثها في أثناء المواجهة بين الخصوم، حيث كانت محل البحث والدراسة بين الخصوم من خلال ردودهم عليها وتقديم أدلتهم المناهضة لها والاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص لمعرفة حقيقتها إذا كانت من المسائل الفنية، فالمناقشة تقتضي أن تكون الأدلة التي تنتصب أمام القاضي قد تم تحقيقها ودراستها في أثناء سير إجراءات المحاكمة وصارت واضحة للقاضي، فإذا لم يتعرض الخصوم لأوجه الإجمال أو الغموض أو التناقض في المستندات فيجب على القاضي أثناء المحاكمة استجواب الخصوم أو المختصين لبيان ذلك.

الوجه السابع: مراحل مناقشة المحكمة لمستندات الخصوم:


مناقشة المحكمة لمستندات الخصوم تتم على مرحلتين:

المرحلة الأولى: وتكون في أثناء جلسات المحاكمة لنظر القضية فإذا قدم خصم من الخصوم مستندًا فعندئذ يجب على القاضي أن يواجه الخصم الآخر بهذا المستند وأن يطلب منه الرد عليه أو تقديم ما يدل على نفيه أو إبطاله، فإذا طعن الخصم في المستند أو ادعى تزويره فإن القاضي يستعين بأهل الخبرة الفنية.

وتتم المناقشة في هذه المرحلة من غير تدخل القاضي الذي يكتفي بدور الموجه الذي يستجوب الخصوم، ويكلف الخصوم والخبراء بتدقيق وتحقيق واستيفاء المستندات المعروضة على المحكمة وبيان حقيقتها وإزالة الإجمال والغموض الذي يحيط بها واستيفاء أوجه النقص والقصور فيها، لأنها بينات سوف يقوم الحكم ويستند عليها عندما يقوم القاضي بتسبيب الحكم على النحو الذي سيرد بيانه في المرحلة الثانية.

المرحلة الثانية: وتتم مناقشة القاضي في هذه المرحلة في أثناء تسبيب الحكم، حيث يجب على القاضي أن يناقش المستندات المقدمة من الخصوم التي يقتنع بها ويستند في حكمه عليها، ففي هذه الحالة يجب على القاضي أن يبين ويذكر سبب الأخذ بهذه المستندات، أما إذا لم يقتنع بأي من المستندات فعندئذ يجب عليه أن يذكر سبب عدم الأخذ بها، ولا يستطيع القاضي مناقشة المستندات في هذه المرحلة إلا إذا كانت المستندات التي يناقشها بينة واضحة مستوفاة، ولا تكون كذلك إلا إذا تمت مناقشتها أثناء سير المحاكمة.

وعند مناقشة القاضي للمستندات في أثناء تسبيبه للحكم يجب أن تتم هذه المناقشة بطريقة مفصلة مستفيضة فلا تقبل المناقشة الإجمالية إلا إذا كانت المستندات متماثلة مثل الفواتير والسندات فلا يلزم مناقشة كل واحدة منها على حدة سيما إذا كانت بالعشرات.

كما ينبغي أن تتم مناقشة المستندات عند تسبيب الحكم في ضوء المناقشة التي تمت في أثناء المحاكمة وهو ما يعبر عنه بأنه يجب أن يكون للمناقشة أصل في الأوراق.

الوجه الثامن: ماهية المستندات التي يجب على الحكم مناقشتها:


المستندات التي يجب على الحكم مناقشتها هي المستندات الجوهرية، وهي المستندات المنتجة وهي تلك التي يترتب عليها تغيير وجه الرأي في الحكم أو التغيير في نتيجة الحكم، مثل العقود والإقرارات والمخالصات والفواتير وسندات القبض وغيرها من المستندات الجوهرية المؤثرة في الحكم.

بيد أنه يجب على المحكمة أن تصرح في أسباب حكمها بسبب عدم مناقشتها لبقية المستندات التي قدرت أنها غير جوهرية أو غير مؤثرة وأن تبين السبب الذي جعلها تقدر أنها غير جوهرية، حتى تراقب هذا التقدير محكمة الطعن.

الوجه التاسع: كيفية مناقشة الحكم لمستندات الخصوم:


سبق القول إن معنى مناقشة القاضي لمستندات الخصوم هو مناقشتها ضمن أسباب الحكم، وتتم المناقشة عن طريق بيان أوجه القوة والضعف في كل مستند من الناحية القانونية والواقعية، بالإضافة إلى المقارنة والترجيح ووزن المستندات ببعضها البعض، ومناقشة كل مستند على حدة ضمن الأدلة الأخرى، وربط هذه المناقشة بالنتيجة التي خلص إليها القاضي في منطوق حكمه.

فإذا قدم أحد الخصوم مستندًا جوهريًا من شأنه تغيير وجه الرأي في الدعوى وتمسك بدلالته، فإن القاضي ملزم بالتعرض له بالبحث والرد؛ فإن لم يفعل القاضي فإنه يكون قد أغفل دفاع الخصم مما يعيب الحكم بالقصور ويعرضه للبطلان أو الطعن.

وتقتصر مناقشة الحكم على المستندات الجوهرية أو المؤثرة، فيذهب الفقه والقضاء إلى أن القاضي غير ملزم بمناقشة الأدلة أو المستندات الفرعية أو غير المؤثرة التي لا يتغير بها وجه الرأي في القضية.

وللمحكمة السلطة التقديرية في تقدير جدية المستندات، ما دام حكمها مبنيًا على أسباب سائغة، بيد أن سلطة تقدير جوهرية المستندات ليست مطلقة، فمحكمة الطعن تراقب ذلك إذا أثار الطاعن وأثبت جوهرية المستند الذي أغفلته محكمة الموضوع.

الوجه العاشر: جزاء عدم مناقشة المحكمة لمستندات الخصوم:


نصت الفقرة (ب) من المادة (٢٣١) من قانون المرافعات اليمني على أن: (-ب- يعتبر عدم مناقشة القاضي لوسائل الدفاع الجوهرية ورده عليها ومخالفة الأسباب للنصوص أو الوقائع قصورًا في التسبيب يجعل الحكم باطلًا).

وبناء على هذا النص فإن جزاء عدم مناقشة الحكم للمستندات الجوهرية هو بطلان الحكم، وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن: (المقرر في قضاء هذه المحكمة أن كل طلب أو وجه دفاع يدلى به لدى محكمة الموضوع ويقدم إليها تقديمًا صحيحًا ويطلب إليها بطريق الجزم أن تفصل فيه ويكون الفصل فيه مما يجوز أن يترتب عليه تغيير وجه الرأي في الدعوى يجب على محكمة الموضوع أن تجيب عليه بأسباب خاصة، وأيًا ما كانت الطريقة التي أبدى بها هذا الدفاع من الخصوم أصحاب الشأن في تقديمه بالشكل الذي يريدونه سواء أبدى شفاهة وثبت بمحضر الجلسة أم حوته مذكرة أو تضمنته وجه حافظة مستندات أو أي ورقة من أوراق الدعوى، ما بقي قائمًا وتحت بصر محكمة الموضوع والخصوم فيعتبر مطروحًا ويتعين عليها أن تنظر في أثره في الدعوى فإن كان منتجًا فعليها أن تقدر مدى جديته حتى إذا ما رأته متسمًا بالجدية مضت إلى فحصه لتقف على أثره في قضائها فإن هي لم تفعل كان حكمها قاصرًا) (الطعن رقم 10029 لسنة 66 قضائية جلسة ١٤/٤/٢٠٠٩م).

كما قضت محكمة النقض المصرية بأن: (المقرر – في قضاء محكمة النقض أن: كل طلب أو وجه دفاع يدلى به لدى محكمة الموضوع ويطلب إليها بطريق الجزم أن تفصل فيه ويكون الفصل فيه مما يجوز أن يترتب عليه تغيير الرأي في الدعوى يجب على محكمة الموضوع أن تجيب عليه بأسباب خاصة وأيًا ما كانت الطريقة التي أبدى بها هذا الدفاع من الخصوم أصحاب الشأن في تقديمه بالشكل الذي يريدونه سواء أبدى شفاهة وثبت بمحضر الجلسة أم حوته مذكرة متضمنة وجه حافظة مستندات أو أي ورقة من أوراق الدعوى ما بقي قائمًا وتحت بصر محكمة الموضوع والخصوم فيعتبر مطروحًا ويتعين عليها أن تنظر في أثره في الدعوى فإن كان منتجًا فعليها أن تقدر مدى جديته حتى إذا ما رأته متسمًا بالجدية مضت إلى فحصه لتقف على أثره في قضائها فإن هي لم تفعل كان حكمها قاصرًا. وقضت بأنه: (متى قدم الخصم إلى محكمة الموضوع مستندات وتمسك بدلالتها. فالتفت الحكم عنها أو اطرح دلالتها المؤثرة في حقوق الخصوم دون أن يبين بمدوناته ما يبرر هذا الإطراح فإنه يكون قاصرًا.) (الطعن رقم ٢٠٩ لسنة ٧٢ ق- دوائر الإيجارات – جلسة 26/1/2003 – مكتب فني – س٥٤ – قاعدة ٤٦ – ص ٢٦١).

وقضت محكمة النقض في حكمها بالطعن رقم 205 لسنة 73 القضائية: (أنه متى قدم الخصم إلى محكمة الموضوع مستند مؤثر في الدعوى وجب عليها أن تتناوله في حكمها بالبحث، وإلا كان الحكم قاصر البيان. ويخضعها لتقديره مع ما قد يكون لها من دلالة مؤثرة قد يتغير بها وجه الرأي في الدعوى، فالمقرر في قضاء هذه المحكمة إنه متى قدم الخصم إلى محكمة الموضوع مستند مؤثر في الدعوى وجب عليها أن تتناوله في حكمها بالبحث وإلا كان الحكم قاصر البيان، إذ كان ذلك فإن الحكم المطعون فيه إذ أغفل التحدث عما تساند إليه الطاعن من مستندات استظهارًا لحقيقة مدلولها يكون قد شابه قصور يبطله ويوجب نقضه). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٢٨١)، والله أعلم.
إغفال الحكم مناقشة بعض المستندات، مع ملفات قضائية ووثائق قانونية وميزان العدالة والمطرقة القضائية
تعليقات