تحديد العينات التي يفحصها الخبير العدل

تحديد العينات التي يفحصها الخبير العدل

في قضايا كثيرة يتعذر على الخبير العدل المكلف من قبل المحكمة فحص ودراسة الأشياء كلها المطلوب إبداء الرأي الفني بشأنها، ولذلك يلجأ الخبير العدل إلى اختيار عينات عشوائية لدراستها وفحصها، ويتم اعتبار نتيجة فحص تلك العينات المختارة مقياسًا عامًّا للأشياء كلها التي كان ينبغي فحصها وبيان الرأي بشأنها.

ولاشك أن عملية اختيار العينات التي يقوم الخبير بفحصها خطيرة للغاية، يترتب عليها التحكم بنتيجة الفحص الفني التي سيتوصل إليها الخبير بعد تمام مهمته.

ولذلك يجب على قاضي الموضوع أن يقف على الطرق المعتمدة في اختيار العينات المطلوب فحصها من قبل الخبير العدل، والتحقق من أن طريقة الاختيار معتمدة علميًا ضمن أصول المهنة وأن هذه الطريقة محايدة ومعتمدة ومناسبة في مجال المهنة التي يقدم فيها الخبير مهمته.

والمعتاد لدى الخبراء العدول المتمرسين أنهم يفصحوا في التقرير الأولي المقدم إلى المحكمة قبل البدء في المهمة يفصحوا عن أنه يتعذر عليهم دراسة وفحص الحالات أو الأشياء كلها محل الخلاف وأنهم سوف يكتفوا بدراسة عينات عشوائية من تلك الحالات أو الأشياء، ويبين هؤلاء في تقريرهم الأولي أسباب اختيار طريقة معينة في اختيار العينات التي سيتم فحصها، فإن وافقت المحكمة والخصوم على طريقة اختيار العينات، والتزم الخبير بطريقة اختيار العينة بطريقة علمية أصولية، وكانت المحكمة قد اعتمدتها في التقرير الأولي، فلا يحق للخصم أو الخصوم بعد ذلك القدح في طريقة اختيار العينات، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 25-2-2014م، في الطعن رقم (53914)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فقد وجدت الدائرة أن أسباب الطعن (١ و ٢ و ٣ و ٥) تتلخص في تعييب الطاعنين للحكم المطعون فيه بأنه قد استند إلى تقرير الخبير الذي قام بفحص عينات من البضاعة المتضررة كان المطعون ضده قد أعدها للخبير، فلم يقم الخبير بفحص كل البضاعة وإنما اكتفى بفحص العينات التي أعدها المطعون ضده، ومع ذلك فقد اعتمد الحكم المطعون فيه على النتائج التي توصل إليها الخبير، والدائرة: تقرر أن هذه المناعي في غير محلها، لأنه قد سبق للطاعنين أن ذكروا هذه المناعي في ملاحظاتهم على تقرير الخبير الذي قام بالرد عليها وأقنع محكمة الموضوع بسلامة النتائج التي توصل إليها في تقريره)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: أسباب لجوء الخبير العدل إلى فحص بعض العينات فقط:


السبب الرئيس لذلك أنه يتعذر على الخبير العدل المختار من قبل المحكمة يتعذر عليه في بعض القضايا فحص ودراسة الأشياء كلها المطلوب إبداء الرأي الفني بشأنها، فمثلاً قد تكون المواد أو البضاعة المطلوب فحصها كبيرة جدًا مكومة فوق بعضها داخل سفينة أو في مخزن أو قد تم توزيع كميات منها في الأسواق، أو قد محل الخلاف قيود محاسبية كثيرة لمعاملات تجارية كثيرة استمرت لفترة طويلة ولم تصفيتها.. وغير ذلك من الحالات التي يتعذر فحصها من قبل الخبير في الوقت المناسب والتكاليف المناسبة والجهود المناسبة.

أما إذا كانت المواد أو العمليات أو القيود المحاسبية قليلة فيجب على الخبير فحصها كلها.

فالعينات التي يختارها الخبير العدل (أو الخبير القضائي) هو عبارة عن إجراء فني وقانوني يقوم فيه الخبير المكلف من المحكمة باختيار جزء ممثل (عينة) من مجمل المستندات، البضائع، الحسابات، أو المواد محل النزاع لفحصها، بدلاً من الفحص الكامل للمواد، وذلك لاستحالة أو تعذر الفحص الشامل أو لتوفير الوقت والجهد.

فمن الصعب في كثير من الأحيان بل من المستحيل – أن يفحص الخبير العدل كل المواد أو العمليات أو الحالات أو القيود والمستندات والسجلات خاصة إذا كانت كثيرة جدًا أو موزعة على مناطق جغرافية واسعة.

ومن هذا المنطلق ابتدع الخبراء نظام اختيار عينة الفحص، التي تمكن الخبير من دراسة وتدقيق عينات محدودة من الأشياء المراد فحصها التي اختيارها بعناية فائقة وفقًا لمنهج علمي سديد حتى تكون هذه العينات ممثلة تمثيلاً صحيحًا لجميع الحالات المراد فحصها، فيقوم الخبير بفحصها ويجري عليهم الدراسة ثم يعمم النتائج على جميع الحالات المراد فحصها.

وأهمية اختيار العينات لا تقتصر فقط على الجانب العملي في توفير الوقت والجهد والتكلفة، بل تتعداه إلى ضمان دقة النتائج وموضوعيتها وحيادها وعدم تحيزها، فاختيار العينة بشكل علمي ومنهجي أصولي يساهم في الحصول على نتائج موثوقة يمكن للقاضي الاعتماد عليها.

أما إذا اختار الخبير العدل العينات بطريقة تحيزية غير ممثلة للمواد أو الحسابات المطلوب فحصها، فسوف تظهر مشكلة "التحيز" في نتائج الفحص.

ومن هنا، يمكن القول إن ضمان صحة نتائج أعمال الخبير يعتمد بدرجة كبيرة على جودة اختيار العينات. فهي ليست مجرد خطوة إجرائية، وإنما قرار استراتيجي يؤثر في كل نتائج الفحص.

الوجه الثاني: مفهوم العينات والفرق بينها وبين الأشياء المطلوب فحصها:


إذا كان محل الخلاف هو المواد أو السجلات أو المستندات المطلوب فحصها كلها، فالمفروض فحصها كلها، لكن في معظم الحالات، يكون من غير الممكن – لأسباب عملية أو مادية – دراسة المجتمع كاملاً، ولذلك يلجأ الخبير العدل إلى اختيار عينة (Sample)، وهي مجموعة جزئية مأخوذة من الأشياء المطلوب فحصها تمثل الخصائص الأساسية للأشياء كلها المراد فحصها، وباستخدام هذه العينات يستطيع الخبير إجراء جمع البيانات والتحليل واستخلاص النتائج، ثم تعميمها بدرجة من الثقة على الأشياء كلها.

فالعينة تُعد من أهم الركائز لعمل الخبير العدل عندما يتعذر عليه فحص ودراسة كل الأشياء كلها المطلوب فحصها وهي ما تسمى (مجتمع الفحص أو الدراسة أو المجتمع الأصلي)، فالعينة تمثل المجتمع الأصلي الذي يسعى الخبير إلى دراسته، ولكن بصورة مصغرة ومُبسطة. من الناحية العملية، فمن الصعب – بل في كثير من الأحيان من المستحيل – أن يدرس الخبير المجتمع كاملاً، خاصة إذا كان كبيرًا جدًا أو موزعًا على مناطق جغرافية واسعة. وهنا تأتي فكرة اختيار العينة، حيث يحصل الخبير على مجموعة محدودة من المواد أو الوحدات تمثل المجتمع الأصلي كله، فيقوم الخبير بإجراء الفحص والدراسة على العينات ثم يعمم الخبير النتائج على المجتمع الأصلي كله.

ومع ذلك فهناك فروق بين الأشياء كلها المطلوب فحصها وبين العينات أو بينها وبين مجموع المواد التي تم أخذ العينات منها، ويمكن تلخيص هذه الفروق كما يأتي:

أولاً: الأشياء كلها المطلوب فحصها تكون كثيرة، بينما العينات تكون أصغر حجمًا وأكثر قابلية للدراسة والفحص.

ثانيًا: الأشياء كلها تشمل جميع الوحدات والحالات والمستندات، أما العينات فهي تمثل جزءًا من تلك الأشياء فقط بشرط أن تعكس الخصائص العامة للأشياء كلها.

ثالثًا: التكلفة والجهد: فدراسة وفحص الأشياء كلها تتطلب وقتًا وتكلفة هائلة، بينما دراسة العينات توفر الكثير من الموارد.

رابعًا: الدقة: رغم أن دراسة الأشياء كلها تعطي نتائج أكثر شمولية، إلا أن فحص العينات المختارة بعناية يمكن أن تعطي نتائج دقيقة وقابلة للتعميم.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن العينات هي "المرآة المصغّرة" للمجتمع الأصلي أو الأشياء كلها، وكلما كانت هذه المرآة أكثر وضوحًا ودقة، كانت نتائج البحث أكثر موثوقية فيطمئن القاضي إليها.

الوجه الثالث: طرق اختيار العينات من قبل الخبير العدل:


اختيار العينات من قبل الخبير العدل هو خطوة محورية تحدد مدى جودة النتائج أو الرأي الفني للخبير، وتتنوع طرق اختيار العينة ما بين طرق عشوائية وطرق غير عشوائية، ولكل منها استخدامات ومميزات وقيود، وفهم هذه الطرق يساعد الخبير والقاضي على اتخاذ القرار الصحيح بما يتناسب مع طبيعة الرأي الفني المطلوب وأهدافه.

وطرق اختيار العينات من قبل الخبير العدلي (أو الخبير القضائي) تعتمد على الأسس الإحصائية القانونية لضمان النزاهة، وعدم التحيز، وقبول العينة كدليل قاطع أمام المحكمة.

والطرق الرئيسية التي يعتمد عليها الخبير العدلي في اختيار العينات هي ما يأتي:

أولاً: طرق العينات العشوائية:

وتتلخص هذه الطرق فيما يأتي:

١. العينات العشوائية البسيطة (Simple Random Sampling)

ويتم اختيار العينات المطلوبة بطريقة عشوائية تمامًا، مثل السحب بالقرعة أو باستخدام برامج حاسوبية.

إذ يعطي الخبير رقمًا فريدًا لكل عنصر في مجتمع الدراسة (مثل: السجلات المحاسبية، العقود، أو الشحنات)، ثم يستخدم جداول الأرقام العشوائية أو برامج الكمبيوتر (مثل Excel) لاختيار الحجم المطلوب.

وهذه الطريقة تضمن أن لكل عنصر فرصة متساوية تمامًا في الاختيار دون أي تدخل بشري، كما أن هذه الطريقة سهلة التنفيذ، وتضمن تمثيل جميع مكونات مجتمع الدراسة، ولكن يعاب على هذه الطريقة أنها قد تكون صعبة التطبيق إذا كان مجتمع الفحص أو الدراسة كبيرًا جدًا أو موزعًا جغرافيًا في مناطق كثيرة.

٢. العينات العشوائية المنتظمة (Systematic Random Sampling)

إذ يقوم الخبير بترتيب العناصر في قائمة، ثم يحسب فجوة المعاينة (K) عبر قسمة إجمالي المجتمع على حجم العينة المطلوبة، ويتم اختيار العنصر الأول عشوائيًا، ثم يتم اختيار باقي العناصر بانتظام كل K عنصر (مثلاً: فحص الفاتورة رقم 10، ثم 20، ثم 30...).

وتُستخدم هذه الطريقة لتوفير الوقت والجهد عند التعامل مع ملفات أو مستندات أو سجلات ورقية أو رقمية ضخمة ومتسلسلة.

وبموجب هذه الطريقة يقوم الخبير باختيار العينات وفق نظام ثابت، مثل اختيار كل خامس فاتورة أو قيد أو خامس رزمة، وهذه الطريقة سهلة التنفيذ وسريعة، ولكنها قد تؤدي إلى تحيز إذا كان هناك نمط دوري في المجتمع المطلوب فحصه.

٣- العينة الطبقية أو الفئوية (Stratified Sampling):

يتم تُقسَّيم مجتمع الفحص إلى طبقات أو فئات متجانسة (مثل النوع، سنوات الإنتاج أو أشهر تواريخ العمليات أو شرائح المبالغ أو فئات المبالغ أو رزم المواد المكومة)، ثم يتم اختيار عينة عشوائية من كل طبقة أو فئة أو رزمة.

وتضمن هذه الطريقة تمثيل كافة الفئات المختلفة بشكل عادل، ولكن هذه الطريقة تحتاج لمعرفة دقيقة بتركيب المجتمع الأصلي المطلوب فحصه.

٤- العينة العنقودية (Cluster Sampling):

يتم تقسيم المجتمع أو المواد أو السجلات المطلوب فحصها إلى مجموعات (عنقود/Cluster)، ثم اختيار بعض هذه المجموعات عشوائيًا ودراسة كل أفرادها، وهذه الطريقة مفيدة عندما يكون المجتمع واسعًا جغرافيًا، بيد أنها قد تقلل من دقة النتائج إذا لم تكن المجموعات متجانسة.

ثانيًا: طرق العينات غير العشوائية (Non-Probability Sampling):

في هذه الطرق، لا يحصل كل فرد في المجتمع المطلوب فحصه على فرصة متساوية للاختيار، وغالبًا ما يعتمد الخبير على حكمه الشخصي أو سهولة الوصول. ورغم أن هذه الطرق أقل دقة من العينة العشوائية، إلا أنها تُستخدم كثيرًا بسبب بساطتها وتناسبها مع بعض المهام النوعية ومن أبرز أنواعها:

١- العينة القصدية (Purposive Sampling):

إذ يختار الخبير العينات بناءً على معايير محددة، مثل القيود ذات المبالغ الكبيرة، وهذه الطريقة مناسبة لبعض العمليات، ولكنها تكون متحيزة لأنها تعتمد على تقدير الخبير.

٢- العينة الحصصية (Quota Sampling):

يقوم الخبير بتقسيم المجتمع إلى مجموعات فرعية، ثم يختار الخبير عينة بعدد معين من كل مجموعة (لكن بدون عشوائية كاملة)، وتضمن هذه الطريقة وجود تمثيل نسبي للفئات، بيد أنها لا تضمن تكافؤ فرص الاختيار.

٣- عينة كرة الثلج (Snowball Sampling):

يبدأ الخبير بفحص عدد قليل من الكميات أو السجلات المطلوب فحصها، ثم يتوسع في فحص عينات أخرى، وهذه الطريقة مناسبة لدراسة الكميات أو المواد أو القيود الصغيرة، غير أن هناك احتمالية عالية للتحيز وصعوبة تعميم النتائج.

ولاشك أن الاختيار بين العينات العشوائية وغير العشوائية يعتمد على الهدف من تعيين الخبير وطبيعة المجتمع المطلوب فحصه والإمكانات المتاحة. فإذا كان الخبير يسعى لنتائج دقيقة وقابلة للتعميم، فالأفضل استخدام العينات العشوائية. أما إذا كان الغرض من الفحص نوعيًا أو استكشافيًا أو كانت محدود الموارد المتاحة محدودة فقد تكون العينات غير العشوائية خيارًا عمليًا.

الوجه الرابع: معايير اختيار العينات المناسبة من قبل الخبير العدل:


اختيار العينة إجراء خطير تترتب عليه النتائج التي يتوصل إليها الخبير، فلها تأثير مباشر على جودة عمل ودقة نتائجه، لذلك يجب على الخبير أن يراعي مجموعة من المعايير قبل أن يحدد الطريقة المعتمدة لاختيار العينة، وأهم هذه المعايير:

أولاً: حجم المجتمع الأصلي المطلوب فحصه:

فكل ما كان المجتمع كبير، زاد احتياج الخبير لاختيار عينة مناسبة تمثل بشكل جيد ذلك الكم الكبير، فعلى سبيل المثال، لو كان عدد العمليات المحاسبية آلاف أو ملايين، فمن المستحيل دراسة الكل، ففي هذه الحالة يجب تحديد حجم عينة مناسب توازن بين الإمكانيات المتاحة ودقة النتائج.

ثانيًا: طبيعة المهمة المسندة للخبير العدل:

فطبيعة المهمة المسندة للخبير العدل تحدد نوع العينة المناسبة، فإذا كانت المهمة تستهدف معرفة الكم مثل مقدار الكمية الموردة أو مبلغ الدين فعندئذ تكون العينة المناسبة عينة عشوائية كبيرة لتعميم النتائج.

أما إذا كانت المهمة تهدف إلى معرفة كيفية التعامل أو العمليات أو طبيعة العلاقة بين الخصوم، فعندئذ تكون العينات المناسبة هي القصدية السابق ذكرها فيتم التركيز على تفاصيل عمليات صغيرة لمعرفة كيفية التعامل ونوع العلاقة بين الخصوم.

ثالثًا: درجة التجانس أو التنوع في المجتمع المطلوب فحصه:

فإذا كان هذا المجتمع متجانس مثل أطنان حديد أو عمليات توريد بضاعة متساوية في مقدارها والمدة الفاصلة بينها، ففي هذه الحالة يتم الاكتفاء بعينة أصغر.

لكن لو كان المجتمع متنوعًا مثل أصناف مختلفة وفي أوقات غير منتظمة، فالعينة المناسبة تكون عينة أكبر وأكثر تنوعًا لتمثيل الاختلافات.

رابعًا: الموارد المتاحة (وقت – جهد – تكلفة)

بالنظر إلى الأتعاب التي تقررها المحكمة وبالنظر إلى قيمة الدعوى وملاءة الخصم فإذا كانت الإمكانيات محدودة، فإن الخبير يلجأ لاختيار عينة غير عشوائية أو أصغر حجمًا تتناسب مع تلك الموارد والإمكانيات المحدودة، بيد أنه يجب على الخبير أن يوضح هذا القيد في تقريره حتى يكون شفافًا.

خامسًا: الهدف من فحص الخبير:

فالغالب أن يكون الهدف من فحص الخبير هو تعميم نتائج فحص العينة على المواد أو الحسابات كلها محل الخلاف بين الخصوم، ففي هذه الحالة يفضل اختيار العينة العشوائية الكبيرة.

أما إذا كان الهدف الفهم المتعمق لظاهرة معينة مثل معرفة العلاقة بين طرفين ونوعية هذه العلاقة فتكفي عينة قصدية صغيرة.

سادسًا: الدقة المطلوبة من عمل الخبير:

فكل ما زاد مستوى الدقة المطلوبة فإنه من الواجب على الخبيران يراعي زيادة حجم العينة أو استخدام طرق عشوائية دقيقة مثل العينة الطبقية.

سابعًا: قرار المحكمة الذي يحدد مهمة الخبير:

فوفقًا لقانون الإثبات فإن المحكمة تقرر تعيين أو تكليف الخبير وتحدد طبيعة العمل الذي سيقوم به الخبير، فقرار تعيين الخبير هو المعيار الأهم في تحديد الطريقة المناسبة لاختيار العينة، ولذلك يجب على القاضي معرفة طرق اختيار العينات.

وفي كل الأحوال يجب على الخبير أن يذكر في تقريره الأولي الطريقة المناسبة لاختيار العينات حتى يكون القاضي والخصوم معًا على علم بذلك وحتى يبدي الجميع ملاحظاتهم على ذلك.

الوجه الخامس: عرض الخبير لطريقة اختياره للعينات في تقريره النهائي:


حتى يكون التقرير النهائي للخبير العدلي مقبولًا ومقنعًا للقاضي فإنه يجب على الخبير أن يفصح في تقريره النهائي عن طريقة اختياره للعينة وما إذا كان هذا الاختيار موفقًا ومناسبًا، وأن يظهر عدم التحيز (العشوائية المطلقة): فيجب ألا يتدخل الهوى الشخصي للخبير في اختيار العينات، ولذا يجب أن يعطى الخبير جميع العناصر فرصة متساوية في الظهور لضمان حيادية التقرير، كما ينبغي أن يظهر الخبير كفاية حجم العينة وأنها كانت بحجم كافٍ إحصائيًا وفنيًا لتشخيص الحالة أو إعطاء حكم دقيق يعبر عن مجمل النزاع.

كما ينبغي أن يبين الخبير التمثيل الصحيح (التجانس) فإذا كان مجتمع الفحص غير متجانس (مثل حسابات مالية لعدة سنوات مختلفة أو بضائع من مصادر متنوعة)، فيجب على الخبير استخدام "العينات الطبقية" بحيث يختار عينات عشوائية من كل فئة بشكل مستقل.

ويلتزم الخبير العدلي بأن يذكر في تقريره بدقة المنهجية العلمية التي اتبعها في سحب العينات (مثل: نظام القرعة، الجداول الإحصائية، أو الأنظمة الرقمية).

كما يذكر أنه قد اتخذ الإجراءات اللازمة لحفظ وتأمين العينة، فيجب عليه توثيق عملية السحب بمحضر رسمي بحضور أطراف النزاع أو من ينوب عنهم، مع إغلاق العينات وتحريزها لمنع التلاعب بها أو تلوثها حتى وصولها للمختبر أو الفحص الفني.

كما ينبغي فحص المستندات المؤيدة في القضايا المحاسبية، فيتم سحب عينات عشوائية من الفواتير والقيود والتحقق من مطابقتها للدورة المستندية الكاملة.

ويُعد رأي الخبير العدلي المستند إلى فحص العينات العشوائية رأيًا استشاريًا للمحكمة أن تأخذ به أو تطرحه.

وإذا أثبت أحد الخصوم أن العينات التي اختارها الخبير كانت موجهة أو غير ممثلة أو شابتها عيوب في التحريز، فيحق للمحكمة استبعاد التقرير أو تعيين لجنة خبراء أخرى لإعادة الفحص.

الوجه السادس: المعيار الدولي للتدقيق رقم (530) بشأن اختيار العينات:


يتناول هذا المعيار استخدام المدقق لأخذ العينات الإحصائية وغير الإحصائية عند تصميم عينات التدقيق وتحديدها وتنفيذ اختبارات أدوات الرقابة واختبارات التفاصيل، وتقييم نتائج العينة.

ووفقًا لهذا المعيار فإن عينة التدقيق هي عبارة عن: تطبيق إجراءات التدقيق على أقل من 100% من البنود ضمن مجتمع ذي صلة بالتدقيق، وقد يترتب على تدقيق العينات: احتمال أن يكون استنتاج المدقق بناءً على العينة مختلفًا عن الاستنتاج إذا تم تطبيق إجراء التدقيق على المجتمع بأكمله، كما أنه من المحتمل أن يصل المدقق إلى استنتاج خاطئ لأسباب لا تتعلق بطريقة اختيار العينات.

ويهدف المدقق من تدقيقه إلى توفير أساس معقول لاستخلاص استنتاجات بشأن المجتمع الذي يتم اختيار العينة منه، ويجب على المدقق مراعاة الغرض من إجراء التدقيق وخصائص المجتمع المطلوب تدقيقه عند تصميم عينة التدقيق، كما يجب التأكد من أن حجم العينة كافٍ لتقليل خطر أخذ العينات إلى مستوى منخفض مقبول، ويجب اختيار بنود العينة بطريقة تجعل لكل وحدة معاينة في المجتمع فرصة للاختيار، وينبغي تنفيذ إجراءات التدقيق المناسبة للهدف على كل بند مختار.

وإذا كان الإجراء غير قابل للتطبيق على بند فيجب تطبيقه على بند بديل.

وإذا تعذر على المدقق تطبيق إجراءات التدقيق المصممة، فيجب معاملة البند كانحراف (في اختبارات أدوات الرقابة) أو خطأ (في اختبارات التفاصيل).

وكذا يجب على المدقق التحقيق في طبيعة وأسباب أي انحرافات أو أخطاء محددة.

كما ينبغي عليه تقييم تأثيرها المحتمل على هدف إجراء التدقيق، وإذا اكتشف المدقق المدقق في العينة خطأ أو انحرافًا شاذًا، فيجب الحصول على تأكيد عالٍ بأن هذا الخطأ أو الانحراف غير ممثل للمجتمع.

وكذا ينبغي على المدقق التحقيق في طبيعة وأسباب أي انحرافات أو أخطاء محددة وتقييم تأثيرها المحتمل على هدف إجراء التدقيق.

وبالنسبة لاختبارات التفاصيل، فإنه يجب على المدقق تعميم الأخطاء المكتشفة في العينة على المجتمع كله المطلوب فحصه، وعند تعميم الأخطاء، يجب على المدقق النظر في خصائص المجتمع.

وكذا يجب على المدقق تقييم نتائج العينة، وما إذا كان استخدام عينات التدقيق قد وفر أساسًا معقولًا لاستخلاص استنتاجات بشأن المجتمع الذي تم اختباره.

ويوفر هذا المعيار الدولي إرشادات شاملة بشأن استخدام عينات التدقيق، ويؤكد على أهمية التخطيط الدقيق والتنفيذ المنهجي، والتقييم النقدي لنتائج العينات، ومن خلال اتباع هذه الإرشادات، يمكن للمدققين تحسين فعالية وكفاءة إجراءات التدقيق وضمان الحصول على أدلة كافية ومناسبة للوصول إلى استنتاجات موثوقة.

ويشدد المعيار على ضرورة تحقيق التوازن بين الدقة والكفاءة في عملية التدقيق. بينما يسمح أخذ العينات بتقليل الوقت والموارد المطلوبة، فإنه يحمل أيضًا مخاطر إضافية يجب إدارتها بعناية من خلال فهم وتطبيق مبادئ هذا المعيار، ويمكن للمدققين تعزيز جودة عمليات التدقيق وتقديم رأي موثوق بشأن البيانات المالية المطلوبة.

الوجه السابع: فحص العينات في القوانين والنظم اليمنية:


توجد نصوص قانونية وتنظيمية في التشريعات اليمنية تحدد طرق التعامل مع العينات واختيارها، ولكنها لا تأتي في قالب نص قانوني موحد، بل تتوزع على عدة قوانين وتعتمد بشكل أساسي على اللوائح التنفيذية والأدلة الفنية بحسب طبيعة المادة المراد فحصها (سواء كانت تجارية أو جنائية، أو مدنية).

فمثلاً ينص قانون المواصفات والمقاييس وضبط الجودة رقم (4) لسنة 1993م على أن تحديد طرق أخذ العينات هو جزء لا يتجزأ من "المواصفات القياسية المعتمدة".

وتُفصّل الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة طرق سحب واختيار العينات في أدلتها الفنية ولائحة الرقابة على الواردات، ويتم إصدار "تكليف رسمي لسحب العينة" وتُسحب عينات ممثلة للشحنة أو البضاعة بناءً على معايير عشوائية إحصائية لضمان مطابقتها للمواصفات القياسية قبل فحصها.

كما تنظم التشريعات الإجرائية والتعليمات العامة للنيابة العامة طرقًا محددة لاختيار وفحص العينات المضبوطة لضمان سلامتها وصحتها كدليل جنائي.

كالمواد القابلة للاشتعال (مادة 147): توضع العينات في حرز مستقل يوضح نوعها لتمكين مصلحة الطب الشرعي من فحصها دون اختلاطها.

وكذا الحال في المواد المخدرة والنباتات (مادة 148): يُلزم القانون بأخذ العينات من أعلى النباتات المضبوطة على أن تحتوي (إن أمكن) على الأوراق والأزهار والثمار، وتوضع في وعاء خاص (ورق مقوى أو خشب أو صفيح) يقيها التلف أثناء النقل والفحص. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦، ص٨٦)، والله أعلم.
تحديد العينات التي يفحصها الخبير العدل، مع أدوات الفحص والقياس وتقارير الخبرة والملفات القضائية
تعليقات