أثر التعامل السابق على التعامل اللاحق

أثر التعامل السابق على التعامل اللاحق

في غالب الأحوال يتم التعامل بين الأفراد والشركات والمؤسسات والمحلات من غير عقود تحدد طبيعة العلاقة بين المتعاملين أو تحدد حقوقهم والتزاماتهم، وخلال التعامل السابق بين المتعاملين يتم التعامل بطريقة تدل على الإرادة الحقيقية الفعلية للمتعاملين كما أن التعامل السابق يكشف نوع العلاقة وحقوق المتعاملين.

فإذا حدث خلاف بين المتعاملين فإن المرجع في تكييف العلاقة بين المتعاملين وتحديد حقوقهم وواجباتهم والتزاماتهم وتفسير العقد الجديد هو الرجوع إلى التعامل الفعلي السابق بينهم، باعتباره يظهر الإرادة الحقيقية والفعلية للمتعاملين، يبين نوع العلاقة وحقوق والتزامات المتعاملين، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٤/٣/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٤٠٨٩)، فقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم: (فقد تقرر إرجاع ملف القضية إلى محكمة الاستئناف لإعادة الفصل فيها والأخذ في الاعتبار بما جرى به التعامل بين الطرفين في السابق ...)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: مفهوم التعامل السابق:


يُقصد بـ "التعامل السابق" (أو المعاملة السابقة) وجود علاقات تجارية أو تعاقدية مستمرة ونمطية بين طرفين قبل تاريخ الواقعة أو المعاملة محل النزاع، فالتعامل السابق هو أن يجري التعامل بين الأشخاص في أشياء متماثلة ومتجانسة، ويتكرر لفترة من الزمن من، وخلال هذا التعامل يستوفي كل طرف حقه بموجب هذه التعاملات أو المعاملات، وبعد ذلك يحدث تعامل جديد يقع الخلاف بين المتعاملين بشأن تكييف العلاقة التي قامت بينهم وتحديد حقوق والتزامات المتعاملين، فعندئذ يكون المرجع هو العمليات أو التعاملات السابقة التي تمت بينهم التي لم يقع الخلاف بشأنها، فيتم اعتمادها في تفسير وتكييف العلاقة التي قامت بينهم، وفي ضوء ذلك يتم تحديد حقوق والتزامات الأطراف التي لم يستوفوها.

أي أن المتعاملين يستوفوا حقوقهم ويؤدوا التزاماتهم على أساس المعاملات السابقة التي استوفوا فيها حقوقهم، وذلك حينما لا يكون هناك في التعاملات الجديدة عقد يحدد نوع العلاقة وحقوق المتعاقدين.

والتعامل السابق ينبغي أن يكون قد استقر بين الطرفين، وأن يكون التعامل السابق قد استقر بين الطرفين بالطريقة ذاتها لمرتين على الأقل.

فحتى يُنتج التعامل السابق أثره الشرعي والقانوني، فإن الفقهاء قد اشترطوا الاستمرار في التعامل وتواصله وكذا اشترطوا التجانس فيجب أن تكون التعاملات الجديدة من جنس التعاملات السابقة (مثلاً: تاجر يورد مواد غذائية لعميل شهرياً بنفس الطريقة، وكذا اشترطوا الاستمرار والتكرار، وذلك بأن لا تكون معاملة عابرة حدثت مرة واحدة، بل نمطاً مستقراً يولد الاطمئنان بين الطرفين.

الوجه الثاني: الأساس الشرعي والقانوني لاعتماد التعامل السابق بين الأشخاص:


المعاملات أو التعاملات السابقة هي عبارة عن عقود فعلية فردية إذا كان كل طرف يستوفي حقه في كل تعامل على حدة، كما أن كل مجموعة من التعاملات السابقة تكون عقد واحد إذا كان يتم تصفية كل مجموعة منها على حدة.

وبناء على ذلك فإن التعامل السابق عبارة عن عقود فعلية تم تنفيذها بالفعل برضا المتعاملين، وخلال ذلك أفصح المتعاملون عن إرادتهم التي ظهرت في هذا التعامل الفعلي السابق، وعلى هذا الأساس فإن أصول الشريعة الإسلامية تدل على استصحاب هذا التعامل السابق طالما لم يظهر ما يدل على تغيير في التعامل اللاحق، فاعتماد التعامل السابق مشروط بعدم وجود عقود جديدة تغيرت فيها الشروط عما كانت عليه في التعامل السابق.

وبناء على ما تقدم فاعتماد التعامل السابق يحقق العدل والإنصاف ويوافق الإرادة الحقيقية الفعلية للمتعاقدين أو المتعاملين. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٠م، ص٤٨).

الوجه الثالث: تكييف العلاقة بين المتعاملين في ضوء التعامل السابق:


إذا وقع الخلاف بشأن الأطراف بشأن تكييف العلاقة الجديدة بينهما ولم يوجد في العلاقة الجديدة اتفاق صريح يحدد نوع العلاقة الجديدة، فالمرجع في ذلك التعامل المماثل السابق بينهما، فمثلا إذا اختلف العامل مع صاحب العمل بشأن تكييف العلاقة القائمة بينهما فادعى العامل أنه عامل نظامي يعمل فقط لدى صاحب العمل فرد عليه صاحب العمل بأنه عامل مشترك يعمل باليومية لدى صاحب العمل ولدى غيره، فإذا لم يثبت أن العلاقة الجديدة غير العلاقة السابقة فيتم العمل على أساس العلاقة السابقة، وكذلك الحال عند الخلاف بشأن نوع العلاقة بين الأشخاص هل هو عامل أو وكيل موزع أو ممثل تجاري أو مجرد عميل.

الوجه الرابع: تحديد حقوق والتزامات المتعاملين في ضوء التعامل السابق:


في بعض الأحوال يقع الخلاف بين المتعاملين بشأن بعض حقوقهم والتزاماتهم القائمة ولم يكن هناك بند خاص صريح في العقد الجديد أو العلاقة الجديدة بشأن الحق أو الالتزام محل الخلاف، فعندئذ يتم الرجوع إلى التعامل السابق لتحديد الحق أو الالتزام محل الخلاف وكيفية القيام به ووقته ومكانه ومقداره.

فيُتم الرجوعو إلى طريقة التعامل السابقة لتحديد مكان وتوقيت تسليم البضائع وآلية سداد الأموال عند خلو العقد الجديد من نص صريح.

وإذا جرى التعامل السابق بين شخصين على آلية معينة لتقسيم الأرباح أو تحمل الخسائر أو تقديم التسهيلات، ولم ينص العقد الجديد على ذلك فيُصبح التعامل السابق بمثابة شرط ملزم يحمي حقوق الطرفين حتى لو لم يُنطق به علانية في كل مرة.

كما أنه إذا استقر التعامل بين صاحب العمل والموظف على منح الموظف ميزة معينة بانتظام (مثل مكافأة سنوية محددة أو مرونة في ساعات العمل)، فيتحول هذا التعامل السابق بمرور الوقت إلى حق مكتسب للموظف، ولا يحق لصاحب العمل إلغاؤه بشكل تعسفي.

وإذا اعتاد المورد شحن البضائع إلى مستودع المشتري مباشرة دون تحصيل رسوم شحن إضافية على مدى 5 صفقات سابقة، لا يحق له في الصفقة السادسة مطالبتهم برسوم الشحن فجأة، إلا إذا نص العقد الجديد على ذلك صراحة.

وفي السداد: إذا كان العقد ينص على السداد فور الاستلام، ولكن جرى العرف والتعامل بينهما لسنوات على قبول الشيكات المؤجلة لـ 15 يوماً، فلا يحق للدائن فجأة فسخ العقد لعدم السداد النقدي الفوري دون إنذار مسبق.

الوجه الخامس: تفسير العقد وتكميله في ضوء التعامل السابق:


في بعض الأحوال قد يكون هناك عقد جديد ينظم العلاقة الجديدة بين الأطراف، بيد أن هذا العقد يغفل عن تنظيم بعض جوانب العلاقة، وعندئذ يتم الرجوع إلى التعامل لتنظيم المسائل التي أغفلها العقد الجديد، فإذا خلا العقد الحالي من شروط تفصيلية (مثل مكان التسليم، أو طريقة الدفع، أو نسبة الخصم المعتادة)، يُلزم القانون الطرفين بما جرى عليه التعامل السابق بينهما. ويتحول هذا التعامل إلى ما يُشبه العرف الخاص الناظم للعلاقة، بحيث لا يحق لأي طرف تعديله فجأة دون إخطار مسبق.

ومن جانب آخر قد يتضمن العقد الجديد بنوداً أو كلمات غامضة أو مجملة، ففي هذه الحالة يتم الرجوع إلى التعامل السابق لمعرفة وبيان البنود والكلمات الغامضة أوالمجملة، فعند قيام نزاع بشأن تفسير نص غامض في العقد، ترجع المحاكم إلى التعامل السابق كأداة رئيسية لاستكشاف النية المشتركة الحقيقية للمتعاقدين، وليس فقط المفهوم الحرفي للكلمات. الطريقة التي نفذ بها الطرفان التزاماتهما في الماضي تُحدد الحقوق الحالية في العقد الجديد أو المستمر.

كما أن التعامل السابق يكون مرجعاً في تعديل الشروط ضمنياً ففي القوانين التجارية، إذا اعتاد أحد الطرفين على التغاضي عن شرط معين (مثل قبول سداد الدفعات متأخرة بـ 5 أيام دون فرض غرامة) لمرات متتالية، قد يُعتبر هذا تنازلاً ضمنياً أو تعديلاً للحقوق بناءً على السلوك السابق، بحيث لا يحق له فجأة فرض عقوبة دون إنذار مسبق.

الوجه السادس: التعامل السابق يجعل السكوت قبولاً بالعقد:


نصت المادة (159) من القانون المدني اليمني على أنه: (إذا كانت عادة المعاملة أو العرف التجاري أو ما يدل على أن الموجب لم يكن ينتظر تصريحاً بالقبول فإن العقد يعتبر قد تم إذا لم يرفض الإيجاب في المدة المعقولة لعودة الرد إلى الموجب، ويعتبر السكوت عن الرد قبولاً إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين واتصل الإيجاب بهذا التعامل أو كان الإيجاب لمنفعة من وجه إليه محضاً).

ومن خلال استقراء النص القانوني السابق يظهر أن سكوت الشخص الذي يتم توجيه الإيجاب إليه سكوته عن الرد الإيجاب يكون قبولاً بذلك الإيجاب متى كان هناك تعامل سابق بين الشخص الذي قام بتوجيه الإيجاب والشخص الذي تم توجيه الإيجاب إليه، فمثلا يكون سكوت المؤمن عليه وعدم رفضه لعرض شركة التأمين تجديد عقد التأمين خلال مدة معينة وعدم رفضه لإخطار شركة التأمين له بشأن تمديد عقد التأمين يعد قبولاً منه بتجديد عقد التأمين والعكس صحيح، وسكوت تاجر المواد الغذائية على طلب صاحب المطعم الذي اعتاد الشراء منه يعد قبولاً لطلبات هذا الأخير، وكذا إذا اعتاد تاجر التجزئة أن يشتري بضاعة من تاجر جملة عن طريق الكتابة بما يحتاجه ويقوم تاجر الجملة بإرسال البضاعة المطلوبة دون قبول منه، فإذا طلب تاجر التجزئة بضاعة تدخل في نطاق المعاملات السابقة وسكت العميل كعادته فسكوته يعد قبولاً، أو أن يعتاد تاجر الجملة على فترات منتظمة إرسال بضاعة إلى تاجر تجزئة بأثمان محددة ولا يقوم العميل بردها، فإذا أرسل تاجر الجملة البضاعة من النوع ذاته إلى التاجر نفسه الذي استلمها ولم يقم بردها فيفسر سكوته بأنه قبول للبضاعة بالسعر المتعارف عليه بينهما، وكذا الرسائل النصية التي يتم توجيهها عن طريق الهاتف الجوال للمشتركين المتضمنة تجديد الاشتراك في بعض الخدمات المقدمة عن طريق الهاتف الجوال، فعدم الرد عليها برفضها يعد قبولاً بتجديد الاشتراك. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل العقود، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، ص٢٣١)، والله أعلم.
أثر التعامل السابق على التعامل اللاحق، عقود ووثائق قانونية وميزان العدالة ومطرقة القضاء
تعليقات