معنى: العبرة بالنتيجة في صحة الإجراء
تتردد كثيراً في أسباب أحكام القضاء وكتابات الفقهاء ومرافعات المحامين تتردد قاعدتان متقاربتان في مجال تطبيقهما، قاعدة: ما بني على باطل فهو باطل، وقاعدة: العبرة بصحة الإجراء بالنتيجة، وليس خافيا وجود اخطاء في تطبيق هاتين القاعدتين، بسبب التعاطي المجرد لكل قاعدة على حدة وعدم الاحاطة بالفرق بين القاعدتين.
مع ان النظر الى هاتين القاعدين يظهر ان النتيجة التي تبنى على إجراء ينص القانون على انه إجراء باطل فانها تكون باطلة وكذلك النتيجة التي تبنى على مخالفة إجراء جوهري تكون باطلة.
اما النتيجة التي تبنى على إجراء غير جوهري او لم ينص القانون على انه باطل فان العبرة تكون بصحة النتيجة التي انتهي اليها الحكم المطعون فيه، فاذا كانت النتيجة صحيحة فلا يكون الحكم باطلا، اذ تتولى محكمة الطعن تصحيح اسباب الحكم المطعون فيه طالما ان النتيجة التي خلص اليها الحكم في منطوقه صحيحة موافقة للشرع والقانون واوراق القضية، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 27-4-2014م، وذلك في الطعن رقم (54401)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فهذا النعي كسابقيه غير منتج، لان العبرة في صحة الإجراء من عدمه بالنتيجة، ولما كانت نتيجة الإجراء صحيحة فان ما سبقها من إجراء غير مؤثر، لان النتيجة كانت صحيحة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: قاعدة: ما بني على باطل فهو باطل في الفقه الاسلامي:
يقرر الفقه الاسلامي قاعدة ما بني على باطل فهو باطل، فالباطل في الفقه الاسلامي نقيضُ الحق، قال تعالى (وَلاَ تَلبِسُواْ الحَقَّ بِالبَاطِل)، وقال تعالى (لِيُحِقَّ الْحَقَّ ويُبطِلَ اَلْباطِل ولَو كَرِه اَلْمجْرِمُون)، ويرد البطلان على التصرفات الشرعية القولية كالعقد والقرار الاداري وقد يرد على تصرفات المكلفين شرعا كبطلان الزواج او الصلاة او الوضوء وغيرها من الواجبات الشرعية.
و قاعدة: ما بني على الباطل فهو باطل قاعدة فقهية معتبرة فقد وردت هذه القاعدةالجليلة القدر بصيغ عدة منها: ما بني على الفاسد فهو فاسد، أو: ما بني على حرام فهو حرام، او: الفرع يسقط إذا سقط الأصل، وكذا: إذا بطل المتضمِّن بطل المتضمَّن، فإذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه.
والمعنى الموجز لهذه القاعدة: أن ما بني على مقدمات باطلة او فاسدة ينتج عنه نتائج فاسدة، وما بُنِي على مقدمات صحيحة أنتج النتيجة الصحيحة، فالتابع يأخذ حكم ما هو تابع له.
فقد جاء في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي "..ومن القواعد في ذلك: أنه إذا كان المتبوع فاسدًا فسد التابع، ويعبر عنها بعض الفقهاء بقولهم: ما بني على باطل فهو باطل ويمثلون له بصلح وقع على حرام، فإن هذا الصلح فاسد وباطل؛ لأنه مبني على حرام، وفي الحديث حديث العسيف، أن الأجير زنا بامرأة فصالح والده عن إقامة الحد عليه عن العقوبة بمائة شاة ووليدة، فأبطل النبي- صلى الله عليه وسلم- هذا الصلح وأقام عليه الحد" والحديث متفق عليه. اهـ..
الوجه الثاني: قاعدة ما بني على باطل فهو باطل في القانون اليمني:
مع ان اصل هذه القاعدة هو الفقه الاسلامي حسبما سبق بيانه الا ان بعض فقهاء القانون يذهبوا الى ان اصل قاعدة مابني على باطل فهو باطل يعود الى علم المنطق ومقتضاها (اذا كانت التصرفات الفعلية والقولية صحيحة فانها تنتج اثارها الشرعية او القانونية) اما اذا كان اساس تلك التصرفات شابها عيب او عدم مشروعية كانت نتائجها تكون باطلة شرعا وقانونا.
والبطلان لغة: هو فساد الشيء وسقوط حكمه واصطلاحا وهو ما لا يصُح اصلاً بوصفه ذاته او وصفاً باعتبار بعض اوصافه الخارجية.
والبطلان في القوانين الوضعية اما ان يكون على مرتبة واحدة كما في القانون المدني العراقي او ان يكون على مرتبتين هما البطلان المطلق والبطلان النسبي وهو ما اتبعه المشرع الفرنسي والمصري والانكليزي.
اما في القانون الروماني فانه لا توجد قاعدة عامة للبطلان ولم يميز فقهاء القانون الروماني بين البطلان المطلق والبطلان النسبي فهم لم يعرفوا الا مرتبة واحدة من البطلان فالعقد اما ان يكون صحيحا منتجا لاثاره او ان يكون عقداً باطلاً لا تترتب عليه اية اثار.
الا انهم ارجعوا اسباب البطلان اما الى تخلف الشكلية المطلوبة قانونا او عرفا او الى تخلف ركنا من اركان العقد او تحقق عيب من عيوب الارادة.
وقد قرر قانون المرافعات اليمني قاعدة: ما بني على باطل فهو باطل، إذ ان هذا القانون حدد نطاق تطبيق هذه القاعدة بدقة، فقد حدد هذا القانون البطلان الذي تكون ثمرته او نتيجته باطلة، وذلك في النصوص الاتية:
اولا: نصت المادة (47) مرافعات على انه: (يقع باطلاً كل إجراء نص القانون صراحة على بطلانه) فاذا كان القانون قد نص على ان إجراء معين باطل فان ما يبنى على هذا الإجراء يكون ايضا باطلا.
ثانيا: نصت المادة (48) على انه: (يقع باطلاً كل إجراء أغفل أو جاء مخالفاً لغرض جوهري)، فما يبنى على اي إجراء من الإجراءات الباطلة المذكورة في هذا النص فانه يكون باطلا ايضا.
ثالثا: نصت المادة (49) على انه: (يقع باطلاً كل إجراء مشوب بعيب لم تتحقق منه الغاية المطلوبة)، فاي بناء يقوم على اي إجراء مشوب بعيب لم تتحقق منه الغاية التى حددها القانون فانه يكون باطلا ايضا.
رابعا: نصت المادة (52) على انه: (إذا كان البطلان راجعاً لمخالفة القواعد المتعقلة بالنظام العام جاز التمسك به لكل ذي مصلحة وللنيابة العامة في أي مرحلة كانت عليها الدعوى ويجب على المحكمة أن تقضي بـه من تلقاء نفسها(، فكل ما يبنى على اي إجراء مخالف للنظام العام فانه يكون باطلا ايضا.
اما المادة (51) مرافعات فقد صرحت ببطلان الإجراءات التي تبنى على الإجراءات الباطلة المذكورة في النصوص السابقة فقد نصت هذه المادة على انه: (لا يترتب على بطلان الإجراء بطلان الإجراءات السابقة عليه ولا الإجراءات اللاحقـة عليه التي لا تكون مبنية عليه، أما الإجراءات المترتبة عليه فتبطل تبعاً لبطلانه).
الوجه الثالث: الفرق بين الإجراء الجوهري والإجراء غير الجوهري:
نصت المادة (48)من قانون المرافعات اليمني على انه: (يقع باطلاً كل إجراء أغفل أو جاء مخالفاً لغرض جوهري).
مع ان النص القانوني السابق قد صرح ببطلان كل إجراء أغفل أو جاء مخالفاً لغرض جوهري وجعل جزاء ذلك البطلان حسبما ورد في النص، إلا أنه لم يضع نظرية خاصة للإجراء القضائي الجوهري، و لم يحدد ماهية هذا الإجراء و تمييزه عما يشتبه به و حالاته، و الأشخاص الذين يحق لهم التمسك به، و مدى تعلقه بالنظام العام من عدمه.
والإجراء الجوهري هو طريقة قانونية أوجب القانون اتباعها لتحقيق غاية أساسية أو حماية مصلحة معتبرة، ويترتب على مخالفتها بطلان الإجراء أو القرار، بينما الإجراء غير الجوهري (الثانوي) هو ما يضعه القانون للتوجيه أو التنظيم ولا يترتب على تخلفه بطلان طالما تحققت الغاية الأساسية منه.
فالإجراء الجوهري هو: العمل الإجرائي الذي فرض القانون مراعاته بشكل صارم، ويترتب على مخالفة او اغفال هذا العمل بطلان العمل أو سقوطه، لان العلة من فرض القانون القيام بهذا او مراعاته هو حماية المصلحة العامة أو صيانة حقوق الدفاع والخصوم مثل النطق بالحكم في جلسة علنية او سرية المداولة.
اما الإجراء غير الجوهري (الثانوي) فهو: العمل الذي وضعه القانون كإرشادات تنظيمية أو شكلية بحتة لا تمس أصل الحقوق، ولا يترتب على مخالفته أي بطلان، ويجوز تصحيحه أو تجاوزه، وعلة ذلك هو تسهيل العمل القضائي دون ترتيب جزاء صارم على السهو أو التخلف.
الوجه الرابع: بطلان اسباب الحكم المؤثر في نتيجته:
منطوق الحكم هو نتيجة الحكم التي تبنى على اسباب الحكم التي تعد المقدمات المنطقية للمنطوق، ويتضمن منطوق الحكم ما قضت به المحكمة في الطلبات المقدمة إليها.
وتتم صياغة منطوق الحكم على هيئة فقرات تبين فصل الحكم في طلبات الخصوم، ويجب ان تكون فقرات منطوق الحكم واضحة تبين الشيء المحكوم به بوضوح ودقة، ومنطوق الحكم هو الجزء الأهم من مدونة الحكم، فهو الجزء الذي تتجه اليه أنظار الخصوم ومحكمة الطعن.
ومنطوق الحكم من اسمه عبارة: عن إفصاح القاضي بالحكم في القضية، ولذلك يجب أن يتضمن منطوق الحكم القضاء أو الفصل في طلبات القضية، لأن المنطوق هو الحيز المخصص في مدونة الحكم لبيان حكم القاضي في القضية أي في طلبات الخصوم.
واذا اعترى البطلان أسباب الحكم فانه يتم تطبيق قاعدة ما بني على باطل فهو باطل المقررة في نصوص قانون المرافعات السابق عرضها وتبعا لذلك فان نتيجة الحكم التي قامت على تلك الاسباب تكون باطلة ايضا لان ما بني على باطل فهو باطل.
اما اذا لم يبن منطوق الحكم او النتيجة على الاسباب الباطلة وكانت النتيجة موافقة للشرع والقانون واوراق القضية وكانت هناك اسباب اخرى صحيحة كافية لبناء النتيجة او المنطوق عليها فان محكمة الطعن تتولى تصحيح الاسباب الباطلة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ312)، والله اعلم.