حكم الإجراء المشوب بعيب في القانون اليمني
حكم الإجراء المشوب بعيب في القانون اليمني
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
من
المعلوم أن الإجراء يكون باطلاً إذا نص القانون على ذلك صراحة مثل النص في المادة (231) مرافعات
على ان عدم مناقشة القاضي لوسائل الدفاع
الجوهري يجعل الحكم باطلا ،وهذا النوع من البطلان الإجرائي هو البطلان الصريح
الذي لايصححه تحقق الغاية المطلوبة من الاجراء ،حسبما هو مقرر في المادة (47) مرافعات،والحالة الثانية: من حالات
البطلان الإجرائي هي حالة إذا تم اغفال أو
مخالفة غرض جوهري حسبما هو مقرر في المادتين (48) مرافعات، ,وتثير التفرقة بين
الجوهري وغير الجوهري اشكاليات عدة ،والواقع أن الغرض الجوهري المقصود في هذا النص
يؤدي إلى عدم تحقق النتيجة المطلوبة من الاجراء ،ولذلك فقد كان من الواجب على
المقنن اليمني إن يدمج حالة البطلان بسبب إغفال الغرض الجوهري مع حالة البطلان بسبب
العيب الذي يشوب الاجراء لأن الغرض
والغاية من الاجراء واحدة حسبما يذهب بعض الباحثين، والإجراء المشوب بعيب لا يكون
باطلاً إذا تحققت منه الغاية المطلوبة، حسبما هو مقرر في المادة (49) مرافعات،
وحسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة
بتاريخ 15/11/2014 م في الطعن رقم (55722) ،الذي ورد ضمن أسبابه: ((اما قول
الطاعنين بوقوع بطلان في إجراءات الحكم المطعون فيه، فهذا النعي غير منتج، لأن
العبرة في صحة الإجراء من عدمه بالنتيجة من ذلك الإجراء، ولما كانت النتيجة صحيحة
فإن ما سبق من إجراء غير مؤثر، لأن النتيجة كانت صحيحة)) ،وسيكون تعليقنا على هذا
الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: البطلان المشوب بعيب في قانون المرافعات اليمني:
نصت
المادة (49) مرافعات على أنه (يقع باطلاً كل إجراء مشوب بعيب لم تتحقق منه الغاية
المطلوبة) ،ويظهر من هذا النص أن الإجراء الباطل في هذا النص يختلف عن البطلان
االصريح المقرر في المادة (47) مرافعات التي نصت على أنه (يقع باطلاً كل إجراء نص
القانون صراحة على بطلانه) ، فالإجراء المشوب بعيب يفهم من صياغته في المادة (49)
أنه لا يكون باطلاً إلا إذا تخلفت الغاية
المقصودة من الاجراء أو الشكل اما إذا تحققت الغاية فأنه يكون صحيحاً مثلما قضى الحكم محل تعليقنا،بيد
أن البطلان بسبب عيب في الإجراء يشابه البطلان بسبب إغفال الغرض الجوهري ،لان الغرض والغاية متشابهان.
وبشان
بطلان الإجراء المشوب بعيب فقد اخذ قانون المرافعات اليمني بمذهب التوفيق بين
اعتبارين: الأول: ضرورة إحترام الشكل الذي يفرضه القانون للعمل الإجرائي،
والإعتبار الثاني: عدم التضحية بالحق الموضوعي بسبب تخلف الشكل ،فلا يجوز أن يهدر الحق الموضوعي
نتيجة بطلان الإجراءات التي هي بمثابة وسيلة لحماية الحق الموضوعي، ونتيجة لذلك
فإن القانون لا يرتب البطلان على أي عيب يشوب العمل الإجرائي إلا إذا لم تتحقق الغاية المقصودة من الاجراء، فعدم
تحقيق الغاية من الإجراء أو تحققها هو المعيار الذي بمقتضاه يتم الحكم بالبطلان
أو عدمه.
والغاية
المقصودة من الإجراء ليست تلك الغاية الشخصية التي يرمي إليها الشخص من قيامه
بعمله ،فالعمل الذي يقوم الموظف به من المفروض أن لا غاية له من ذلك العمل سوى القيام بوظيفته التي حددها
القانون، فإن كانت له غاية أخرى فأنه ينبغي عدم الإعتداد بها لتقرير صحة العمل،
فلا يمكن القول بأن العمل صحيح لمجرد أنه حقق غايته الخاصة، فالقانون يقرر أن
الشكل ليس إلا وسيلة لتحقيق غاية معينة في الخصومة، لأن القانون عندما يشترط شكلاً
معيناً إنما يهدف من ذلك تحقيق غاية يحققها من اتباع هذا الشكل ،فعدم الإلتزام
بهذا الشكل يترتب عليه الحكم بالبطلان إلا إذا
تحققت الغاية المقصودة من الشكل او الاجراء.
لهذا
فإن الغاية المقصودة: هي الغاية الموضوعية أي الوظيفة الإجرائية التي أرادها
القانون من العمل من بين مجموعة الأعمال الإجرائية المكونة للخصومة وهذا الرأي هو
الذي أخذت به محكمة النقض الإيطالية التي قضت بأنه (يجب ألا يقصد بالغاية الشخصية
وإنما الموضوعية أي الغاية التي يرمي القانون إلى الوصول إليها بتحديده العمل
الإجرائي لكي يمكن إنتاج آثاره القانونية وبعبارة أخرى وظيفة العمل الإجرائي)، ويقع
عبء إثبات تحقق الغاية من الاجراء على عاتق من يتم التمسك ضده بالبطلان، فعليه أن يثبت أنه رغم
تخلف الشكل الذي اشترطه القانون فإن الغاية منه قد تحققت. (التعليق على قانون
المرافعات، د.أحمد مليجي، ص541).
الوجه الثاني: الاجراء المشوب بعيب في بعض القوانين:
نصت بعض القوانين العربية على أن الإجراء يكون
باطلاً إذا نص القانون على ذلك أو إذا كان الإجراء الذي تم إغفاله جوهرياً إلا
أنها نصت بعد ذلك بنص واضح وصريح بانه (لا
يحكم بالبطلان رغم النص عليه إذا ثبت تحقق الغاية من الإجراء).
وهناك
قوانين عربية أخرى كالقانون الكويتي والأردني تنص على أن (يكون الإجراء باطلاً إذا
نص القانون على بطلانه أو إذا شابه عيب جوهري ترتب عليه ضرر للخصم ولا يحكم
بالبطلان رغم النص عليه إذا لم يترتب على الإجراء ضرر للخصم ،حسبما ورد في المادة
(19) من قانون المرافعات الكويتي والمادة (24) من قانون أصول المحاكمات المدنية
والتجارية الأردني، وهذه القوانين جعلت تحقق الغاية من الاجراء هي الضابط والمعيار
للحكم ببطلان الإجراء من عدمه.
فهذه
القوانين توسعت في التوفيق بين اعتبارين
إحترام الشكل الذي يفرضه القانون للعمل الإجرائي وعدم التضحية بالحق الموضوعي
نتيجة بطلان الإجراءات التي هي بمثابة وسيلة لحماية الحق الموضوعي.
الوجه الثالث: لا يصح البطلان الصريح ولو تحققت الغاية المطلوبة منه في القانون اليمني:
نصت
المادة (47) مرافعات ىمني على أنه (يقع باطلاً كل إجراء نص القانون صراحة على
بطلانه) ،ويتحقق هذا البطلان االصريح ٠حينما
يصرح القانون ذاته بأن الاجراء باطل ،فقد وردت في بعض النصوص القانونية المنظمة للمرافعات عبارة
(وألا كان العمل باطلاً) مثل النص في المادة.(231)مرافعات على ان عدم مناقشة
القاضي لوسائل الدفاع الجوهري يجعل الحكم باطلا، فمتى نص القانون صراحة على
بطلان إجراء معين، ففي هذه الحالة يمتنع على القاضي البحث عن أهمية الإجراء أو
الوضع الشكلي الذي خالف النص، إذ أن الضرر مفترض في هذه الحالة وان القانون قد
افترض أن الغاية المطلوبة من النص لم تتحقق.
الوجه الرابع: البطلان بسبب إغفال أو مخالفة الغرض الجوهري:
نصت المادة (48) مرافعات يمني على أنه (يقع باطلا كل إجراء اغفل او جاء مخالفا لغرض جوهري)، والواقع أن إغفال الغرض الجوهري يؤدي إلى عدم تحقق الغاية المطلوبة من الإجراء ،ولذلك فقد كان حرياً بالمقنن اليمني عدم النص على البطلان بسبب إغفال الغرض الجوهري في نص مستقل،فكان ينبغي على المقنن اليمني أن يدمج البطلان بسبب إغفال الغرض الجوهري مع البطلان بسبب الإجراء المشوب بعيب ،وذلك في نص واحد ،فيكون النص الجامع لحالتي البطلان المشار اليهما هو: (يقع باطلاً كل إجراء مشوب بعيب جاء مخالفاً أو أغفل غرضاً جوهرياً إذا لم تتحقق الغاية المطلوبة منه). (البطلان في قانون المرافعات اليمني، د.سحر عبداللطيف المقطري، ص85)، والله أعلم.
![]() |
| حكم الإجراء المشوب بعيب في القانون اليمني |

تعليقات
إرسال تعليق