إبطال القسمة بسبب الحيلة
![]() |
| إبطال القسمة بسبب الحيلة. |
نصت المادة (16) من قانون الإثبات اليمني على أنه (لا تسمع الدعوى من المقاسم أو وارثه في قسمة مستوفية شروط صحتها إلا من القاصر بعد بلوغه والغائب بعد حضوره وبشرط أن لا تمضي سنة من وقت البلوغ أو الحضور) ، ووفقاً لهذا النص فإن القسمة الرضائية التي لا تسمع الدعوى بشأنها: هي القسمة الرضائية الصحيحة المستوفية أركانها وشروطها ، فإذا انطوت القسمة الرضائية على حيلة فأنها لا تكون صحيحة كإخراج أموال كثيرة من التركة على أنها مكتسب للذكور دون النساء، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 26-11-2016م في الطعن رقم (58466)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي قضى (بأن دفع الدعوى بسبق القسمة دفع بقسمة أساسها التواطؤ والحيلة ،وهو عمل باطل وهي قسمة ما سمي بالمكتسب كيداً بالنساء ومكراً بهن واستغلال ضعفهن وعدم معرفتهن بأحكام الشريعة والقانون، لذلك فلا صحة لتلك القسمة التي هي في الحقيقة إستيلاء الذكور من الورثة على مخلف المورث بالحيلة والمكر لحرمان النساء من حقهن الشرعي ، لذلك فلا حجة في محررات التنازل التي تمت حيلة ومكر المدعى عليهم بقصد الاستحواذ على التركة) ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (بعد الإطلاع على ملف القضية والحكم الاستئنافي بإلغاء الحكم الابتدائي وبطلان القسمة المؤرخة.... وما ترتب عليها وإجراء القسمة الجبرية لمخلف.... بين جميع الورثة، فقد وجدت الدائرة: أن حكم الاستئناف هو الصحيح والموافق للشرع والقانون لما علل به واستند إليه فيما قضى به)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: ماهية القسمة الصحيحة التي لا يجوز إبطالها:
القسمة التي لا يجوز المطالبة بإبطالها: هي القسمة المستوفية أركانها وشروطها حسبما ورد في المادة (16) إثبات، والقانون الذي حدد أركان وشروط القسمة الشرعية هو القانون المدني، الذي نص في المادة (1200) على أن (القسمة عقد لازم لجميع الشركاء فلا يجوز لأحدهم الرجوع فيه إلا برضاء سائر الشركاء أو بحكم القضاء، وإذا كان بينهم ناقص أهلية فيقوم مقامه وليه أو وصيه، وإذا كان بينهم غائب فيقوم مقامه وكيله، فإذا لم يكن لناقص الأهلية أو الغائب من ينوب عنه نصب عنه القاضي، وكذلك إذا تمرد أحد الشركاء نصب عنه القاضي)، وفي نهاية المادة (1211) مدني نصت على أنه (لا تجوز قسمة إختيارية فيها قاصر أو مجنون أو غائب).
وبما أن المادة (1200) مدني السابق ذكرها قد صرحت بان القسمة الرضائية عقد بين الورثة المتقاسمين ، لذلك فإن أركان القسمة ثلاثة هي الركن الاول: صيغة عقد القسمة : وهي الإيجاب والقبول المتبادل بين الورثة ورضاهم بالقسمة، والركن الثاني: المتقاسمون وهم (المتعاقدون) وهم الورثة الذين قبلوا بإجراء القسمة، والركن الثالث: وهو محل القسمة: وهي تركة المورث، واشترط الفقه الإسلامي في كل ركن من أركان القسمة شروطا معينة.
ففي صيغة عقد القسمة اشترطا الفقه الاسلامي والقانون أن يتفق جميع الورثة على إجراء القسمة فإذا امتنع أحدهم فلا يجوز إجراء القسمة الرضائية ، وإنما يتم سلوك طريق القسمة الجبرية، وكذا يشترط رضاء جميع الورثة على إجراء القسمة الرضائية أو الإختيارية، ويشترط ان لا يشوب ارادتهم أي عيب من عيوب الارادة.
ويشترط في الورثة المتقاسمين باعتبارهم المتعاقدين في عقد القسمة أن تتوفر فيهم جميعاً الأهلية القانونية والشرعية وهي: البلوغ والعقل وإنعدام الإكراه أو الضرورة، فإذا كان من بين الورثة مجنون أو صبي فلا تصح القسمة الاختيارية أو الرضائية، لانه لايعتد شرعا وقانونا برضاء القاصر، ففي هذه الحالة يتم اللجوء إلى القسمة الجبرية.
ويشترط في محل القسمة وهي: اموال التركة المطلوب قسمتها : يشترط فيها أن تكون جميع هذه الأموال مملوكة للمورث، وليست من أملاك الوقف أو المال العام أو من أملاك الغير المؤجرة للمورث أو من الاموال المودعة أو المرهونة أو المؤجرة للمورث، كما يشترط في أموال التركة كمحل لعقد القسمة أن تكون اموال التركة مشروعة وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية والقانون، فلا تجوز قسمة أموال المورث التي سبق له أن قام بسرقتها أو غصبها من أموال الوقف أو الدولة أو الغير،وكذلك لاتجوز قسمة اموال المورث المتحصلة من طرق محرمة كالاموال التي حصل عليها المورث من الرشوة أو النهب أو الغصب وغيرها من الأموال المتحصلة من طرق محرمة وفقا لأحكام الشريعة والقانون.
فإذا تحققت أركان وشروط عقد القسمة على النحو السابق بيانه فإن القسمة تكون صحيحة لا يجوز الرجوع فيها أو المطالبة بإبطالها وإعادة القسمة الا إذا تم ذلك برضاء جميع الورثة المتقاسمين.
فالقسمة الصحيحة المستوفية لأركانها وشروطها تكون عقدا لازماً لا يجوز الرجوع فيه ، حسبما صرحت المادة (1200) مدني السابق ذكرها، أما إذا لم تتحقق أركان وشروط القسمة السابق ذكرنا فإن عقد القسمة يكون باطلاً يجوز المطالبة بالتقرير أو الحكم بإبطاله حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه الثاني: الحيلة المبطلة للقسمة الرضائية:
الحيلة: هي إستخدام طرق إيجابية إحتيالية من شأنها التأثير على إرادة المقاسم أو الوارث مثل إخفاء بعض أموال التركة أو قصر القسمة على بعض أموال التركة على اساس أن الاموال المجنبة من القسمة ليست مملوكة للمورث في حين انها من اموال المورث ، مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا.
ولا شك أن الحيلة المبطلة للقسمة هي الحيلة المؤثرة في مقدار نصيب الوارث التي من شأنها إلحاق الغبن في نصيب الوارث أو انصبة الورثة شريطة ان تبلغ نسبة النقص في نصيب الوارث العشر اي عشرة في المائة قياسا بنصيب المقاسم أو الوراث المماثل له ،او إذا كانت نسبة الأموال المجنبة من التركة على سبيل الحيلة قد بلغت عشر التركة أي عشرة في المائة من اموال التركة، بإعتبار نسبة الغبن المقررة في أحكام العقد في القانون المدني هي العشر حسبما هو مقرر في المادة (181) مدني.
الوجه الثالث: إمكانية تصحيح القسمة الباطلة لانطوائها على الحيلة بدلاً من الحكم بإبطالها كلها :
مبدأ الإقتصاد في الإجراءات وعدم الهدر الإجرائي يقتضي أن يقتصر إبطال الإجراء الباطل فقط في القسمة دون إبطال إجراءات القسمة الأخرى الصحيحة، ومؤدى ذلك أنه إذا كان قد تم تجنيب بعض اموال التركة على سبيل الحيلة فلايتم إبطال القسمة كلها وانما تتم قسمة الاموال التي تم تجنيبها للاستحواذ عليها من التركة عن طريق الحيلة أو الأموال التي تم تجنيبها من التركة، حيث تتم قسمة الأموال المجنبة من التركة على سبيل الحيلة فتتم قسمة هذه الأموال بين الورثة بحسب الإجراءات الصحيحة التي تم إتباعها عند إجراء القسمة الأولى التي تم إبطال جزء منها أو اجزاء منها، وفي هذا الشأن نصت المادة (204) مدني على أنه (إذا كان العقد غير صحيح في بعض متميز منه فهذا البعض وحده هو الذي يبطل إلا إذا تبين أن العقد ما كان ليتم بغير البعض الذي ثبت عدم صحته فيبطل كله)، كما يجوز تصحيح القسمة إذا ترتب عليها غبن وصل إلى 10% ، فيتم التصحيح عن طريق جبر النقص الذي لحق بالمقاسم المضرور حسبما هو مقرر في المادة (181) مدني.
الوجه الرابع: تحصن القسمة من الإبطال:
حتى تستقر المراكز الشرعية والقانونية للورثة المتقاسمين فأنه ينبغي أن لا تظل القسمة مهددة بطلب إبطالها إلى مالا نهاية، ولذلك فأنه يجب أن يتم تحديد أجل معين للمطالبة بإبطال القسمة إذا لم تكن صحيحة، وفي هذا الشأن نصت المادة (202) مدني على أنه (إذا لم يتمسك أحد ببطلان العقد الباطل أصلاً ولم تحكم المحكمة ببطلانه وبقي المتعاقدان عليه لمدة خمس وعشرين سنة مع عدم المانع وكان محله مالاً أو منفعة فلا تسمع الدعوى مالم يكن العقد محرماً شرعاً كما نصت المادة التي قبلها).
الوجه الخامس: إمكانية إجازة القسمة الباطلة بسبب الحيلة:
كان جانب من النقاش في الحكم محل تعليقنا قد تناول إمكانية تصحيح عقد القسمة الباطلة بسبب الحيلة، حيث ذهب الحكم محل تعليقنا إلى عدم صحة إجازة النساء للقسمة التي انطوت على حيلة عليهن، لأن الورثة الذكور استغلوا ضعف النساء وجهلهن في الحصول على الإجازة منهن للقسمة، وذهب الحكم محل تعليقنا إلى أن الإجازة الصادرة من النساء باطلة، لان ذلك بمثابة تنازل من النساء لاقاربهن ، وهذا القضاء صحيح، فقد استقر القضاء اليمني منذ 1942م على عدم جواز تنازل النساء لأقاربهن عن انصبتهن أو بعض انصبتهن في التركة لمظنة جهل النساء وخوفهن وحرجهن من اقربائهن إلا إذا قبضن القيمة بالفعل وكان تقدير القيمة بواسطة خبيرين عدلين ، وقد سبق لنا التعليق على هذه المسألة بتعليق سابق بعنوان تنازل النساء لاقاربهن.
اما الإجازة من الورثة الذكور للقسمة الباطلة فهي نافذة وفقاً للحكم العام المقرر في المادة (199) مدني التي نصت على ان (يزول حق إبطال العقد بالإجازة الصريحة أو الضمنية ممن يملك الحق في إبطال العقد وتستند الإجازة إلى التاريخ الذي تم فيه العقد دون إخلال بحقوق الغير الذين تلقوها قبل الإجازة)، والله أعلم.
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
مقالات ذات صلة:
