تجزئة نصيب الوارث مبطل للقسمة
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون –
جامعة صنعاء
في
حالات كثيرة يقوم القسام بتجزئة نصيب الوارث الواحد إلى اجزاء متفرقة مبعثرة في
أموال واصناف التركة كلها وفي مناطق متفرقة بقصد التحايل على بعض الورثة للتقليل من فائدة وقيمة نصيبهم
الشرعي، ولأهمية هذه المسألة فقد اخترنا التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة
الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 19/2/2013م في الطعن رقم
(47330) وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم :أنه تم الاتفاق بين ورثة على
تعيين قسام لتولى قسمة تركة مؤرثهم حيث قام القسام بتجزئة الثمن فريضة أرملة
المؤرث إلى اجزاء صغيرة في منازل وقطع زراعية في مناطق متفرقة متباعدة، فقامت
الارملة برفع دعوى على بقية الورثة وهم
ابناء زوجها لانها لم تكن امهم حيث رفعت دعواها أمام المحكمة الابتدائية طلبت فيها
ابطال القسمة لانها قسمة ضرار جزئت فريضتها الشرعية الى ذراعات واشبار من الأرض
الزراعية والدور وهي أرملة لا والد لها ولا ولد ولا تستطيع الاشراف أو المتابعة أو
الانتفاع بتلك الاجزاء المتفرقة القليلة الأهمية والقيمة والمنفعة وطلبت جمع نصيبها إلى مواضع تمكنها من الانتفاع بها حقيقة أو جمع ثمن
تلك الاجزاء، وقد توصلت المحكمة الابتدائية إلى الحكم ببطلان القسمة واخراج نصيب
المدعية من واقع الاثمان الواردة في كشف حصر
التركة والحكم باستحقاق المدعية نصيبها من المعمورات كامل الطبقة الثانية
من البيت الكائنة في قرية ... وتكليف مندوب من المحكمة والأمين الشرعي لمنطقة...
بإخراج نصيب المدعية من الأرض الزراعية حسب الاثمان الواردة في القسمة الباطلة)
وقد ورد ضمن أسباب الحكم الابتدائي: أنه قد تبين للمحكمة أن نصيب المدعية قد جاء
متفرقا على اجزاء صغيرة في الأراضي الزراعية والمعمورات وأن بقية الورثة متمسكون
بفروزهم اضرارا بالمدعية التي كان من الواجب اخراج نصيبها في المعمورات والأراضي
الزراعية الى جهة واحدة معلومة) فلم يقبل بقية الورثة اولاد المورث لم يقبلوا بالحكم الابتدائي لان الأرملة التي ورثت الثمن
من أبيهم لم تكن أمهم فقاموا باستئناف الحكم الابتدائي إلا أن الشعبة الشخصية قضت
بتأييد الحكم الابتدائي فلم يقبل بقية الورثة اولاد المتوفي بالحكم الاستئنافي
فقاموا بالطعن فيه بالنقض إلا أن الدائرة الشخصية رفضت الطعن وأقرت الحكم
الاستئنافي، وقد ورد في أسباب حكم المحكمة العليا (اما من حيث الموضوع فقد ناقشت
الدائرة ما اثاره الطاعنون من اسباب في عريضة الطعن، وقد وجدت الدائرة أن تلك
الاسباب في مجملها تتعلق بوقائع النزاع وقد تمت مناقشتها من قبل المحكمة
الاستئنافية باستفاضة وتوصلت محكمة الاستئناف في حكمها إلى نتيجة صحيحة موافقة للشرع
والقانون بتأييدها ما قضى به الحكم الابتدائي ولا قبول للأسباب الواردة في عريضة
الطعن لعدم استنادها لاي حالة من الحالات الواجب توفرها في الطعن بالنقض) وسيكون
تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية :
الوجه الأول : تجزئة نصيب الوارث وبعثرته والهدف من ذلك :
بغرض الحيلة على بعض
الورثة يتم في حالات كثيرة
تجزئة نصيب الوارث في أموال التركة جميعها حتى يصير نصيب الوارث لاقيمة له فلا يساوي شيئاً وغير مفيدً اومجدي للوارث حيث
يصير نصيبه جزءً يسيرا من المال لا يستطيع الانتفاع به أو استغلاله، كما أنه لا يستطيع
التصرف به بثمن يساوي الحق، ولذلك يضطر الوارث إلى بيعه الجزء الذي صار له إلى
صاحب الجزء الاكبر، ولا ريب أن تجزئة نصيب الوارث على كل أموال التركة أمر اعتيادي
لان القسمة تعني تقسيم وتجزئة كل أموال التركة على جميع الورثة ولكن هذا يكون في
المرحلة الأولى من القسمة التي يتم فيها حصر اموال التركة وتثمينها ثم تحديد انصبة
الورثة من كل اموال التركة اي تقسيم أموال التركة على جميع الورثة بحسب ما ورد في
كشف حصر أموال التركة ومساحتها وتثمينها حيث يتم فرز هذه الأموال وتقسيمها كلها
على جميع الورثة بحسب الانصبة الشرعية حتى لو كانت اجزاء صغيرة لكن بعد ذلك يتم
تطبيق قواعد التخارج حيث يتم جمع الاجزاء التي تخص كل وارث إلى موضع واحد بحسب
قيمة هذه الاجزاء المتفق عليها في كشف الحصر والتثمين حيث يتراضى على ذلك فان تعذر
فتتم القرعة بينهم، اما في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا فان الظاهر أن
القسام كان قليل الخبرة فقد قام بقسمة التركة على أساس كشف تحديد الانصبة التي
يتضمن نصيب كل وارث على هيئة اجزاء صغيرة في كل اموال التركة، وفي كل الأحوال فانه
عند التخارج بين الورثة عن طريق جمع الاجزاء التي تخص كل وارث إلى مواضع معلومة فأنه
ينبغي مراعاة نوع المال وقيمته وما اذا كان منتكلاً أو مثقلاً بالتزامات للاجير أو
الغير وما اذا كان متنازعاً عليه أو يقع في منطقة بعيدة أو لا يستطيع الوارث
التصرف فيه وغير ذلك من الاعتبارات.
الوجه الثاني : تجزئة نصيب الوارث في القانون المدني :
نظم القانون المدني
القسمة واجراءاتها وقد صرح بعدم جواز القسمة اذا كان فيها ضرر على الورثة أو بعضهم
حيث نصت المادة (1201) على أنه (اذا كان يترتب على القسمة ضرر على المتقاسمين أو
بعضهم فلا يجابون اليها ولا يقسم ما يترتب على قسمته ضرر إلا أذا رضى به جميع
المتقاسمين) وبناءً على ذلك فأن ثبت أن تجزئة الانصبة وبعثرتها إلى اجزاء صغيرة
مثلما حصل في القضية محل تعليقنا حيث تم تحديد نصيب أرملة المؤرث إلى أذرع واشبار
فاذا ثبت ان في ذلك ضرر فيتم تطبيق حكم المادة السابقة ويجوز لأي من الورثة
المطالبة بإعادة القسمة ولو كان موافقاً عليها، كما أن القانون المدني قد قرر
المعالجة الصائبة اذا كانت القسمة العينية تتضمن الضرر بالورثة حيث جعل القانون
بيع العين وتقسيم ثمنها هو الحل دفعاً للضرر حيث نصت المادة (1202) على أنه (اذا
كان المال المشترك عيناً لا تقبل القسمة وكان في المهايأة فيها ضرر فتباع ويقسم
ثمنها على الشركاء فيها كل بقدر حصته ويجبر المتمرد ويقدم الشريك في الشراء).
الوجه الثالث : مدى تقادم القسمة التي تتضمن تجزئة نصيب الوارث :
حدد قانون الاثبات
مدة تقادم القسمة مطلقاً حيث نصت المادة (16) على أنه (لا تسمع الدعوى من المقاسم
أو وارثه في قسمة مستوفية شروط صحتها إلا من القاصر بعد بلوغه والغائب بعد حضوره
وبشرط أن لا تمضي سنة من وقت البلوغ أو الحضور) ومن خلال استقراء هذا النص يظهر أن
القانون قد جعل القسمة المستوفية الشروط عقد لازماً بالنسبة للبالغ العاقل الحاضر
اثناء القسمة فلا يجوز له مطلقاً الادعاء ببطلان القسمة، وعند تطبيق هذا المفهوم
على تجزئة نصيب الوارث فاننا لا نستطيع القول بأن تلك القسمة غير شرعية أو غير
مستوفية للشروط لانها قسمة تمت لكل أموال التركة على جميع الورثة بحسب الانصبة
الشرعية حيث اخذ كل وارث من كافة أموال التركة بحسب نصيبه الشرعي، فليست تجزئة
نصيب الوارث او عدمها ركن او شرط في
القسمة باعتبارها عقدا مثل غيره من العقود ، فلو قلنا ان دعوى بطلان القسمة في هذه
الحالة لا تتقادم لما استقرت قسمة لا سيما القسم القديمة التي كانت تعتمد على
تقسيم كل أموال التركة على جميع الورثة كلاً بحسب نصيبه الشرعي دون اعتبار للاجزاء
التي تصير للورثة في الأموال، وقد كان يتم تجاوز اضرار التجزئة والبعثرة لانصبة
الورثة عن طريق المناقلة للأموال بالتراضي فيما بين الورثة أو عن طريق البيع من
صاحب الجزء الصغير لصاحب الجزء الصغير، وقد استقرت أحكام المحكمة العليا في اليمن
على الزام الممتنع عن معالجة الضرر ورفعه في هذه الحالة بإلزام بالبيع، وقد لاحظنا
في التعليق على حكم المحكمة العليا بإلزام الوارث لربع حمام في الطابق المملوك
لوارث واحد الزامه ببيع ربع الحمام لمالك ثلاثة أرباع الحمام والطابق الذي يوجد
فيه الحمام، والله اعلم.
