الإدعاء بالصلح أثناء نظر دعوى البطلان
الإدعاء بالصلح أثناء نظر دعوى البطلان
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
دعوى بطلان حكم التحكيم: دعوى إجرائية يتم رفعها أمام محكمة الاستئناف التي يقتصر دورها على التحقق من مدى وجود حالات بطلان حكم التحكيم المنصوص عليها في المادة (53) من قانون التحكيم اليمني، فطبيعة دعوى بطلان حكم التحكيم تقتضي أن يقتصر دور محكمة الاستئناف على مباشرة إجراءات الرقابة القانونية للتأكد من تحقق حالة أو حالات البطلان المدعى بها دون أن تخوض محكمة الاستئناف في الموضوع بإعتبار أن محكمة الاستئناف بالنسبة لدعوى البطلان محكمة قانون، فإذا رد المدعى عليه بالبطلان أمام محكمة الاستئناف بأن هناك إتفاق صلح فيما بينه وبين المدعي بالبطلان ولم يوافقه المدعي على ذلك ، فلا يجوز لمحكمة الاستئناف الخوض في هذا الادعاء، لأن هذا الادعاء يحتاج إلى تحقيق موضوعي، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 31-10-2010م في الطعن رقم (40512)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: ((وحيث تبين أن ما أورده الطاعن في السبب الأول من أسباب الطعن في محله ، كون الدعوى المنظورة أمام الشعبة هي دعوى بطلان حكم التحكيم، وهي دعوى في مضمونها إجرائية تعطي القضاء ولاية النظر في صحة إجراءات التحكيم من عدمه دون الدخول في الموضوع ، طبقاً لحكم المادة (53) تحكيم بشأن حالات البطلان، ومن ثم فإن على محكمة الاستنئناف أن تقرر ما إذا كانت دعوى البطلان مقبولة من عدمه وفقاً لأحكام القانون، وعما جاء في الرد على الطعن من قبل المطعون ضده بأنه توجد وثيقة صلح دفع بها المطعون ضده بعدم قبول دعوى بطلان حكم التحكيم ، فيرد عليه بأن نعي الطاعن على الشعبة عدم خوضها في نظر الصلح دون ولاية لها كان في غير محله، ذلك أن المحكمة الابتدائية هي صاحبة الولاية في نظر النزاع بشان وجود الصلح ، اما الشعبة فتقتصر ولايتها على نظر دعوى البطلان فقط في ضوء الحالات المحددة في المادة (53) تحكيم، وهذا كافٍ للرد على بقية الأسباب مما يعني نقض الحكم))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: دعوى البطلان هي الوسيلة القانونية الوحيدة لمواجهة حكم التحكيم الباطل
ضمن الفصل السابع (الطعن في حكم التحكيم) نصت المادة (53) من قانون التحكيم اليمني نصت المادة (53) على أنه (مع مراعاة أحكام هذا القانون لا يجوز طلب إبطال حكم التحكيم إلا في الأحوال الآتية: -أ- إذا كان أحد أطراف التحكيم فاقد الأهلية. –جـ- إذا كانت الإجراءات غير صحيحة –د- إذا تجاوزت لجنة التحكيم صلاحياتها –هـ- إذا تم تشكيل لجنة التحكيم بصورة مخالفة لإتفاق التحكيم –و- إذا لم يكن حكم التحكيم مسبباً –ز- إذا خالف حكم التحكيم أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام، وفيما عدا هذه الاحوال والأحوال المبينة في هذا القانون فإن أحكام التحكيم التي تصدر وفقاً لهذا القانون لا يجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية) ، ومن خلال صيغة هذا النص يظهر أنه قد جعل دعوى بطلان حكم التحكيم هي الوسيلة الوحيدة لمواجهة حكم التحكيم الباطل.
الوجه الثاني: مدى إنعدام حكم التحكيم
يدور نقاش واسع في اليمن في هذا الشأن، فهناك فريق يذهب إلى أن الإنعدام وصف قانوني يلحق الأحكام القضائية فقط ، وحجتهم في ذلك المادة (55) مرافعات التي نصت على أن (الإنعدام وصف قانوني يلحق العمل القضائي)، فلا يتناول هذا النص عمل المحكمين، كذلك استدل هؤلاء بالمادة (56) مرافعات التي نصت على أنه (إذا تعلق الإنعدام بحكم قضائي أياً كانت المحكمة أو الهيئة التي اصدرته..) فهذا النص أيضاً قصر الإنعدام على الاحكام القضائية دون احكام التحكيم، ويحتج لهؤلاء بالمادة (53) تحكيم التي ادرجت ولاية المحكم ضمن حالات البطلان، وهي الحالة (أ) إذا لم يوجد إتفاق تحكيم أو انتهت مدته أو كان باطلاً وفقاً للقانون، فقد صرحت المادة (53) تحكيم على أن الإنعدام بالنسبة لحكم التحكيم (ولاية المحكم)يندرج ضمن حالات البطلان وليس الإنعدام، وبناء على ذلك فليس هناك انعدام بالنسبة لحكم التحكيم.
في حين يذهب فريق اخر إلى أن الإنعدام وصف قانوني يلحق الحكم عامة سواءً الحكم القضائي أو حكم التحكيم.
أما موقف المحكمة العليا في اليمن من إنعدام حكم التحكيم فإن المحكمة قد ذهبت في كثير من أحكامها إلى أن مفهوم الإنعدام لا يلحق حكم التحكيم، وقد صدرت من المحكمة العليا عدة أحكام في هذا الشأن ، بيد أن هناك بضعة أحكام صدرت عن المحكمة العليا قضت فيها بأن الإنعدام يلحق حكم التحكيم، وقد سبق لنا التعليق على احدها.
الوجه الثالث: محكمة الاستئناف بالنسبة لدعوى البطلان تكون محكمة قانون
من الفروق الجوهرية بين الطعن بالاستئناف ودعوى بطلان حكم التحكيم أن محكمة الاستئناف تكون بالنسبة لدعوى بطلان حكم التحكيم محكمة قانون يقتصر دورها على التحقق من مدى توفر حالات البطلان المدعى بها وفقاً لحالات البطلان المحددة في المادة (53) تحكيم، إذ تتقيد محكمة الاستئناف بذلك مثلها في ذلك مثلما تتقيد المحكمة العليا (محكمة القانون) بحالات الطعن بالنقض المحددة في المادة (292) مرافعات.
أما في حالة الطعن بالاستئناف فإن محكمة الاستئناف تكون محكمة موضوع يعاد طرح النزاع أمامها في حدود ما قضت به محكمة أول درجة، وفقا لما ورد في المادة (288)مرافعات.
ومقتضى كون محكمة الاستئناف محكمة قانون بالنسبة لدعوى بطلان حكم التحكيم مقتضى ذلك أن لا تخوض محكمة الاستئناف في موضوع الخصومة التحكيمية ، وإنما يقتصر دورها على الجانب الإجرائي للتحقق من مدى توفر حالات البطلان المدعى بها دون خوض في موضوع النزاع حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
وعلى هذا الأساس فلا يجوز لمحكمة الاستئناف عند نظرها دعوى البطلان أن تقبل طلبات موضوعية بما في ذلك الإدعاء بالصلح بين طرفي دعوى البطلان ، لأن ذلك يتنافى مع طبيعة دور محكمة الاستئناف بالنسبة لدعاوى البطلان، فضلاً عن أن ذلك يتناقض مع مبدأ التقاضي على درجتين.
الوجه الرابع: جواز الصلح اثناء نظر محكمة الاستنئناف لدعوى بطلان حكم التحكيم
اذا كان من المقرر عدم جواز ان يدعي المدعى عليه في مواجهة دعوى البطلان أن يدعي بوجود صلح فيما بينه وبين المدعي بالبطلان، لأن ذلك يحتاج إلى تحقيق موضوعي ، وذلك يتنافي مع الطبيعة القانونية لدعوى بطلان حكم التحكيم باعتبارها دعوى اجرائية ، ويتنافي مع الدور المنوط بمحكمة الإستئناف عند نظرها في دعوى البطلان ، اذ تكون محكمة الاستنئناف في هذه الحالة محكمة قانون ، فضلا عن ان الادعاء بالصلح امام محكمة الاستئناف يتنافى مع مبدأ التقاضي على درجتين.
اما بالنسبة للصلح بين الطرفين المدعي بالبطلان والمدعى عليه أثناء نظر محكمة الاستنئناف لدعوى البطلان فذلك جائز، لأن الصلح يجوز في أي مرحلة من مراحل القضية ،ويكون الصلح امام محكمة الاستئناف إذا كان موافقا لحكم التحكيم يكون بمثابة تنازل من المدعي بالبطلان عن دعواه ،واذا كان ماورد في الصلح مخالفا لمنطوق حكم التحكيم ،فان الصلح يكون بمثابة تنازل من المحكوم له عن حكم التحكيم، لأن مفهوم الصلح في الشريعة والقانون يتضمن الاسقاط والتنازل ، وفي الحالتين يجب على محكمة الاستنئناف أن تقوم باثبات الصلح في محضر جلستها عملا بالمادة (165) مرافعات التي نصت على أنه (فاذا تصالح الخصوم فعليهم أن يثبتوا ماتصالحوا عليه في محضر الجلسة ويحرروا به عقد صلح ويقدموه للمحكمة لإلحاقه بمحضر الجلسة والتصديق عليه ويكون له في جميع الاحوال قوة السند الواجب التنفيذ)، والله اعلم.
![]() |
| الإدعاء بالصلح أثناء نظر دعوى البطلان. |
للمزيد من المعلومات حول دعوى بطلان حكم التحكيم، يمكنك قراءة مقالنا حول قانون التحكيم اليمني. مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين | التعليق على أحكام المحكمة العليا
Tags:
- دعوى بطلان حكم التحكيم
- الإدعاء بالصلح
- محكمة الاستئناف اليمنية
- انعدام حكم التحكيم
- قانون التحكيم اليمني
- حالات بطلان التحكيم
