معنى الخطأ في تطبيق القانون وتأويله

مقال قانوني يشرح معنى الخطأ في تطبيق القانون وتأويله في القانون اليمني

معنى الخطأ في تطبيق القانون وتأويله

من أخطر وأكثر أسباب بطلان الأحكام هو بطلانها بسبب الخطأ في تطبيق القانون وتأويله، ويقع هذا الخطأ بسبب خطأ القاضي في التكييف القانوني لوقائع النزاع ، ويقع الخطأ في التكييف بسبب عدم إحاطة القاضي بوقائع النزاع وعدم فهم القاضي للمعنى الحقيقي للنصوص القانونية التي يطبقها على وقائع النزاع.

 ويترتب على سلسلة هذه الاخطاء كثرة بطلان الاحكام وإعادة المحاكمة من جديد وإطالة اجراءات التقاضي واستنزاف طاقات وامكانيات الخصوم وتعميق النزاع وتعقيده واستحكام العدواة بين الخصوم وتكدير الامن والسلم المجتمعي ، ولذلك فان التكييف القانوني لوقائع النزاع يحتل مركز الصدارة في مقررات وبرامج تأهيل وتدريب القضاة في العالم عدا اليمن الميمون. (التكييف القانوني للوقائع، د. محمد المدني الشريف، جامعة ظفار صلالة سلطنة عمان ٢٠٢٠م، صـ٩٦).

 وقد حدد المقنن لكل واقعة او تصرف او فعل نصوص قانونية موضوعية واجرائية يجب ان يتم تطبيقها عليها ، ولذلك يقع الخطأ في تطبيق القانون عندما يقوم القاضي بتطبيق نص اخر على الواقعة غير النص الذي حدده القانون، في حين يقع الخطأ في تأويل النص القانوني حينما يفهم القاضي معنى النص القانوني على خلاف معناه الظاهر او على خلاف ما ورد في المذكرات الايضاحية للقانون والشروح الفقهية للنصوص القانونية ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠/٣/٢٠١١م ، وذلك في الطعن رقم (٤٣٧٨٧) ، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (فقد وجدت الدائرة ان الطاعن قد رفع الاستئناف في ميعاده المحدد في القانون ،، ولذلك فان قضاء الحكم الاستئنافي برفض الاستئناف شكلا يجعل هذا الحكم مشوبا بالخطأ في تطبيق القانون وتأويله) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول: التكييف القانوني السليم لوقائع النزاع يعصم القاضي من الخطأ في تطبيق القانون وتأويله:

التكييف القانوني هو عملية بحثية يقوم بها القاضي بعد قراره قفل باب المرافعة في القضية . إذ يبدا القاضي بدراسة كافة وقائع النزاع كالدعاوي والطلبات والدفوع والردود والتعقيبات واقوال الشهود والخبراء من خلال دراسة القاضي لأوراق القضية ، وبعد ان يحيط القاضي الاحاطة التامة والدقيقة بوقائع النزاع ينتقل القاضي الى المرحلة الثانية من التكييف وهي جمع ودراسة النصوص القانونية ذات الصلة بوقائع النزاع بقصد الوصول الى التسمية القانونية الصحيحة لوقائع النزاع، لان القاضي لا يتقيد بالمسميات التي يطلقها الخصوم ، وبعد ان يتوصل القاضي الى التسمية القانونية للوقائع فانه يقوم بتطبيق النصوص القانونية التي حددها القانون بالنسبة لكل واقعة من تلك الوقائع.

ونخلص من هذا الوجه الى القول : ان التكييف القانوني السليم لوقائع النزاع يستدعي فهم القاضي الدقيق لوقائع النزاع والنصوص القانونية التي يقوم بتطبيقها على تلك الوقائع.

وهناك طرق واساليب وادوات لتأهيل القاضي وتدريبه على التكييف القانوني السليم بدءا من الترتيب والتصنيف الإلكتروني لإوراق القضية الى جمع النصوص القانونية ذات الصلة وشروحها وتسهيل الرجوع اليها وكيفية عرضها في اسباب الحكم، وكيفية ترتيب الاسباب الواقعية والقانونية للحكم... الخ تلك الطرق والاساليب. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالاستئناف ، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٣٧٦).

الوجه الثاني: معنى الخطأ في تطبيق القانون:

يقصد بالقانون في هذا الصدد القانون بمعناه العام، فيشمل كل قاعدة قانونية عامة مجردة أيا كان مصدرها سواء كان الشرع الاسلامي او القانون الوضعي، أو العرف، أو قواعد العدالة او مبادئ القانون الطبيعي .

ومعنى التطبيق هو وضع شيءٍ على مثله وإخضاع وقائع الدعوى لقاعدة قانونية قائمة ومساواة الموضوع مع القاعدة القانونية بشكل لا يمكن فصمهما.

وقد حدد المقنن لكل واقعة او تصرف او فعل او دليل نصوص قانونية موضوعية واجرائية تنظمه ، فيجب ان يتم تطبيقها عليها ، ولذلك يقع الخطأ في تطبيق القانون عندما يقوم القاضي بتطبيق نص اخر على الواقعة غير النص الذي حدده القانون.

فالنص القانوني هو الذي ينشئ الالتزام القانوني، ويعتبر مصدراً مباشراً له . والنص كذلك هو الذي يعين أركان هذا الالتزام .

والرجوع إلى النص، في كل التزام قانوني هو الذي يبين مدى تحقق هذا الالتزام وتوفر الأركان التي يقوم عليها، لإن القانون هو المصدر المباشر لهذا الالتزام .

والخطأ في تطبيق القانون له صور عدة من اهمها:

1- قيام القاضي بتطبيق نص اخر على الواقعة غير النص الذي حدده القانون.

2- إنكار القاضي وجود قاعدة قانونية موجودة، اذ يتجاهل القاضي تطبيق نص قانوني موجود ينظم الواقعة وينطبق عليها.

3- قيام القاضي بتطبيق نص لاوجود له في القانون مثل القول بعبارة مرسلة ان ما طلبه الخصم يتفق مع القانون دون ان يذكر القاضي النص لعدم وجوده أصلاً.

فالخطأ في تطبيق القانون يكون بتطبيق قاعدة قانونية على الدعوى لا تنطبق عليها، أو تطبيقها عليها بصورة تؤدي إلى نتائج تخالف تلك التي وضعها القانون، نتيجة عدم الفهم الصحيح لوقائع النزاع ونصوص القانون.

والتكييف القانوني لوقائع النزاع يخضع لرقابة محكمة الطعن، فسواء كانت أفكار القاضي محددة قانونا أم غير محددة، أو كان تقديره للوقائع قانونيا أم معنويا، فهو ملزم بتحديد الفكرة أو التكييف القانوني للوقائع، فكل ما يؤدي الى التكييف القانوني يعد مسألة قانونية، فالتكييف ما هو إلا تحديد الاسم القانوني المناسب لوقائع النزاع ؛ فتكييف الدعوى في النهاية هو تطبيق قاعدة قانونية.

وينبغي أن يتضمن حكم محكمة الموضوع في وقائع النزاع النص القانوني الذي حكمت بموجبه؛ إذ عن طريقه تتمكن محكمة الطعن من الرقابة على التطبيق السليم للقانون.

والخطأ في تكييف الوقائع يرجع في الأصل إلى عدم تطابق شقي التكييف القانوني، وهما وقائع الدعوى ومعطياتها التي تستنتجها محكمة الموضوع، ووضع القاعدة القانونية المناسبة لهذه الوقائع، و عدم تطابق هذين الشقين يؤدي بالتالي إلى الخطأ في تطبيق القانون، فالقاعدة القانونية لا تقبل الحلول أو الاستبدال فيما بينها ، فلكل واقعة قاعدة قانونية نطاق ومجال لتطبيقها ، و عندما يخطئ القاضي في وضع القاعدة القانونية الصحيحة فان ذلك يؤدي إلى الخطأ في التكييف القانوني، وبالتالي يؤدي إلى الخطأ في تطبيق القانون.

والخطأ الذي يمكن أن يقال عنه: إنه خطأ في تطبيق القانون هو الخطأ المؤثر الذي يمتد فيؤثر في منطوق الحكم فيبطله، أما الخطأ الذي لا يمتد إلى منطوق الحكم فلا يؤدي الى إبطال الحكم فيمكن تصحيحه ، لانه لا يعد خطأ في تطبيق القانون .

ولاريب إن تطبيق القانون على وجهه الصحيح لا يحتاج إلى طلب من الخصوم، بل هو واجب القاضي الذي عليه - ومن تلقاء نفسه - أن يبحث عن النص القانوني المنطبق على الواقعة المطروحة عليه، وأن ينزل هذا النص عليها.

الوجه الثالث: الخطأ في تأويل القانون:

خطأ القاضي في تأويل النص القانوني وفهمه خطأ ينحـرف به عن التطبيق الصحيح للقانون ، لأن القاضي في هذه الحالة يطبق قاعدة قانونية في غير محلها، مع ان القاضي معني بالرجوع إلى القوانين الموضوعية والاجرائية وإستخراج النصوص القانونية الواجبة التطبيق على وقائع النزاع سواء ذكرها الخصوم او لم يذكروها ، وإذا كانت النصوص القانونية واضحة الدلالة فلا يجوز الأخذ بما يخالفها .

والتأويل يعني صرف ألفاظ النص عن معناه الظاهر إلى معنى آخر يحتمله، وبيان معناه، أو معرفة حقيقة ما يؤول إليه الكلام وأصل معناه، وأنه لا محل للبحث في حكمة التشريع ودواعيه إلا عند غموض النص ، مما يكون معه القاضي مضطرا في سبيل التعرف على الحكم الصحيح إلى تقصي الغرض الذي رمى إليه النص والهدف الذي أملاه .

إن عبارة التأويل تدل على التقدير، والتقدير هو تحديد معنى القاعدة القانونية؛ حتى يمكن تطبيق حكمها على الحالات التي تتوفر فيها شروط إعمال النص القانوني الذي جاءت بها هذه القاعدة المراد تطبيقها.

 ويكون الخطأ في التقدير عندما تعتمد محكمة الموضوع تفسيرا محل خلاف، وترى فيه محكمة الطعن أنه لا يتفق مع المعنى الحقيقي للنص او انه مخالف للمعنى الظاهري للنص.

 ويلحق بالخطأ في تاويل القانون الخطا في تفسير النص القانوني اي تفسير النص قانوني بخلاف المعنى الحقيقي له.

فتفسير القاعدة القانونية أو النص القانوني الغرض منه تحديد المعنى الذي تتضمنه هذه القاعدة ومعرفة نطاقها حتى يمكن الاستدلال بها عندما يتم تطبيقها على الدعوى المعروضة.

والخطأ في تأويل القانون قد يكون موجودا في كل مراحل التكييف القانوني للدعوى؛ حيث يقع خطأ القاضي في هذه العملية المركبة، فهذا الخطأ التقديري بين الدعوى والنص القانوني يؤدي إلى نتائج غير مرضية للمشرع بسبب عدم التطابق بين الدعوى و النص القانوني .

إضافة إلى ذلك فإن التقدير الذي يقوم به قاضي الموضوع لوقائع الدعوى مسألة واقع لا تخضع لرقابة محكمة الطعن بسبب السلطة التقديرية للقاضي على الدعوى المنظورة أمامه؛ إذ تعد مسألة الواقع خاصة بالدعوى المنظورة فقط، فلا فائدة في مراقبتها من المحكمة الأعلى.

وتجدر الاشارة إلى أن عدم الالتزام بالتقدير الذي تقوم به المحاكم الأدنى قد لا يكون خطأ في تأويل القانون؛ لأن الأحداث والوقائع التي تعرض على محاكم الموضوع تتغير وتتجدد، مما يؤدي إلى تفسيرات للنصوص مغايرة لما كانت تقدره محكمة الطعن، وبالتالي الخروج على تقدير المحكمة الأعلى المعتمد سابقاً.

إذ إن لقاضي الموضوع السلطة التامة في تقدير وقائع النزاع ، والتعرف على معاني النصوص القانونية التي يطبقها على الوقائع ، إلا أن ذلك مشروط بألا يخرج في تقديره عما تحتمله عبارات النص أو يجاوز المعنى الظاهري لتلك النصوص.

والواقع أن بناء الحكم على مخالفة القانون، أو الخطأ في تطبيقه، أو الخطأ في تأويله يقصد بها جميع الاخطاء في تنفيذ القانون؛ إلا أن المشرع قد ذكر هذه عبارات (مخالفة القانون او الخطأ في تطبيقه او تاويله) بقصد توسيع سلطة المحكمة الأعلى في مراقبة القانون.

 الوجه الرابع: الخطأ في تفسير القانون:

 ذكرنا فيما سبق ان التفسير المتعسف للنص القانوني يلحق بالخطأ في تأويل القانون ،والتفسير يعني الكشف والبيان والإبانة وإظهار المعنى المعقول، لاستخراج مراد المشرع من النص، باتباع قواعد وأصول محددة، وأنه متى كان النص القانوني عاماً صريحاً، قاطعاً في الدلالة على المراد منه فإنه لا محل لتقييده أو تخصيصه أو تأويله، إذ في ذلك استحداث لحكم مغاير لم يأت النص به، كما أنه لا يجوز تفسير النص إلا في حالة غموض عباراته عند بيان المقصود منه أو وجود لبس أو إبهام فيه، كما أن التفسير مشروط بألا يكون فيه خروجا على ما تحتمله عبارات النص أو حرف لحقيقة معناه. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٤١٥)، والله اعلم.

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

تعليقات

عدد الزوار