إقرار المحكمة لصيغة اليمين الحاسمة
إقرار المحكمة لصيغة اليمين الحاسمة
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
![]() |
| صيغة اليمين الحاسمة |
اليمين الحاسمة من اسمها وسيلة حاسمة للنزاع، يحتكم فيها طالبها إلى دين وضمير خصمه المطلوب منه حلفها، فضلاً عن إن هذه اليمين متعلقة بواقعة او تصرف معين لا يعلم تفاصيله وكيفية وقوعه إلا الخصوم الذين حضروا عند الواقعة او التصرف وهما طالب اليمين والمطلوب منه حلف اليمين، لأن الغالب ان الخصم لا يلجأ إلى طلب اليمين إلا إذا لم تتوفر لديه أدلة إثبات إخرى كالشهادة.
وعلى هذا الأساس فإن الخصم طالب اليمين هو الذي يحدد ويعد صيغة اليمين غير ان ذلك مشروط بان تكون صيغة اليمين متعلقة بالواقعة او التصرف محل الخلاف المطلوب حسمه باليمين الحاسمة وكذلك يشترط ان لا تخالف صيغة اليمين احكام الشريعة الاسلامية والقانون مثل ان تتضمن الصيغة الحلف بغير الله او الحلف على (رأس الولد او الوالد...الخ او الحلف بالشرف او الدعاء على نفس الحالف...) فالحلف لا يكون إلا بالله العظيم كما ورد في المادة (١٣٦) من قانون الإثبات اليمني التي نصت على ان: (تؤدى صيغة اليمين بالعبارة: بان يقول الحالف: احلف بالله العظيم ، ثم يذكر الواقعة المراد الحلف عليها، ويجوز ان تكون بالكتابة الدالة على ذلك، او بالإشارة المفهومة من الاخرس إن كان لا يعرف الكتابة).
ومن هذا المنطلق فان الخصم طالب اليمين هو الذي يعدها ويقدمها الى القاضي الذي يقوم بعرضها على الخصم المطلوب منه حلف اليمين للموافقة عليها ثم يقوم القاضي بدراسة صيغة اليمين وتعديلها حتى تكون متوافقة مع الواقعة محل الخلاف المطلوب الحلف عليها، ثم يعرضها القاضي على الخصوم بصيغتها النهائية ، فالقاضي يراجع صيغة اليمين قبل إقرارها حتى لا تخالف الصيغة احكام الشرع والقانون، وحتى تكون الصيغة متعلقة بالواقعة محل الخلاف المطلوب الحلف عليها، فاذا تأكد القاضي من عدم مخالفة الصيغة فانه يقرها، وقد اشترط القانون إقرار صيغة اليمين من قبل القاضي باعتبار القاضي الحارس الامين والمخلص للنظام العام، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٦/٣/٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٣٦٥٠)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (ولسلامة حيثياث رفض الحكم للدفع ولمضي المطعون ضده في اليمين بحسب الصيغة التي حددتها المحكمة الابتدائية، الامر الذي يتعين معه رفض الطعن) ، سيكون تعليقنا على هذا الحكم ، حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: صيغة اليمين وشروطها ومشتملاتها:
صيغة اليمين هي الكلمات والالفاظ التي يتلفظ بها الحالف عند حلفه لليمين، وفي هذا الشان نصت المادة (١٣٦) من قانون الإثبات اليمني على ان: (تؤدى صيغة اليمين بالعبارة: بأن يقول الحالف: احلف بالله العظيم، ثم يذكر الواقعة المراد الحلف عليها، ويجوز ان تكون بالكتابة الدالة على ذلك، او بالإشارة المفهومة من الاخرس إن كان لا يعرف الكتابة).
وصيغة اليمين هي اهم ركن من اركان اليمين ، وفي هذا المعنى نصت المادة (١٣٣) إثبات على أن:
(أركان اليمين اربعة هي: مدعي وحالف وصيغة ونية)، وتشتمل صيغة اليمين على الآتي:
1- الحلف او القسم بالله:
إذ تبدا صيغة اليمين بالحلف بالله، والاولى الاكتفاء باسم (الله) لانه الاسم الاعظم على اصح الروايات ،ولان الله سبحانه ذكراسم (الله) قبل غيره من الاسماء الحسنى.
وبناء على ذلك لا يجوز الحلف بغير اسم الله. كالحلف (بالشرف او النعمة او على رؤوس الاولاد او بالدعاء على النفس كيفعل الله بي كذا وكذا...إلخ)، لحديث النبي صلى الله عليه واله سلم: (أن الله ينهاكم أن تحلفوا بأباكم من كان حالفاً فليحلف بالله)، وبناء على ذلك اشترط النص القانوني السابق ان تشتمل صيغة اليمين على الحلف باسم الله العظيم.
2- البيان التفصيلي الواضح للتصرف او الواقعة المراد الحلف عليها وذلك ضمن صيغة اليمين.
ويجب ان يتلفظ الحالف بصيغة اليمين دفعة واحدة وعلى نحو متواصل وفي وقت واحد ، ويجب على طالب اليمين الحاسمة ان يقدم صيغة اليمين الى القاضي في وثيقة مكتوبة حتى يتمكن القاضي من مراجعتها وعرضها على الحالف وإقرارها بعد ان يتأكد القاضي من توفر شروطها، وحتى يثبت القاضي صيغة اليمين المطلوبة في محضر الجلسة وحتى يتم التثبت من ان الحالف قد حلف اليمين بحسب الصيغة المطلوبة.
وقد اختار النص القانوني السابق في صيغة اليمين جملة (احلف بالله) ولم يستعمل النص جملة (أقسم بالله) ، ومع ان الجملتين صحيحتان ومعناهما واحد ولا فرق، بيد ان جملة (أقسم بالله) اكثر فصاحة وبلاغة ورسمية، ولذلك يتم إختيارها في صيغ اليمين الدستورية واليمين القانونية المذكورة في الدستور والقوانين المختلفة.
الوجه الثاني: إعداد صيغة اليمين الحاسمة من إختصاص الخصم طالب اليمين وليس القاضي:
اليمين الحاسمة من اسمها وسيلة حاسمة للنزاع يحتكم فيها طالبها الى دين وضمير خصمه المطلوب منه حلفها ، فضلا عن ان هذه اليمين متعلقة بواقعة او تصرف معين لا يعلم تفاصيله وكيفية وقوعه إلا الخصوم طالب اليمين والمطلوب منه حلف اليمين ، لان الغالب ان الخصم لا يلجا الى طلب اليمين الحاسمة من خصمه إلا إذا لم تتوفر لديه ادلة الإثبات الأخرى لإ ثبات حقه او نفي حق خصمه ، وقد نصت المادة (١٣٧) إثبات على انه: (يجب ان تكون الواقعة المراد الحلف عليها متعلقة بشخص الحالف والا انصبت على مجرد علمه بها....).
وبحسب هذا المفهوم فان المختص والمعني بإعداد صيغة اليمين هو الخصم طالب اليمين ، الذي يتولى صياغة وكتابة هذه الصيغة وتقديمها الى القاضي المختص الذي يقوم بعرضها على الخصم الحالف ، ويقوم تلقاضي بمراجعتها للتأكد من تعلقها بالواقعة او التصرف محل النزاع وعدم مخالفتها للشرع اوالقانون.
الوجه الثالث: سلطة محكمة الموضوع في مراجعة صيغة اليمين الحاسمة وتعديلها:
نصت المادة (١٣٧) إثبات على انه: (يجب ان تكون الواقعة المراد الحلف عليها متعلقة بشخص الحالف والا انصبت على مجرد علمه بها ، وللمحكمة أن تعدل من صيغة اليمين بحيث تنصب على الواقعة المراد إثباتها ولا يجوز توجيه اليمين على واقعة مخالفة للقانون والنظام العام او الآداب العامة).
فمن خلال مطالعة النص القانوني السابق يظهر انه يجب على طالب اليمين الحاسمة ان يقوم بإعداد صيغتها وتقديمها الى المحكمة لعرضها على خصمه الحالف ودراستها ومراجعتها للتحقق من عدم مخالفتها لأحكام الشرع والقانون والنظام العام والآداب العامة ، وكذا عرضها على الحالف والاستماع الى ملاحظاته وتعديل الصيغة في ضوء ذلك اذا كانت ملاحظات الحالف وجيهة.
كما يظهر من سياق النص القانوني السابق أنه يحق للمحكمة ان تقوم بتعديل صيغة اليمين حتى تكون متوافقة مع الواقعة او التصرف محل النزاع ومتوافقة مع احكام الشرع والقانون وغير مخالفة لهما.
وبعد ان تحقق المحكمة من موافقة صيغة اليمين وعدم مخالفتها فان المحكمة تقر الصيغة وتوافق عليها وبعدئذ تقوم بعرضها على طرفي الخصومة للعمل بها ، اذ يقوم الحالف بالحلف بحسب ما ورد في تلك الصيغة، وفي هذا المعنى نصت المادة (129) من قانون الإثبات اليمني على أن: (اليمين حلف لإثبات الواقعة المتنازع عليها أو نفيها تؤدى من الخصم الذي وجهت إليه بالصيغة التي تقرها المحكمة).
ومن خلال استقراء النص السابق يظهر أن اليمين يجب أن تكون متعلقة بواقعة معينة كتصرف معين كبيع او هبة أو توقيع على محرر أو واقعة ضرب أو سرقة أو سب، سواءً كان هدف طالب اليمين (المستحلف) إثبات الواقعة المدعى بها أو نفي وقوعها، ومقتضى ذلك أن يكون الشخص الذي توجه اليه اليمين حاضراً أثناء وقوع الواقعة أو عالماً بها.
كما يفهم من النص القانوني السابق ان المحكمة لا تقر صيغة اليمين الا اذا كانت الصيغة متعلقة بالواقعة او التصرف المراد حلف اليمين عليه.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اليمين، أ. د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء 2025م، صـ375).
الوجه الرابع: وجوب قيام المحكمة بإثبات صيغة اليمين في محاضر جلسات المحكمة:
في الاوجه السابقة ذكرنا ان صيغة اليمين تمر بعدة مراحل من اهمها : قيام طالب اليمين بإعداد صيغتها الاولية وتقديمها الى المحكمة، وقيام المحكمة بعرضها على الحالف ودراسة المحكمة للصيغة وتعديلها ثم إقرارها .
وهذا يستدعي ان تقوم المحكمة بإثبات صيغة اليمين كما وردت في طلب الخصم من خصمه حلف اليمين وذلك في محضر الجلسة التي قام فيها الخصم بتقديم الخصم صيغة اليمين ، كما يجب على المحكمة ان تثبت في محضر الجلسة عرض الصيغة على الحالف ومدى قبوله بها وملاحظاته بشان الصيغة، ويتحتم على المحكمة ان تثبت في محضر الجلسة إقرارها لصيغة اليمين النهائية ، ولا يكفي ذلك وانما يجب على المحكمة ان تثبت في محضر الجلسة صيغة اليمين التي حلفها الخصم المطلوب منه حلف اليمين.
واشترط قانون الإثبات اليمني صراحة وجوب حلف اليمين امام القاضي الذي ينظر النزاع ، وذلك في المادة (148) التي نصت على أن : (يكون حلف اليمين امام المحكمة او القاضي المنتدب في مجلس القضاء، ولا يجوز حلفها خارج مجلس القضاء إلا فيما يتفق عليه الطرفان في الإطار الشرعي).
وكذا نصت المادة (148) من القانون ذاته على إن: (يكون حلف اليمين امام المحكمة او القاضي المنتدب في مجلس القضاء ، ولا يجوز حلفها خارجه إلا فيما يتفق عليه الطرفان في الإطار الشرعي).
ومؤدى ذلك انه يتحتم على محكمة الموضوع إثبات صيغة اليمين التي تلفظ بها الحالف اثناء جلسة المحكمة، ويتم إثبات ذلك في محضر جلسة المحكمة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اليمين، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء 2025م، صـ٣٦٨)، والله أعلم.

تعليقات
إرسال تعليق