استفصال القاضي للخبير

استفصال القاضي للخبير

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

استفصال القاضي للخبير في القانون اليمني

من مظاهر السلطة التقديرية للقاضي الاخذ بما ورد في تقرير الخبير او طرحه، بيد ان السلطة التقديرية للقاضي بكل انواعها ليست مطلقة ا او تحكمية ، إذ تحكم هذه السلطة ضوابط وقيود ومحددات تمنع القاضي من التسلط والاستبداد في سلطته التقديرية وإساءة استعمالها ، وينطبق هذا المفهوم على السلطة التقديرية لقاضي الموضوع في الأخذ بتقرير الخبير او طرحه ، فالقاضي ملزم ببيان وشرح سبب طرحه لما ورد في التقرير اذا خالف تقرير اخر ، إضافة الى ان القاضي لا يستطيع الاعتماد او الاستناد والركون الى تقرير الخبير متى كانت النتائج والأسباب التي توصل اليها الخبير في تقريره مجملة او غامضة ، لان الغاية القانونية من إستعانة المحكمة بالخبير هي كشف غموض بعض المسائل الفنية التخصصية الغامضة ، وليس تقديم نتائج واسباب مجملة او غامضة ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٩/١٢/٢٠١٠م، وذلك في الطعن رقم (٤٢٧٣٧)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه : (وبمناقشة الدائرة لهذا السبب تجد انه وجيه جزئيا ، فقد تبين ان الشعبة التجارية قد ايدت الحكم الابتدائي الذي بني على تقرير الخبيرين الذي جاء مجملا وغير مفصل، وكان على الشعبة استدعاء الخبيرين لمناقشتهما بشان تقريرهما ومرفقاته إن وجدت ، وما لدى الاطراف من ملاحظات حول التقرير وصولا الى احتساب قيمة الاعمال المنجزة من واقع ما ورد في عقد المقاولة من الباطن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: ماهية الخبير العدل:

 الخبير العدل هو شخص متخصص في مجال معين من المجالات الفنية ذات التخصص الدقيق كالأطباء والمهندسين والمحاسبين والكيميائيين وغيرهم من أصحاب الخبرة والإختصاص في المجالات الفنية الدقيقة المختلفة، وقد يكون الخبير العدل شخصا طبيعيا واحدا أو مجموعة من الاشخاص (لجنة او قمسيون).

كما قد يكون الخبيرشخصية إعتبارية أي هيئة متخصصة يعمل فيها مجموعة من الخبراء المتخصصين كهيئة الطب الشرعي والإدارة العامة للأدلة الجنائية والهيئة العامة للمواصفات والمقاييس وغيرهما من الهيئات المتخصصة بالمسائل الفنية الدقيقة.

فالخبير العدل هو الشخص الذي عنده الخبرة والمؤهلات العلمية المناسبة في مسائل الطب و الهندسة والحسابات وغيرها، والذي تستعين به المحكمة في دراسة المسائل الفنية الغامضة التي يدق على القاضي فهمها والإحاطة بها، حتي يقدم الخبير العدل نتائج خبرته في المسألة للقاضي .

 وفي هذا المعنى نصت المادة (165) من قانون الإثبات اليمني على أنه: (على المحكمة في المسائل الفنية كمسائل الطب والهندسة والحساب وغيرها مما يدق فهمه أن تعين خبيراً (عدلاً) او أكثر من المؤهلين علمياً وفنياً أو ممن لهم خبرة خاصة المشهورين بذلك لتستعين بهم في كشف الغامض من هذه المسائل مما يفيد إثبات الواقعة المراد إثباتها....الخ).

وبناء على ذلك فالخبير العدل قد يكون طبيبا أو مهندسا أو محاسبا....الخ ، بحسب نوع الخبرة التي يجيدها.

الوجه الثاني: ماهية تقرير الخبير:

مع ان القانون ينص على ان المرافعات امام المحاكم تكون شفهية إلا ان اجراءات المحاكمة والتقاضي تقوم على الطابع التوثيقي اي كتابة وإثبات كل ما يقوله الخصوم او الشهود او الخبراء حتى يسهل الرجوع والاستدلال والاستناد الى الاجراءات المكتوبة، وحتى تتمكن محكمة الطعن من بسط رقابتها على المحكمة الأدنى، فتوثيق وكتابة اجراءات المحاكمة من اهم مبادئ وضمانات المحاكمة العادلة.

ولا تشذ تقارير الخبراء عن هذه القاعدة ، إذ يجب على الخبير العدل الذي تعينه المحكمة ان يعد تقريرا مكتوبا يتضمن قرار تعيينه وطريقة ومراحل قيامه باداء مهمته عمله والمستندات والبيانات والمصادر والنصوص القانونية وقواعد واصول المهنة التي اعتمد عليها الخبير في اداء مهمته، ثم يختتم الخبير تقريره بسرد خلاصة النتائج التي توصل اليها الخبير ، وتتم صياغة هذه النتائج بطريقة موجزة مرتبة وواضحة مثلها في ذلك مثل منطوق الحكم، على ان يقوم الخبير بالإشارة في النتائج الى ان تفاصيلها مذكورة في صفحة كذا من التقرير مثلما يذكر القاضي في المنطوق (لما عللناه).

ويتحتم على الخبير صياغة تقريره بلغة واضحة ومفهومة للمحكمة التي استعانت به والخصوم ، ولهذه الغاية يجب على الخبير توضيح المصطلحات الفنية الواردة في تقريره.

ويجب على الخبير ان يرفق بتقريره كافة المستندات والوثائق المتعلقة بالتقرير والمهمة المسندة اليه سواء أكانت هذه المستندات مسلمة له من المحكمة او من الخصوم او حصل عليها الخبير من الجهات المختصة، كما ينبغي على الخبير ان يقوم بترتيب المستندات المرفقة بتقريره بحسب ترتيب ذكرها في تقريره.

الوجه الثالث: وضوح اسباب ونتائج تقرير الخبير العدل:

الغاية القانونية من تعيين الخبير العدل هي كشف غموض وإجمال بعض المسائل الفنية التخصصية الغامضة ايدق على القاضي فهمها ، وليس تقديم نتائج مجملة او غامضة.

وعلى هذا الاساس فانه يجب على الخبير العدل بذل عنايته القصوى عند صياغته للأسباب والنتائج التي توصل اليها في تقريره، فيجب ان تكون النتائج والاسباب المذكورة في التقرير واضحة ومحددة وقاطعة في دلالتها ، لان تقرير الخبير قد يكون دليلا كاملا يجوز للقاضي ان يستند اليه كدليل كامل في قضائه.

واذا كان من المقبول ان تكون صيغة نتائج التقرير مجملة ، لان بيانها مفصلا في اسباب التقرير، بيد انه يجب حتما على الخبير ان يبين ويوضح ويدلل ويبرهن في اسباب التقرير على صحة النتائج التي توصل اليها في خاتمة تقريره، فمن العيوب القادحة في تقارير الخبراء ان تكون نتائج التقرير واسبابه معا مجملة او غامضة ، لان الاجمال باب يفضي الى الاحتمال الذي يشكك في صحة النتائج التي توصل اليها الخبير ، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا .

الوجه الرابع: استدراك عيب الاجمال والغموض في تقرير الخبير العدل:

صياغة التقارير صنعة ومهارة وفن قد لا يجيده بعض الخبراء العدول ، وتبعا لذلك لا تخلو بعض تقارير الخبرة من الغموض والاجمال في اسبابها ونتائجها.

ولاريب ان سبب الاجمال والغموض يختلف من خبير الى اخر ، فبعض اوجه الغموض والاجمال في التقرير ترجع الى ان الخبير لم يتعرض لبعض المسائل او مر عليها مرور الكرام، والمعالجة المناسبة لهذه الحالة ان يقوم القاضي بتكليف الخبير باستكمال او استيفاء عمله .

وقد يرجع سبب الغموض والاجمال في التقرير الى ان الخبير قد احاط بكل جوانب المهمة المسندة اليه من القاضي غير انه عند صياغته للتقرير لم يحسن عرض هذه المسائل فنجم عن ذلك الاجمال والغموض في التقرير، والمعالجة المناسبة لهذه الحالة هي استفصال القاضي للخبير العدل بشان المسائل الغامضة او المجملة الواردة في تقريره لإزالة اوجه الاجمال والغموض حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.

الوجه الخامس: إجراءات استفصال القاضي للخبير بشان اوجه الغموض والاجمال:

 استفصال الخبير من قبل القاضي هو قيام القاضي بتوجيه الاسئلة المناسبة الى الخبير بشان المسائل الغامضة او المجملة الواردة في تقريره ويتم تدوين وكتابة هذه الاسئلة واجابات الخبير عليها في محاضر جلسة المحكمة ، لانه يجب على القاضي أن يقوم باستئصال الخبير في جلسة المحاكمة العلنية وبحضور اطراف الخصومة .

ويقوم القاضي باستفصال الخبير من تلقاء نفسه اذا وجد القاضي غموضا او إجمالا في اسباب ونتائج تقرير الخبير حتى لو لم يطلب الخصوم ذلك ، ويكون هذا الاستفصال وجوبيا على القاضي اذا كان تقرير الخبير من ضمن الادلة اللازمة لقيام الحكم عليها، ويكون جوازيا اذا لم يكن التقرير كذلك .

الوجه الخامس: حجية نتائج استفصال الخبير العدل:

تكون إجابات الخبير عند إستفصاله جزءا لا يتجزأ من تقرير الخبير وتكون لها حجية تقرير الخبير.

ومع أن القاعدة : أن القاضي خبير الخبراء ، وأنه يجوز للمحكمة أن تأخذ بالنتائج التي توصل اليها الخبير و يجوز للمحكمة أن لا تأخذ بها إلا أن الواقع العملي يشهد أن المحكمة في الغالب تأخذ بما يتوصل اليه الخبير العدل من نتائج سيما إذا كانت المهمة التي قام بها الخبير فنية دقيقة، وفي هذا المعنى نصت المادة (173) إثبات على أنه (للمحكمة أن تأخذ بتقارير الخبراء أو الخبير الذي تطمئن اليه مع بيان الأسباب إذا خالف التقرير الذي أخذت به تقريراً أخر، ولها أن تستمع الخصوم في شأن التقارير المقدمة وملاحظاتهم عليها وأن تكلف الخبير أو الخبراء مرة أخرى لاستكمالها أو تصحيحها إذا لزم الأمر أو ترفض طلبات الخصوم)، (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الثاني ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة صنعاء، طبعة 2025م صنعاء ، صـ١٢٢).

الوجه السادس: استفصال القاضي للخبير ومناقشة الخصم لتقرير الخبير:

 من خلال ما ورد في الاوجه السابقة يظهر ان استفصال القاضي للخبير بشان ما ورد في تقرير الخبير يكون من جهة القاضي عند وجود غموض او إجمال في نتائج واسباب تقرير الخبير، ولم يصرح قانون الاثبات بشان الاستفصال في هذه الحالة.

 اما مناقشة الخصوم الخصوم لما ورد في تقرير الخبير ، فقد نصت عليه المادة (173) إثبات التي نصت على أنه: (للمحكمة بأن تأخذ بتقرير الخبراء أو الخبير الذي تطمئن إليه مع بيان الأسباب إذا خالف التقرير الذي أخذت به تقريراً آخر، ولها أن تستمع إلى مناقشات الخصوم في شأن التقارير المقدمة وملاحظاتهم عليها ، وأن تكلف الخبير أو الخبراء مرة أخرى لاستكمالها أو تصحيحها إذا لزم الأمر أو ترفض طلبات الخصوم).

فقد أجاز هذا النص للمحكمة أن تمكن الخصوم من إبداء ملاحظاتهم على تقارير الخبراء وأن يناقشوا ما ورد في التقارير أمام المحكمة بحضور الخبراء العدول، فيحق للخصوم مناقشة ما ورد في تقرير الخبير سواء وجد فيه غموض او اجمال او لم يوجد. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، صـ320).

الوجه السابع: إستفصال القاضي للخبير يحقق الإطمئنان في عقيدة القاضي:

 الغرض من إستفصال القاضي للخبير هو تمكين الخبير الذي اعد التقرير من كشف الغموض الوارد في اسباب التقرير ونتائجه وبيان الاجمال في التقرير حتي يطمئن القاضي الى ما ورد في التقرير فيكون حجة ودليلا.

ومع ذلك فان للمحكمة السلطة التقديرية في تقدير تقرير الخبير، فالمحكمة ليست مُقيدة به، فلها أن تأخذ به أو ترفضه أو تأخذ ببعضه وتطرح الباقي، مع وجوب ذكر الأسباب إذا لم تأخذ به إذا لم يخالف تقريرا اخرا.

 فالمحكمة ليست مُلزمة بما ورد في التقرير ، فللمحكمة السلطة التقديرية في ذلك ، حيث يمكنها الاخذ بما ورد في التقرير كله أو جزء منه، أو رفضه كله مع بيان أسباب عدم أخذها به، خاصة إذا لم يكن مُقنعاً، أو كان هناك اتفاق بين الخصوم على عدم الأخذ به، او كانت هناك ادلة اقوى من التقرير تناهضه ، وفي هذا المعنى نصت المادة (173) من قانون الاثبات اليمني على انه: (للمحكمة أن تأخذ بتقدير الخبراء أو الخبير الذي تطمئن إليه مع بيان الأسباب إذا خالف التقرير الذي أخذت به تقريرا آخر، ولها أن تستمع إلى مناقشات الخصوم في شأن التقارير المقدمة وملاحظاتهم عليها وأن تكلف الخبير أو الخبراء مرة أخرى لاستكمالها أو تصحيحها إذا لزم الأمر أو ترفض طلبات الخصوم).

فاطمئنان المحكمة لتقرير الخبير يجعل القاضي يستند ويعتمد على ما ورد في تقرير الخبير العدل كدليل كامل يقيم حكمه عليه، ومؤدئ ذلك أن هذا الاطمئنان يؤدي الى تحويل التقرير من مجرد قرينة الى دليل كامل وفي هذا الشان نصت المادة (175) من قانون الإثبات اليمني على انه: (تعتبر النتيجة التي توصل إليها الخبير أو الخبراء وتطمئن إليها المحكمة دليلا كاملا في المسائل التي يعينون فيها).

الوجه الثامن: جزاء عدم إستفصال المحكمة للخبير:

  كان الحكم محل تعليقنا قد قضى بنقض الحكم الاستئنافي الذي سبق له ان حكم بتأييد الحكم الابتدائي الذي كان قد قضى معتمدا ومستندا في قضائه الى تقرير الخبير الذي كانت نتائجه واسبابه مجملة، ومؤدى ذلك ان الحكم يكون باطلا اذا كان قد استند واعتمد على تقرير الخبير المجمل او الغامض ، وكان تقرير الخبير هو الدليل الوحيد او من الادلة التي قام عليها الحكم ، فلا تقوم لهذا الحكم قائمة الا بهذا التقرير. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الاول، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2023م، صـ85)، والله أعلم.

تعليقات

عدد الزوار