لا تنقضي الدعوى المدنية بإنقضاء الدعوى الجزائية

مقال قانوني يبين إنه لا تنقضي الدعوى المدنية بإنقضاء الدعوى الجزائية

لا تنقضي الدعوى المدنية بإنقضاء الدعوى الجزائية

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء

قرر قانون الجرائم والعقوبات وقانون الإجراءات الجزائية الحماية الجنائية للمعتدين على أملاك الغير حينما اشترط لتحريك الدعوى الجزائية ضد المعتدين أن يتقدم المجنى عليه بالشكوى الى النيابة في مدة أقصاها أربعة أشهر من تاريخ علمه بجريمة الاعتداء فإذا لم يتقدم المجني عليه بالشكوى خلال تلك الفترة سقط حقه في المطالبة بتحريك الدعوى الجزائية في مواجهة المعتدين، مع أن الملاك المجني عليهم كانوا أولى بالحماية من المعتدين، ولكن مع هذا وذاك فإن انقضاء الحق في الشكوى في جرائم الاعتداء على ملك الغير لا يؤثر في حق المالك في رفع دعواه المدنية للمطالبة بازالة الاعتداء وتعويضه عما لحقه من ضرر أو فاته من كسب بسبب الاعتداء على ملكه حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا وهو الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ۲۰۰٦/۱۱/۱٤م في الطعن الجزائي رقم (٣٦٩٠٥) لسنة ٥١٤٢٧ وخلاصة أسباب هذا الحكم (كما أن المقرر قانونا ان انقضاء الدعوى الجزائية بسبب عدم قيام المجني عليه بتقديم الشكوى خلال المدة المقررة قانونا لا يؤثر على قيام الدعوى بالحق المدني الناشئة عن الجريمة موضوع الدعوى الجزائية إذ يظل للمدعى بالحق المدنى الحق في المطالبة بحقه أمام المحكمة وفقا للسبيل المقرر لذلك في القانون المدني)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الأوجه الآتية:

الوجه الأول: انقضاء الحق في تقديم الشكوى في جريمة الاعتداء على ملك الغير:

عرف قانون الإجراءات اليمني الشكوى بأنها الادعاء الشفهي أو الكتابي المقدم الى النيابة العامة بأن شخصا معلوما أو مجهولا قد ارتكب جريمة الاعتداء على ملك الغير، وقد قرر قانون الإجراءات في المادة (۲۷) بأنه لا يجوز للنيابة رفع الدعوى الجزائية أمام المحكمة إلا بناء على شكوى المجنى عليه في الأحوال الآتية) في جرائم التخريب والتعييب وإتلاف الأموال الخاصة وانتهاك حرمة ملك الغير) وقد قرر قانون الإجراءات أيضا أن الحق في تقديم الشكوى في جريمة الاعتداء على ملك الغير هي أربعة أشهر من يوم علم المجنى عليه بالجريمة لأنه من غير الملائم أن تنقضي هذه المدة دون أن يقوم المجني عليه بتقديم الشكوى حتى لا تتخذ الشكوى ذريعة لتهديد المتهم طوال الدهر كما أن هذه المدة كافية لتمكين المجني عليه من دراسة موقفه من جريمة الاعتداء وتقدير ملائمة رفع الدعوى الجزائية من عدمه ويبدأ احتساب المدة من يوم علم المجنى عليه بالجريمة وبشخص مرتكبها أو زوال العذر القهري ومن المؤكد أن النصوص القانونية السابق ذكرها قد تم نقلها إلى القانون اليمني من قانون الإجراءات الجزائية المصري والفرنسي ومن المؤكد أيضا أن مصر وفرنسا لا وجود فيهما لجرائم البسط و الاعتداء على أراضي واملاك الغير وفتح النوافذ إليها التي يعاني منها المجتمع اليمني والتي تتسبب في نزاعات و مفاسد وفتن عظيمة، وكان الأجدر بالقانون اليمني أن يراعي خصوصية الواقع اليمني في هذه المسألة .

الوجه الثاني: مدى التلازم فيما بين الدعويين الجزائية والمدنية التبعية:

لاريب أن هناك تلازم فيما بين الدعويين الجزائية والمدنية التبعية لوحدة موضوعهما والاساس الذي تقوم عليه الدعويين لذلك كان المناسب الفصل فيهما بحكم واحد من قبل قاضي واحد وهو القاضي الجزائي حتى تتم الاستفادة من التحقيقات التي أجريت في الدعوى الجزائية لأن أدلة الجريمة هي في الواقع الأدلة على وقوع الفعل الضار ومن ثم استحقاق المجني عليه التعويض وتعيين مقداره وهو موضوع الدعوى المدنية لذلك كان من المفيد أن ينظر القاضي الجزائي في الدعويين وان يفصل فيهما بحكم واحد، إلا انه من المقرر قانونا وقضاءا وفقها أنه ليس هناك تلازم فيما بين الدعويين الجزائية والمدنية التبعية حيث يستطيع المضرور من جريمة الاعتداء على ملك الغير أن يرفع دعواه المدنية استقلالا أمام القاضي المدني المختص اصلا فيطلب منه ان يحكم له بالتعويضات المناسبة عن الأضرار التي لحقت به جراء جريمة الاعتداء طالما وهو قادر على إثبات الفعل الضار والضرر وعلاقة السببية فيما بينهما والغالب أن المضرور من الجريمة يفضل اللجوء إلى القضاء المدنى إذا كانت لديه الأدلة القاطعة على إثبات الفعل الضار والضرر والسببية حتى يفلت من قاعدة الجزائي يوقف المدني لأن الفعل الضار وهو الركن المادي لجريمة الاعتداء يحتاج لإثباته إلى تحقيق تجريه النيابة العامة) وقف الدعوى المدنية لحين الفصل في الدعوى الجنائية أ.د. إدوارد غالي الذهبي - ص ۱۳۳) وعلى هذا الأساس تخلص إلى أن التلازم فيما بين الدعويين الجزائية والمدنية ليس حتمى وليس من النظام العام بل أنه خلاف الأصل وهو استقلال الدعوى الجزائية عن الدعوى المدنية وهذا بدوره هو الأساس المتين الذي قام عليه الحكم محل تعليقنا .

الوجه الثالث: انقضاء الدعوى الجزائية في جريمة الاعتداء على ملك الغير لا يؤثر على الدعوى المدنية التبعية:

ذكرنا فيما سبق أن الأصل هو استقلال الدعوى المدنية التبعية عن الدعوى الجزائية لأن الدعوى الجزائية لها أهدافها واركانها وخصائصها وشروطها التي تميزها تماما عن الدعوى المدنية التبعية التي لها أيضا أهدافها وخصائصها وشروطها، ولذلك ذكرنا في الوجه الأول أن المضرور من الجريمة يستطيع أن يرفع دعواه المدنية أمام القضاء المدني المختص أصلا حتى ولولم تنقضي الدعوى الجزائية بعد، وقد قرر ذلك قانون الإجراءات اليمني خلافا للقانون المصري حيث نصت المادة (٤٤) على انه (يجوز لذلك مباشرة الدعوى المدنية بصفة مستقلة عن الدعوى الجزائية وفي هذه الحالة يجب وقف الفصل فيها حتى يحكم نهائيا في الدعوى الجزائية المقدمة قبل رفعها أو في أثناء السير فيها وللمحكمة أن تقرر ما تراه من الإجراءات الاحتياطية المستعجلة المناسبة لحماية المضرور (وبناء على ذلك فإن انقضاء الدعوى الجزائية في جريمة الاعتداء على ملك الغير لا يؤثر على الدعوى المدنية للمطالبة بالاضرار التي لحقت بالمالك بسبب الاعتداء حيث لا تتقادم هذه الدعوى إلا طبقا لقواعد التقادم المنصوص عليها في القانون المدني حسبما أشار الحكم محل تعليقنا وحسبما ورد في المادة (٥٥) إجراءات التي نصت على أنه تنقضي الدعوى المدنية بمضي المدة المقررة في القانون المدني لعدم سماع الدعوى) وبناء على ذلك فإذا انقضت الدعوى الجزائية بمضي المدة وعدم تقديم الشكوى في الميعاد المحدد قانونا للشكوى في جريمة الاعتداء على ملك الغير فإن المالك المعتدى على ملكه يستطيع أن يرفع دعواه أمام القضاء المدني المختص اصلا وفقا لقواعد المسؤولية المدنية عن الفعل الضار (الاعتداء على ملكه) ولكن يجب عليه في هذه الحالة إثبات عناصر المسؤولية وهي الفعل الضار والضرر والسببية فإذا قام بذلك فعندئذ يتم الحكم له بالتعويض المناسب عما فاته من كسب وما لحقه من ضرر بسبب الفعل الضار (الاعتداء على ملكه)، والله أعلم.

تعليقات

عدد الزوار