مسؤولية الناقل للركاب

مسؤولية الناقل للركاب في القانون اليمني

مسؤولية الناقل للركاب

حوادث السير في اليمن شر مستطير صارت تهدد المجتمع حيث تسفر عن حصد أرواح آلاف الأشخاص وإعاقة وجرح عشرات الآلاف سنوياً، إضافة إلى إتلاف أموال لا تعد ولا تحصى، ولاريب أن الدراجات النارية تتصدر القائمة فيما تحصده من أرواح وما تتلفه من أموال لاسيما وأن قانون المرور لا يدرجها ضمن المركبات، فضلاً عن أن مسؤولية الناقل للأشخاص أو للركاب تتداخل مع مسؤولية المالك للمركبات أو وسائل النقل كما ان حوادث القتل والجرح في حوادث السير خطائية تتحملها العاقلة حسبما قرر قانون الجرائم والعقوبات اليمني ، ولذلك فإن هذا الموضوع يكتسب أهمية بالغة وهذا هو الباعث على التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا بتاريخ ٢١/٥/٢٠٠٥م في الطعن الجزائي رقم (٢٦٣) لسنة ١٤٢٠هـ، وخلاصة أسباب هذا الحكم (انه بمطالعة أوراق ملف القضية بما في ذلك عريضة الطعن بالنقض والرد عليها والحكم الابتدائي والحكم الاستئنافي ومذكرة نيابة النقض وغيرها من أوراق القضية فإن الدائرة تجد أن الطاعن بالنقض يعيب على الحكم الابتدائي والحكم الاستئنافي المؤيد له أنه حكم عليه بتسليم الأروش ونفقات العلاج للمصابين في الحادث المروري الذي حصل للسيارة التابعة له في حين انه كان الأولى أن يتحمل سائق السيارة نتائج الحادث والآثار المترتبة عليه ، وبمناقشة ما ورد بعريضة الطعن تجد الدائرة أن الحكم الابتدائي قد أدان السائق وذلك يعني أن السائق مسؤول جنائيا ومدنيا إلا إن ذلك لا يعني انتفاء مسؤولية الطاعن باعتباره متبوعا لتابعه السائق، وذلك يقتضي إلزام الطاعن المتبوع بتسليم الأروش ونفقات العلاج المحكوم بها على السائق تابعه وللمتبوع حق الرجوع على السائق بجميع ما دفعه وفقا لما قضى به الحكم الابتدائي والحكم الاستئنافي، وبناء على المواد ٤٣٠و٤٣٥و٤٤٢ إجراءات والمادة (٣١٨) مدني وبعد المداولة فإن الدائرة تقرر رفض الطعن وإقرار الحكم الاستئنافي) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الأوجه الآتية:

الوجه الأول: المقصود بالناقل:

الناقل قد يستعمل وسائل نقل برية كالسيارات والقطارات والدراجات وغيرها كما قد يستعمل الطائرات في الجو والسفن في البحر، والناقل قد يكون شخصا اعتباريا كشركات النقل البري والبحري والجوي كما قد يكون شخصا طبيعيا مثل العاملين على سيارات الاجرة التي يملكونها التي تنقل المسافرين والركاب داخل المدن وخارجها، وتحديد الناقل له أهميته في تحديد مسؤوليته ونوعها ونطاقها، وقد أشار الحكم محل تعليقنا الى ذلك حينما تناو مسؤولية السائق التابع ومسؤولية مالك السيارة المتبوع.

الوجه الثاني: التزام الناقل للركاب:

عرف القانون التجاري عقد النقل في المادة ١٤١ بأنه (اتفاق يلتزم بموجبه الناقل بأن يقوم بنقل شخص إلى جهة معينة مقابل أجر معين) وبينت المادة (١٤٥) تجاري كيفية إبرام عقد نقل الأشخاص حيث نصت على أن (يعتبر صعود الراكب الى واسطة النقل قبولا للعرض الصادر من الناقل مالم يقم الدليل على خلاف ذلك) في حين حددت المادة (١٤٦) التزام الناقل بأنه (يلتزم الناقل بنقل الراكب وامتعته إلى مكان الوصول المحدد في الاتفاق) ومن خلال هذه النصوص يظهر لنا أن عقد نقل الأشخاص يتم ابرامه بالقول حينما يطلب الراكب من سائق، وسيلة النقل كالسيارة والباص والدراجة النارية بأن ينقله إلى مكان معين كما ينعقد عقد النقل بالفعل بالنسبة للسيارات والباصات التي تكون واقفة في فرزة معينة مخصصة لنقل الركاب إلى مدينة معينة أو الى حارة او منطقة من مناطق المدينة ذاتها ، ومن المقرر قانونا وفقها وقضاءاً أن مسؤولية الناقل هي التزام بتحقيق نتيجة وليس تحقيق عناية حيث يضمن الناقل وصول الراكب هو وامتعته الى المكان المتفق عليه سليما ويكون الناقل مسؤولا عن اية إصابات أو حوادث قد تلحق بالراكب في أثناء نقله لأن التزام الناقل كما ذكرنا تحقيق نتيجة وهي نقل الشخص إلى المكان المتفق عليه سليما هو وامتعته حيث نصت المادة (١٥٠) تجاري على انه (يسأل الناقل عما يلحق بالراكب أثناء تنفيذ عقد النقل من ضرر في النفس أو الصحة أو أي ضرر مادي أو أدبي آخر ناجم عن النقل) ولذلك فقد قضى الحكم محل تعليقنا بأن الناقل ملزم بدفع قيمة كافة الأروش وتكاليف العلاج لركاب السيارة التي انحرفت عن طريقها فاصتدمت بجدار فترتب على ذلك حدوث إصابات بالغة في ركاب السيارة.

الوجه الثالث: تداخل مسؤولية الناقل بغيرها:

من خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا نجد أنه قد أشار إلى المسؤولية المدنية والجنائية لسائق السيارة وفي الوقت ذاته أشار إلى مسؤولية المتبوع عن فعل تابعه ، إضافة الى ان حوادث القتل والجرح التي تقع أثناء تنفيذ عقد النقل عن طريق وسائل النقل كالسيارات وغيرها تكون خطائية ومعلوم ان القتل والجرح الخطأ في الشريعة الإسلامية والقانون اليمني تتحملها عاقلة السائق مما يقتضي الإشارة بإيجاز إلى هذه المسؤوليات بما يتناسب والتعليق على الحكم، وذلك على النحو الاتي:

المسؤولية الجنائية للسائق: 

من خلال المطالعة للحكم محل تعليقنا نجد أن الإصابات التي لحقت بركاب السيارة عبارة عن أفعال جنائية يعاقب عليها القانون وان كانت واقعة اصطدام السيارة قد حدثت خطأ، ولذلك فإن السائق يكون هو المسؤول جنائيا وليس مالك المركبة أو المتبوع ، علما بأن قانون الجرائم والعقوبات يقرر أن الارش والدية هما عقوبة وليس تعويض وعلى هذا المعنى فإن الملزم بدفع الأروش والديات هو السائق لأن المسؤولية الجزائية شخصية.

المسؤولية المدنية للسائق:

صرح الحكم محل تعليقنا على أن السائق مسؤول مدنيا عن الأضرار المترتبة عن فعله الجنائي ولو كان قد وقع بالخطأ، وعلى ذلك فإن السائق هو المسؤول عن دفع تكاليف علاج المصابين وتعويضهم عن تلف امتعتهم التي كانت بحوزتهم عند وقوع الحادث أثناء نقلهم.

مسؤولية مالك وسيلة النقل:

أشار الحكم محل تعليقنا على انه يتوجب على مالك وسيلة النقل أن يدفع كافة التعويضات المترتبة على الحادث باعتبار السائق يعمل في السيارة لحساب مالكها فهو بمثابة أجير اي تابع لمالك السيارة ويعمل تحت ملاحظته وبناء على تعليماته ولذلك فإن المالك للسيارة مسؤول عن أعمال تابعيه فيتوجب عليه أن يدفع كافة التعويضات المترتبة على الحادث وله حق الرجوع على السائق حسبما ورد في المواد ٣١٢و٣١٣و٣١٤ مدني.

المسؤولية عن حراسة الآلات الميكانيكية الخطرة:

وسائل النقل تعد من قبيل الآلات الميكانيكية الخطرة لاسيما الدراجات النارية، فهذه الآلات تحصد أرواح عشرات الآلاف من اليمنيين وتتسبب في إعاقة وجرح عشرات الآلاف، ولذلك فهي تحتاج إلى عناية خاصة من الحائز لها والمستعمل لها نظرا لخطورتها ولذلك فهذا الحائز أو السائق مسؤول عن اية جنايات تحدثها هذه الآلات وفقا للمادة (٣١٧) مدني.

مسؤولية العاقلة في القانون اليمني بدفع الدية والارش في جرائم القتل والجرح الخطأ:

من المقرر في الشريعة الإسلامية وفي القانون اليمني ان انما يقع من اصابات او قتل أثناء تنفيذ عقد النقل يكون من قبيل القتل او الجرح الخطأ الذي تتحمله عاقلة السائق ولذلك فانه اذا رجع مالك السيارة على السائق لدفع الاروش وتكاليف العلاج والتعويضات حسبما قضى الحكم محل تعليقنا فعندئذ يتوجب على العاقلة ان تتكفل بدفع كل ذلك، والله اعلم.

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين 

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء.

تعليقات

عدد الزوار