تناقض الأسباب المبطل للحكم
تناقض الأسباب المبطل للحكم
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
هناك ثلاثة مصطلحات في هذا الشأن الاول مصطلح التناقض بين اسباب الحكم والثاني مصطلح التعارض بين أسباب الحكم والثالث التضاد بين أسباب الحكم، ومصطلح التناقض يعني استحالة الجمع بين النقيضين، لان كل واحد منهما ينقض او يمحي نقيضه ، فاذا وقع التناقض بين أسباب الحكم فان معناه انما يرد في السبب ينقض ما ورد في السبب الاخر اي ان ما ورد في السبب ينفي ما ورد في السبب الاخر، في حين ان مصطلحي التعارض والتضاد لا يكونا كذلك ، ولدقة مصطلح التناقض فقد نصت قوانين المرافعات العربية بما فيها القانون اليمني على ان التناقض بين اسباب الحكم هو الذي يبطل الحكم، اما التعارض فانه لا يؤدي الى بطلان اسباب الحكم، لا نه بالإمكان الجمع بين السببين المتعارضين ، وكذلك الحال عند التناقض بين اسباب الحكم من جهة وبين منطوق الحكم من جهة اخري، وكذا التناقض فيما بين فقرات منطوق الحكم ،وهذه هي انواع التناقض في الحكم .
ولاريب ان مجرد تناقض أسباب الحكم لا يبطل الحكم الا إذا تحققت شروط معينة منها : ان يكون تناقض أسباب الحكم مؤثرا على منطوق الحكم اي ان منطوق الحكم يضحى بسبب التناقض قائما على اسباب منعدمة او غير كافية لحمله، بيد انه يجب على محكمة الموضوع عندما تقضي ببطلان الحكم بسبب تناقض أسباب الحكم يجب عليها ان تبين مدى تأثير هذا التناقض على منطوق الحكم ، لان العبرة بمنطوق الحكم ،حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٩/١/٢٠١١م ، وذلك في الطعن رقم (٤٢٩١١) ، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار انه: (ولما كانت الشعبة قد استندت في حكمها ببطلان حكم التحكيم الى وجود تعارض بين اسباب الحكم ، ، وعليه فان الدائرة تقرر نقض الحكم المطعون فيه والإعادة الى الشعبة لبحث مدى تاثير التعارض بين اسباب الحكم على ما ورد في المنطوق ، لان العبرة بمنطوق الحكم) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: ضبط مصطلح التناقض والتعارض والتضاد في اسباب الحكم:
بصفة عامة فان مصطلحات التناقض، التضاد، والتعارض مصطلحات لغوية ومنطقية تعبر بصفة عامة عن عدم التوافق بين الاشياء ، ولكن المعنى الدقيق لكل واحد منها مختلف، وبيان ذلك كما ياتي:
أولا: التناقض: (Contradiction):
التناقض: هو نفي الشيء أو إثبات نقيضه (مثل: هو موجود / هو غير موجود).
ومعنى ذلك ان النقيضين لا يجتمعان اي (لا يمكن أن يكونا صحيحين معاً) ولا يرتفعان اي (لا يمكن أن يكونا خاطئين معاً) فالجمع بين النقائض مستحيل، ولذلك فقد استعملت قوانين المرافعات ، ومنها القانون اليمني مصطلح (التناقض) عند النص على بطلان الحكم بسبب تناقض اسباب الحكم ، لدقة هذا المصطلح ، ولانه يدل على ان المقصود بتناقض الاسباب التناقض الذي يجعل الجمع بينها مستحيلا.
ثانيا: التضاد (Antonymy/Opposition):
التضاد هو وجود معنيين متنافيين بينهما مسافة (مثل: الحب والكره، الطويل والقصير)، والمتضادان لا يجتمعان اي (لا يمكن أن يكون الشيء طويل وقصير في آن واحد)، ولكن يمكن أن يرتفعا اي (قد يكون الشيء متوسطاً، لا طويلاً ولا قصيراً)، بيد ان هذا المصطلح يتعلق بالأفعال والصفات والألوان وليس بالأقوال والادلة والنصوص ، فمثلا القول بان : "الجو حار" و"الجو ليس حاراً" (تناقض بين العبارتين). بينما القول ان : "الجو حار" و"الجو بارد" (تضاد)، لأنه يستفاد من العبارتين ان الجو قد يكون معتدلاً.
ثالثا: التعارض(Conflict/Contravene):
التعارض: تضارب ظاهري بين دليلين أو حكمين، بحيث يقتضي أحدهما غير ما يقتضيه الآخر، ومع ذلك قد يكون التعارض ظاهرياً فقط ويمكن رفعه بالجمع أو الترجيح بينهما (خاصة في الأدلة الشرعية) ، ويستخدم مصطلح (التعارض) في السياق الفقهي والأصولي (التعارض بين نصين او سببين) ووكذا يستعمل هذا المصطلح في السياق القضائي للدلالة على ان التعارض بين اسباب الحكم غير مبطل للحكم لإمكانية الجمع بين السببين المتعارضين. (الكلمات النيرات في شرح الورقات ، المجلد الاول، صـ١٢٨).
الوجه الثاني: مفهوم اسباب الحكم التي قد يقع فيها التناقض:
أسباب الحكم بصورة عامة هي : الأدلة الواقعية والقانونية التي يبني عليها القاضي حكمه، أو هي "الأسانيد الواقعية والحجج القانونية التي استندت إليها المحكمة في إصدار حكمها".
فأسباب الحكم عبارة بيان المقدمات الواقعية والقانونية التي تبني عليها المحكمة النتيجة التي انتهت إليها في منطوق الحكم ، فهذه المقدمات او الاسباب تتكون من نوعين الأول : الأدلة أو الأسباب الواقعية زهي مجموع الوقائع أو الأدلة التي يستند إليها الحكم في تقرير وجود أو عدم وجود الوقائع محل النزاع .
والنوع الثاني : الأسباب القانونية : وهي بيان النص القانوني الذي استند اليه منطوق الحكم ، اي ان الاسباب القانونية للحكم تشتمل على الحجج القانونية التي يستند إليها الحكم .
وتحتل الأسباب مكاناً بارزاً في مدونة الحكم ، وتسبق كل سبب من اسباب الحكم عبارة : (لما كان ) او عبارة: "بما أن " أو :"بناء على ذلك" ، إذ تفصل هذه العبارات بين السبب والسبب الذي يليه ، ولا ينبغي إستعمال كلمة : (حيث ) لأنها ظرف مكان تعني الجهة.
ومقتضى الإلتزام بتسبيب الحكم هو أن يقوم القاضي بعرض الأسباب الواقعية والقانونية التي قادته إلى إصدار حكمه المذكور في منطوق الحكم ، لأن هذه الأسباب تظهر العملية العقلية التي وصل من خلالها القاضي إلى نتيجة معينة وهي منطوق الحكم .
ولكي تحقق عملية تسبيب الحكم الغاية أو النتيجة المرجوة منها، فإنه يجب أن يكون التسبيب كافياً، أي أن يؤسس القاضي منطوق حكمه على ما يكفي من الأسباب لحمله .
ويعتبر التسبيب الذي يجريه القاضي إجراء ونتيجة في الوقت ذاته ، فالتسبيب إجراء من خلاله يعرض القاضي الأدلة الواقعية والحجج القانونية والأسانيد المنطقية لحكمه ويعد التسبيب ركناً مهما في الحكم .
ومن ناحية ثانية فإن التسبيب نتيجة إذ من خلاله يبرهن أو يكشف القاضي للخصوم وللجمهور ان النتيجة التي توصل إليها في منطوق الحكم نتاج تلك الاسباب وليست نتاج هوى ومزاج القاضي. وهذه ميزة من أهم ميزات التسبيب، لأنها تعبر عن العملية العقلية التي قام بها القاضي بعد دراسته وتمحيصه لكل اوراق القضية وتحديد نقاط النزاع الواقعية والقانونية ودراستها دراسة عميقة من أجل الوصول إلى النتيجة المكتوبة في منطوق الحكم، لذلك يعد تسبيب الأحكام من أصعب المهام الملقاة على عاتق القضاة .
ولما كان تسبيب الحكم أهم الالتزامات الرئيسة الملقاة على عاتق القاضي، ولأجل الوفاء بهذا الالتزام، فإنه لا يكفي أن يورد القاضي أية أسباب، حتى لو كانت متناقضة أو مبهمة يمحو بعضها بعضاً،فلكي يكون الحكم صحيحاً فانه يجب ان تكون هذه الأسباب الواردة في الحكم كافية ومنطقية ومترابطة وغير متناقضة مع بعضها أو مع منطوق الحكم .
الوجه الثالث: مفهوم التناقض بين اسباب الحكم:
نصت الفقرة (3) من المادة (231) مرافعات يمني على أنه: (-أ- يجب أن تكون الاحكام مسببة وألا تتناقض الأسباب مع بعضها أو مع المنطوق وإلا كانت باطلة).
وتناقض الأسباب يعني تعارضها وتماحيها بحيث يسقط بعضها البعض، أو ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر، أو العكس، فلا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة، كأن يقوم الحكم على سببين متناقضين، يناقض أحدهما الآخر، أو على عدة أسباب متناقضة بحيث يبدو الحكم مجرداً من الأسباب او من التبرير اللازم لحمله ،وهذه الصورة هي الاكثر شيوعاً في الواقع العملي.
ويتحقق هذا التناقض إذا ما أقام الحكم قضاءه على أساسين متناقضين فيما بينهما حتى يؤدي هذا التناقض إلى جعل الحكم قائماً على غير أساس .
فقد قضت محكمة التمييز العراقية بأن: اختلاف الشهود في تعيين المشهود به له تأثيره في صحة الشهادة، فكان على المحكمة رفع التناقض، لذا قررت المحكمة نقض الحكم".
وبهذا الصدد قضت محكمة النقض الفرنسية بان : " صدور حكم استئنافي مؤيداً لحكم أول درجة فيما يتعلق بقبول تدخل خصم أمام محكمة أول درجــــة لما له من مصلحة في التدخل، ثم رفض الاستئناف المرفوع منه بعد ذلك على أساس أنه لا شأن له بالدعوى هو تناقض يبطل الحكم" .
أما إذا كان تناقض أسباب الحكم مجرد تعارض ظاهري لا يرقى إلى حقيقة التناقض بحسب المفهوم السابق بيانه في الوجه الاول، أو كان مجرد خطأ مادي. أو كان الحكم مع وجود التناقض بين بعض أسبابه سليماً في نتيجته ومنطوقه ، وقائماً على أسباب أخرى صحيحة وكافية، فإنه لا يعد متناقضاً ، ولا ينبطق عليه مصطلح التناقض ، ولا يكون سبباً للطعن في الحكم.
ويشترط لوجود التناقض بين أسباب الحكم الشروط الآتية:
1- أن يكون التناقض حقيقياً ومؤكداً بحسب المفهوم السابق للتناقض..
2- أن يقع التناقض بين الأسباب الواقعية للحكم.
3- أن يقع التناقض بين الأسباب الجوهرية للحكم.
4- أن يكون التناقض واقعاً في أسباب أحكام قطعية ".
وقد قضت محكمة النقض المصرية في حكمها بالطعن رقم 2131 لسنة 90 قضائية، بان : ( التناقض الذي يعيب الحكم هو ما يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر ولا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة، وكان تقدير الأدلة هو من اختصاص محكمة الموضوع وحدها، وهي حرة في تكوين عقيدتها حسب تقديرها واطمئنانها إليها ولها تجزئة الدليل المقدم لها وأن تأخذ بما تطمئن إليه من أقوال الشهود وتطرح ما لا تثق فيه من تلك الأقوال إذ مرجع الأمر في هذا الشأن إلى اقتناعها هي وحدها وليس ما يمنعها بما لها من سلطة تقديرية من أن ترى في أقوال شاهد الإثبات وأدلة الإدانة ما يقنعها باقتراف الطاعن جريمتي استعراض القوة والتلويح بالعنف).
الوجه الرابع: تناقض أسباب الحكم مع منطوقه:
تعد أسباب الحكم مع منطوقه وحدة منطقية واحدة ،وتعد مفترضاً لوحدة البناء القانوني للحكم بصفة عامة.
فإذا كان المنطوق هو النتيجة المترتبة والمبنية على الأسباب، فإنه يجب أن يجمع بين أسباب الحكم ومنطوقه ارتباط وثيق لا ينفصم ، فان لم يتحقق ذلك فان الحكم معيب بعيب التناقض أو عدم الارتباط بين الأسباب والمنطوق، ويحدث هذا التناقض بين الأسباب والمنطوق إذا كانت الأسباب تؤدي إلى نتيجة متعارضة مع تلك التي بدت في المنطوق، أو أن النتيجة التي تضمنها المنطوق تتعارض مع الأسباب .
ويؤدي هذا التناقض حتماً إلى انفصال الرابطة المنطقية التي تربط بين الأسباب باعتبارها مقدمات منطقية وبين المنطوق باعتباره نتيجة لتلك المقدمات، ويعد الحكم بهذه الصورة مجرداً من الأسباب وقائماً على أساس غير قانوني (النظرية العامة للعمل القضائي في المرافعات، ا. د. وجدي راغب منشأة المعارف، الإسكندرية، 2005 ، ص 439.) .
ومن تطبيقات محكمة التمييز العراقية في حالة تناقض الأسباب مع المنطوق ما قضت به: (إن المحكمة حكمت للمميز عليه بمبلغ التعويض المقدر من قبل الخبراء رغم أنه يملك نصف العقار موضوع الدعوى ويقتضي الحكم له بقدر أسهمه، وحيث أن ذلك يخل بصحة الحكم المميز لذا قررت المحكمة نقضه).
وقضت أيضاً بما يأتي: إن محكمة الاستئناف قد قضت برد دعوى المدعية والمتضمنة مطالبتها بأثاث الزوجية رغم أن المدعى عليه كان قد أقر ببعضها... لذا قررت المحكمة نقض الحكم.
ويشترط لوجود التناقض بين أسباب الحكم ومنطوقه ما يلي:
1- أن يكون التناقض حقيقياً.
2- أن يقع التناقض بين أسباب الحكم الجوهرية والمنطوق.
3- أن يقع التناقض بين الأسباب والمنطوق.
والتناقض في اسباب الحكم مع المنطوق الذي يُعدّ عيبًا في الحكم، هو الذي يقع في الأسباب الأســــاســــيـة والضرورية، فإذا حدث تناقض بين الأسباب الثانوية التي يقوم منطوق الحكم بدونها، أو بين الأسباب الزائدة ، وكذلك بين الأسباب الأساسية والثانوية، فإن ذلك لا يُعد تناقضا في الأسباب التي تبطل الحكم.
، وقد قضت محكمة النقض المصرية بانه: (من المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه متى كانت الأسباب متعارضة مع منطوق الحكم فالعبرة بالمنطوق وحده، إذ يكون الحكم في هذه الحالة غير محمول على أسباب , وأن التناقض الذي يبطل الحكم ويؤدي إلى نقضه هو التناقض الذي يقع في الأسباب بحيث لا يفهم معه على أي أساس قضت المحكمة بما قضت به في المنطوق , وكان الحكم المطعون فيه قد أورد بأسبابه أن تقرير الخبير المنتدب في الدعوى رقم 1424 لسنة 1988 مستعجل القاهرة قد أثبت التلفيات بالسيارتين وقدر التعويض عن تلفيات السيارة البيجو بمبلغ عشرة آلاف جنيه والسيارة الفيات بمبلغ ألفين وخمسمائة جنيه وانتهى الحكم إلى اطمئنانه إلى تقرير الخبير وأنه سيقضي على هدي نتيجته ثم أورد بعجز أسبابه أن المحكمة ترى أن مبلغ عشرة آلاف جنيه جابر للضرر الذي لحق المطعون ضده ثم قضى في منطوقه بإلزام الطاعن بأن يؤدي له خمسة وعشرين ألف جنيه بما لا يعرف منه على أي أساس قضى بقضائه الوارد بالمنطوق، وجاء غير محمول على أسباب مما يعيبه ويوجب نقضه). (الطعن رقم 4090 لسنة 1988 ). (التناقض الذاتي في الحكم ، د. هند جبار ساجت، ص ٢٧).
الوجه الخامس: ماهية منطوق الحكم:
منطوق الحكم هو نتيجة الحكم التي تتضمن ما قضت به المحكمة في الطلبات المقدمة إليها، وتتم صياغة منطوق الحكم على هيئة فقرات تبين فصل الحكم في وقائع النزاع وطلبات الخصوم كل طلب على حدة ، ويجب ان تكون فقرات منطوق الحكم واضحة تبين الشيء المحكوم به بوضوح ودقة، ومنطوق الحكم هو الجزء الأهم من مدونة الحكم، فهو الجزء الذي تتجه اليه أنظار الخصوم ومحكمة الطعن والجمهور.
ومنطوق الحكم من اسمه عبارة : عن تصريح القاضي بالحكم في الوقائع محل النزاع ،ولذلك يجب أن يتضمن منطوق الحكم القضاء أو الفصل في طلبات الخصوم ووقائع القضية ،لأن المنطوق هو الحيز المخصص في مدونة الحكم لبيان حكم القاضي في وقائع القضية المثارة امامه وطلبات الخصوم.
الوجه السادس: معنى العبرة بمنطوق الحكم في تحديد قضاء الحكم:
وردت عبارة: (العبرة بمنطوق الحكم) ضمن أسباب الحكم محل تعليقنا، وهذه القاعدة مقررة في الفقه القانوني، ومعناها: أن العبرة في الحكم هي بما ورد في منطوق الحكم أي ان الحكم هو ما اشتملت عليه فقرات منطوق الحكم.
لأن منطوق الحكم يوحي بان القاضي نطق وصرح بحكمه في وقائع النزاع وطلبات الخصوم على النحو الوارد في فقرات منطوق الحكم ، فالعبرة بما ورد في المنطوق ، اما الفصل أو القضاء الذي يرد ذكره في غير المنطوق أي في أي مكان آخر من الحكم فلا عبرة به، أي أنه لا يعتد به ولا يعد قضاء.
الوجه السابع: معنى العبرة بمنطوق الحكم من جهة تأثير تناقض الأسباب على المنطوق:
سبق بيان العلاقة الوثيقة والجدلية بين أسباب الحكم ومنطوقه، وخلاصة تلك العلاقة ان منطوق الحكم ما هو الا نتيجة منطقية لاسباب الحكم ، لان الاسباب عبارة عن مقدمات منطقية للمنطوق، فاذا فسدت او بطلت اسباب الحكم بطل منطوق الحكم.
ومن هذا المنطلق فقد قضى الحكم محل تعليقنا بنقض الحكم الاستئنافي ،لأنه لم يبين نوع التناقض الذي شاب اسباب حكم التحكيم ومدى تأثير تناقض تلك الاسباب على منطوق الحكم ، وما اذا كان هذا التناقض جوهريا قد شاب جميع اسباب الحكم او شاب الاسباب التي استند إليها الحكم .
وبمعنى اخر انه كان ينبغي على الحكم الاستئنافي ان يبين ما اذا كانت قد تحققت في تناقض اسباب الحكم الشروط التي تجعل اسباب الحكم باطلة، لان التناقض المبطل لاسباب الحكم هو المؤثر على منطوق الحكم الذي يجرد المنطوق من اسبابه ، وانه كان يتحتم على الشعبة ان تناقش في الحكم الإستئنافي مدى تاثير تناقض اسباب الحكم على منطوقه ، لان العبرة بمنطوق الحكم حسبما قضى الحكم محل تعليقنا . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالاستئناف، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، صـ312).
الوجه الثامن: التناقض بين أسباب حكم التحكيم ومنطوقه وفقاً لقانون التحكيم اليمني:
في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كان الحكم الاستئمافي قد قضى ببطلان حكم التجكيم لتناقض اسبابه ، لان المادة (48) تحكيم يمني قد اشترطت أن يشتمل حكم التحكيم على أسباب الحكم وأوجبت ذلك، بيد أن قانون التحكيم لم يتعرض لتناقض أسباب حكم التحكيم، ومع ذلك فقد نصت المادة (32) تحكيم في نهايتها على أنه يجب على لجنة التحكيم أن تتقيد في إجراءات التحكيم بعدم الإخلال بأحكام قانون المرافعات التي تعتبر من النظام العام، بيد أن هذا النص قد ورد في الباب المخصص لإجراءات التحكيم وليس ضمن النصوص التي نظمت حكم التحكيم.
غير أن تسبيب الحكم من اهم ضمانات الحكم العادل الذي يقنع الخصوم والجمهور بعدالة الحكم وصحته ، ولان تسبيب الحكم لا يحقق مراميه الا اذا سلمت أسباب الحكم من التناقض فيما بينها وفيما بينها وبين منطوق الحكم ، ومن هذا المنطلق فقد جعل قانون التحكيم اليمني عدم تسبيب الحكم من ضمن حالات بطلان حكم التحكيم، فقد نصت المادة (53) تحكيم على أنه: (مع مراعاة أحكام هذا القانون لا يجوز طلب إبطال حكم التحكيم إلا في الأحوال الآتية: -1- إذا لم يوجد إتفاق تحكيم أو انتهت مدته أو كان باطلاً وفقاً للقانون -ب- إذا كان أحد أطراف التحكيم فاقد الأهلية -ج- إذا كانت الإجراءات غير صحيحة -د- إذا تجاوزت لجنة التحكيم صلاحياتها -هـ- إذا تم تشكيل لجنة التحكيم بصورة مخالفة لاتفاق التحكيم -و- إذا لم يكن حكم التحكيم مسبباً -ز- إذا خالف حكم التحكيم أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام..).
ومن خلال مطالعة حالات بطلان التحكيم المذكورة في النص القانوني السابق يظهر أن عدم تسبيب حكم التحكيم من ضمن تلك الحالات، ومؤدى ذلك أن حكم التحكيم إذا لم يكن مسبباً فيحق لأيٍ من أطراف الحكم أن يتقدم بدعوى بطلان حكم التحكيم أمام محكمة الاستئناف لهذا السبب .
ومن المعروف أن تناقض أسباب الحكم يؤدي إلى تهاترها وسقوطها ، ولذلك فان تناقض أسباب الحكم وتهاترتها يبطل أسباب الحكم ، فيصير الحكم غير مسببا ، أي يصير الحكم عديم الأسباب إلا إذا بقت هناك أسباب لم تتناقض وكانت هذه الأسباب غير المتناقضة تكفي وحدها لحمل الحكم.
وعلى هذا الأساس فإن تناقض أسباب حكم التحكيم يندرج ضمن عدم تسبيب الحكم أي من ضمن حالات بطلان حكم التحكيم. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الثالث، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، صـ237)، والله اعلم.

تعليقات
إرسال تعليق