إنتماء الشاهد إلى قبيلة المشهود له

إنتماءالشاهد إلى قبيلة المشهود له

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

مقال قانوني بعنوان إنتماء الشاهد إلى قبيلة المشهود له في القانون اليمني للأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين

اشترط الفقه الإسلامي وقانون الإثبات اليمني اشترط في الشاهد بصفة عامة ان لا يجر لنفسه نفعًا بشهادته او يدفع عنها ضرراً، ومعنى ذلك ان لا يكون الشاهد متهما بشهادته، فيشهد بغير الحق تحت تأثير عاطفة القرابة او العداوة، فيتسرب إلى قلب القاضي الشك والريبة في سلامة الشهادة، وبتطبيق هذا المفهوم فإن شهادة أفراد القبيلة لبعضهم في مواجهة غيرهم تكون مقبولة شريطة ان يكون الشاهد عدلا غير معروف بالتعصب لقبيلته، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 24/1/2011م، في الطعن رقم (43087)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (فما ذكره الطاعن من وجود قرابة بين الشاهدين والمطعون ضده حيث إنهم يجتمعوا في بيت .... وان الشاهدين والمطعون ضده يرجع نسبهم الى بيت .....، وتقرر الدائرة: ان هذا التعميم بدفعشهادة الشاهدين فيه من العمومية والجهالة ما لا يمكن قبوله لعدم موافقته للقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول: مفهوم القبيلة او العشيرة:

القبيلة هي وحدة إجتماعية تتكون من مجموعة من الاشخاص ينتسبوا الى جد اعلى واحد، وتنقسم القبيلة إلى عدة عشائر او بطون او بيوت، وكانت للقبيلة في القديم مصالح مشتركة، لان افراد القبيلة كانوا يقيميوا في منطقة جغرافية واحدة وتنشأ فيها علاقات ومصالح مشتركة، وتجمعهم اعراف تحتم عليهم الوقوف مع اي فرد من افراد قبيلتهم في مواجهة الغير.

بيد انه نتيجة للتطور الاجتماعي فقد اصبح افراد القبيلة منتشرين في اماكن عدة تجمعهم بالغير مصالح مشتركة ربما اكثر من قبيلتهم.

الوجه الثاني: مفهوم القرابة في القانون المدني اليمني:

 عرف القانون المدني اليمني الاقارب بصفة عامة، وذلك في المادة (42) التي نصت على ان: (اقارب الشخص هم الذين يجمعهم معه اصل مشترك ويحدد القانون الخاص درجة القرابة).

وبحسب هذا المفهوم العام للقرابة فان افراد القبيلة او العشيرة من الاقارب اذا كان يجمعهم اصل واحد او جد واحد.

اما المادة (43) مدني فقد بينت انواع القرابة وهي القرابة المباشرة والقرابة غير المباشرة، إذ نصت هذه المادة على ان: (القرابة المباشرة هي الصلة بين الاصول والفروع، والقرابة غير المباشرة هي الصلة بين شخصين يجمعهما اصل مشترك دون ان يكون احدهما فرعا للاخر).

في حين اشارت المادة (44) مدني الى كيفية حساب درجات القرابة، فقد نصت هذه المادة على ان: (تحسب صلة القرابة المباشرة على اساس ان كل فرع درجة عند الصعود للاصل بخروج الاصل الذي تحسب القرابة اليه وتحسب درجة القرابة غير المباشرة باعتبار الفرع درجة صعود الى الاصل المشترك ثم نزولا منه الى الفرع الاخر ولا يحسب الاصل المشترك).

ودرجة القرابة فى حقيقتها ما هي الا المسافة بين الشخص وأصله أو فرعه، فيجب بالنسبة الي الحواشي أن تعد المسافات التي تفصل بين الشخص المطلوب معرفة درجة قرابته والأصل المشترك، ثم تضاف اليها المسافات التي بين هذا الأصل والقريب الأخير، ومجموع هذه المسافات يكون درجة القرابة وعلي سبيل المثال فابن العم أو العمة يكون في الدرجة الرابعة، لأن بينه وبين أبيه مسافة ـ وبين هذا وأبيه - وهو الأصل المشترك ـ مسافة، ومن هذا لابنه مسافة، ومنه لابنه مسافة، مجموع هذه المسافات أربع، وتوضيح ذلك كما ياتي:

 الأصل المشترك (أب – جد)

 الفرع الأول "أ" (ابن) الفرع الاول "ب" (ابن)

درجة درجة

 الفرع الثانى "ج" (ابن الابن) الفرع الثانى "د" (ابن الابن)

 درجة درجة

ووفقا لهذا الرسم البيانى يمكن بسهولة حساب درجة القرابة

1- فدرجة القرابة بين الأصل المشترك والفرع الأول وهى قرابة الأب لإبنه فهى من الدرجة الأولى

2- ودرجة القرابة بين الأصل المشترك والفرع الثانىوهى قرابة الجدلحفيده فهى من الدرجة الثانية ((لأن مجموع الدرجات بينهما درجتين))

3- ودرجة القرابة بين الفرع الأول "أ" والفرع الأول "ب" وهى قرابة الأخ لأخيه فهى من الدرجة الثانية ((لأن مجموع الدرجات بينهما درجتين)) وذلك بصعود الفرع الأول "أ" درجة للأصل المشترك ثم الهبوط للفرع الأول "ب" درجة فيكون المجموع درجتين.

4- ودرجة القرابة بين الفرع الأول "أ" والفرع الثانى "د"وهى قرابة العم لإبن أخيه فهى من الدرجة الثالثة ((لأن مجموع الدرجات بينهما ثلاث درجات)) وذلك بصعود الفرع الأول "أ" درجة للأصل المشترك ثم الهبوط للفرع الأول "ب" درجة ثم الهبوط مرة أخرى للفرع الثانى "د" درجة فيكون المجموع ثلاث درجات .

5- ودرجة القرابة بين الفرع الثانى "ج"والفرع الثانى "د" وهى قرابة ابن العم لإبن عمهفهى من الدرجة الرابعة ((لأن مجموع الدرجات بينهما أربع درجات)) وذلك بصعود الفرع الثانى "ج " للفرع الأول "أ" درجة ثم هذا الأخير للأصل المشترك ثم الهبوط للفرع الأول "ب" درجة ثم الهبوط مرة أخرى للفرع الثانى "د" درجة فيكون المجموع أربع درجات.

وعلى ذلك يكون حساب درجة القرابة المباشرة باحتساب الدرجات علي حسب الطبقات طبقة فطبقة الي الجد الأصلي من القريب المراد احتساب درجته الي الأصل المشترك من غير أن يدخل هذا الأخير في العدد

مثال ذلك الحفيد " وهو ابن الابن "لجده: ---الابن لأبيه درجة ثم الأب للجد درجة ومن ثم يكون المجموع درجتين,,,,,, بينما الابن لأبيه درجة واحدة.

بينما يكون احتساب الدرجات بالنسبة الي الأقارب من الحواشي علي حسب الطبقات من القريب المراد احتساب درجته الي الأصل المشترك من غير أن يدخل هذا في العدد ثم منه:الي القريب الآخر.

 والقرابة انواع:

النوع الاول: القرابة المباشرة: 

وهي الصلة ما بين الاصول والفروع مثل الصلة بين الابن وأبيه والابن وأمهوما يعلو ,,, والاب وابنه وابن ابنه وان نزل.

النوع الثاني: قرابة الحواشى: 

هي الرابطة ما بين اشخاص يجمعهم اصل دون أن يكون أحدهم فرعاً للآخر . 

مثل الإخوة والأخوات فيجمعهم أصل مشترك بينهم هو الأب أو الأم وكذلك الأعمام والعمات والأخوال والخالات فيجمعهم أصل مشترك بينهم هو الجد أو الجدة و منهاأيضاقرابة أبن الأخ . بإعتبارها من الدرجة الثالثة باحتساب درجتين صعودا إلى الأصل المشترك ودرجة نزولا منه إلى الفرع الاخر مع عدم احتساب هذا الأصل

النوع الثالث: قرابة المصاهرة: 

وهى القرابة التى تربطبين – أحد الزوجين -واقارب الزوج الآخر، فكل واحد من الزوجين قريب لأهل الزوج الآخر ,,, فأقارب احد الزوجين يعتبرون في نفس درجة القرابة والدرجة بالنسبة الى الزوج الاخر. (درجة القرابة -كيفية حسابها - أنواعها- أهمييتها، الاستاذ مجدى أحمد عزام المحامي، الموقع الالكتروني لمنتدى المحامين العرب).

وبحسب هذا المفهوم فان افراد القبيلة او العشيرة لا يحسبوا ضمن الأقارب إلا اذا كانوا مندرجين ضمن انواع القرابة السابق ذكرها، فقرابة افراد القبيلة تكون من بعد الدرحة الرابعة فقد تكون من الدرجة الخامسة او العاشرة.... الخ.

الوجه الثالث: العلة من منع شهادة الاقارب:

روي عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم انه قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في قرابة ولا ولاء» - والظنين: المتهم - (رواه أحمد وأبو داوود)، فشهادة القريب لقريبه فيها تهمة، فلا تكون على وجه الحق، لان القريب يحرص على قريبه، فيجر لهالنفع في شهادته او يدفع عنه الضرر، فالغالب ان القريب لا يشهد بالحق.

 ومن هذا المنطلق اشترط قانون الاثبات اليمني في المادة (27) الفقرة (و) اشترط في الشاهد: (ان لا يجر لنفسه نفعاً أو يدفع عنها ضرراً). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة، طبعة 2024م صنعاء، صـ178).

الوجه الرابع: موقف الفقه الإسلامي من شهادة افرادالقبيلة او العشيرة لبعضهم:

اشترط الفقه الاسلامي في الشاهد عدم التهمة اي ان لا يكون الشاهد متهما في شهادته اي متاثرا بقرابة او صداقة او زمالة او عداوة مع المشهود له او المشهود عليه، فيدلي الشاهد بشهادته وهو تحت هذا التاثير فيراعي بشهادته القرابة او العداوة ...الخ.

فالفقه الاسلامي جعل شرط عدم التهمة في شهادة الشاهد شرط عام تندرج تحته كافة المؤثرات التي تجلب التهمة الى شهادة الشاهد، فقد قال الإمام القرافي من المالكية: «أعلم أن الأمة مجمعة على رد الشهادة بالتهمة من حيث الجملة، لكن وقع الخلاف في بعض الرتب، والتهمة ثلاثة أقسام: مجمع على اعتبارها لقوتها، ومجمع على إلغائها لضعفها، ومختلف فيها هل تلحق بالرتبة العليا أو بالرتبة الدنيا فلا تمنع»، (انظر الفروق للقرافي ج 4 صـ72).

وذهب العز بن عبدالسلام من الشافعية إلى مثل ذلك التقسيم فقال بتقسيم التهمة إلى ثلاثة أقسام: تهمة قوية موجبة لرد الحكم والشهادة، وتهمة ضعيفة غير معتبرة كشهادة الأخ لأخيه والصديق لصديقه، وتهمة مختلف في رد الشهادة والحكم بها، (انظر قواعد الأحكام ج 2 ص 36).

وفي هذا القسم الأخير اي التهمة التي اختلف بشانها الفقهاء،حسب توزيع العز للتهم، اختلف الفقهاء في عدة مسائل: مثل شهادة العدو لعدوه، وشهادة القريب لقريبه، وذلك كما ياتي:

أولا: شهادة العدو لعدوه:

اختلف الفقهاء في هذه المسالة على قولين:

القول الأول: شهادة العدو على عدوه غير مقبولة، وقد ذهب إلى هذا القولأكثر أهل العلم، منهم ربيعة والثوري ومالك والشافعي.

وحجة القائلين بالمنع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه» (والغمر: الحقد) (رواه أحمد وأبو داوود).

وكذا ما روي عن شريح القاضي قوله: «مضت السنة في الإسلام أنه لا تجوز شهادة خصم».

واستدلوا أيضاً بأن العداوة تورث التهمة، فتمنع الشهادة مثلما تمنع القرابة القريبة الشهادة.

القول الثاني: قبول شهادة العدو لعدوه، وقد ذهب إلى هذا القول أبو حنيفة وابن حزم وحجتهما أن العداوة لا تخل بالعدالة فلا تمنع الشهادة كالصداقة.

لذلك فإن ابن حزم يقول: «من شهد على عدوه نظر، فإن كان تخرجه عداوته له إلى ما لا يحل فهي جرحة فيه ترد شهادته لكل أحد وفي كل شيء، وإن كان لا تخرجه عداوته إلى ما لا يحل فهو عدل يقبل عليه»، (انظر المحلى ج 6 صـ510).

وقد استدل ابن حزم على ترجيح قوله بالآية الكريمة: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما يعملون» (الآية 8 من سورة المائدة).

ووجه الاستدلال أن الله أمرنا بالعدل مع أعدائنا، فصح أن من حكم بالعدل على عدوه أو صديقه أو لهما أو شهد وهو عدل على عدوه أو صديقه أولهما، فشهادته مقبولة وحكمه نافذ.

ثانيا: شهادة القريب لقريبه:

 اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: شهادة الوالد لولده لا تقبل، ولا تقبل شهادة الولد لوالده سواء علا أو سفل.

وهو قول شريح والحسن والشعبي والنخعي ومالك والشافعي والحنفية وظاهر مذهب الحنابلة.

واستدل المانعون بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في قرابة ولا ولاء» (والظنين: المتهم، والأب يتهم لولده) (رواه أحمد وأبو داوود).

وقالوا أيضاً: إن بينهما بعضية فكأنه يشهد لنفسه، كما أنه قدجاء في كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري جاء فيه: «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور أو ظنيناً في ولاء أو في قرابة».

القول الثاني:تجوز شهادة الأقارب، وقد روي هذا القول عن عمر وكثير من الصحابة، وقد شهد علي كرم الله وجهه لفاطمة رضي الله تعالى عنها عند أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وهو قول الظاهرية، وتروى عن أحمد روايتان: الأولى تقبل شهادة الابن لأبيه وليس العكس، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أنت ومالك لأبيك».

والرواية الثانية تقبل شهادة كل منهما لصاحبه فيما لا تهمة فيه كالنكاح والطلاق والقصاص والمال إذا كان مستغنى عنه (انظر المغني لابن قدامة ج 10 ص 186، والمبدع ج 10 صـ243).

وقد ذهب الزيدية والحنفية والظاهرية إلى قبول شهادة الأصول للفروع وشهادة الفروع للأصول وقبول شهادة كل قريب لقريبه طالما ان الشاهد عدل بغض النظر عن قرابته، اماالشافعية والحنابلة فقد ذهبوا إلى عدم قبول شهادة الأصول للفروع وشهادة الفروع للأصول سواء اكانوا ذكوراً أم إناثاً، لان العادة قد جرت على ان ينتفع الأصول بمال الفروع والفروع بمال الأصول، ومن ثم فان شهادة كل منهم تتضمن معنى النفع فيكون الشاهد بذلك متهماً في شهادته والاتهام في الشهادة يؤدي إلى عدم قبولها عملاً بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تقبل شهادة الوالد لولده ولا السيد لعبده ولا الزوجة لزوجها ولا الزوج لزوجته).

 اما شهادة سائر الاقارب غير الأصول والفروع فهي مقبولة عند الشافعية والحنابلة، في حين ذهبابن المنذروسفيان الثوري الى عدم قبول شهادة القريب لقريبه مطلقا مهما كانت صلة أو درجة القرابة.

وبناء على ما تقدم فلا تجوز شهادة افراد القبيلة لبعضهم على قول ابن المنذر وسفيان الثوري والامام القرافي، وتجوز على قول الشافعية والزيدية والحنفية والظاهرية والحنابلة اذا لم يكن الشاهد من المعروفين بالتعصب لقبيلته.

الوجه الخامس: شهادة افرادالقبيلة لبعضهم في قانون الإثبات اليمني:

لم يصرح قانون الإثبات بمنع أو جواز شهادة الاقارب لبعضهم غير انه اشترط في المادة (27) الفقرة (و) في الشاهد: (ان لا يجر لنفسه نفعاً أو يدفع عنها ضرراً) فيظهر من ذلك ان شهادة الاقارب داخلة في هذا المعنى حسبما قرر الشافعية بالنسبة لشهادة الأصول والفروع لان هؤلاء ينتفعون بأموال بعضهم بعضاً، في حين يذهب الزيدية والحنفية والظاهرية إلى خلاف ذلك، ومن الملاحظ ان القضاء اليمني يتوسع في تطبيقه لمفهوم القرابة المانعة من الشهادة فيمنع شهادة الأخوة والأعمام والأخوال والأصهار،اما محكمة النقض المصرية فقد قضت بان (صلة القرابة بين الشاهد والمشهود له لا تعد سبباً قانونياً لطرح الشهادة). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة، أ. د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة، طبعة 2024م صنعاء، صـ180)، والله أعلم.

تعليقات

عدد الزوار