تأشيرة المحكمة بالمطابقة وجوبية
تأشيرة المحكمة بالمطابقة وجوبية
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
عند إستدلال الخصوم بصور محررات فان المحكمة ملزمة بالتاشير على صورة المحرر بما يفيد انه قد تمت مطابقة الصورة على اصلها، حتى يتحقق العلم بان صورة المحرر مطابقة لاصلها عند مطالعة المحرر، فلايكفي إثبات عملية المطابقة في محضر الجلسة التي تمت فيها المطابقة ،حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢١/٢/٢٠١١م، في الطعن رقم (٤٣١٠٨)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (فقد تبين من محضر جلسة..... ان محامي المدعية المطعون ضدها قدم للمحكمة اصل وصورة شهادة تسجيل الوكالة لشركة...، ولم بعترض الطاعن على ذلك ، إلا ان المحكمة لم تؤشر في الصورة المحفوظة في الملف بما بفيد المطابقة على الاصل ، وفقا لاحكام المادة (٦٥) مرافعات، وهذا قصور وجب التنبيه عليه وفقا للقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: معنى التاشير على الصورة بما يفيد مطابقته:
تاشيرة المحكمة هي: الكتابة على صورة المحرر من قبل القاضي الذي قام بالمطابقة ، وذلك بان يكتب القاضي عبارة: صورة المحرر مطابقة للاصل او عبارة: صورة طبق الاصل او عبارة: شوهد الاصل، وافضل عبارة مطابقة يكتبها تلقاضي هي عبارة: من خلال المقارنة بين هذه الصورة واصلها فقد ثبت ان الصورة مطابقة لاصلها، وفي نهاية هذه التاشيرة يضع القاضي توقيعه بما يفيد انه الذي قام بالمطابقة.
فالمطابقة هي مطالعة القاضي ومقارنته بين اصل المحرر وصورته للتحقق فقط من أن صورة المحرر مطابقة لأصل المحرر، ثم قيام القاضي بالكتابة على صورة المحرر بما يدل على ان الصورة مطابقة لاصل المحرر وكتابة تاريخ إجراء المطابقة واسم القاضي الذي قام بإجراء المطابقة ومكان المطابقة داخل المحكمة أم خارجها، والخصم الذي طلب المطابقة والغرض من المطابقة.
فالمقصود بالمطابقة هو مطابقة القاضي لصور المحررات عند الاستدلال بها في الخصومة المنظورة امام القاضي ، والمطابقة هي المقارنة بين أصل المحرر وصورته للتحقق من أن الصورة مطابقة لأصل المحرر بغرض الإستدلال بصورة المحرر امام المحكمة واحتفاظ صاحب المحرر بالأصل لديه ، وقد اشارت إلى هذا المعنى الفقرة (ب) من المادة (104) من قانون المرافعات اليمني التي نصت على إنه (على المدعي عند تقديم عريضة دعواه ان يؤدي عنها الرسم المقرر وان يوقع هو أو وكيله على صور المستندات بعدد المدعى عليهم وذلك لمطابقتها على الاصول)، أي أن المدعي حينما يقوم بالتوقيع على صور المحررات التي يستدل بها فان ذلك يدل على نسبة تلك الصور لمن قدمها ، ويدل ذلك أيضا على أن الغرض من تقديم الصور هو مطابقتها على اصولها ، في حين تدل تاشيرة القاضي او المحكمة على انه قد تمت عملية المطابقة.، كما اشارت الى المطابقة المادة (٦٥) مرافعات التي نصت على انه: (إذا قدم الخصم اصل ورقة او مستند للإستدلال به في الدعوى فلايجوز له سحبه الا باذن القاضي المختص بعد حفظ صورة منه مصدق عليها منه في ملف القضية ويثبت ذلك في محضر الجلسة) وقد استند الحكم محل تعليقنا الى هذه المادة.
ويتم وضع تاشيرة المطابقة في اي جانب من جوانب صورة المحرر.
الوجه الثاني: الغرض من وضع تاشيرة المطابقة على صورة المحرر:
الغرض من ذلك هو إثبات سبق إجراء المطابقة لصورة المحرر، حتى تكون لصورة المحرر حجية الاصل، وحتى يعلم المطالع لصورة المحرر انه قد سبقت مطابقته وان له حجية الاصل.
فلا يكفي إثبات إجراء المطابقة في محضر جلسة المحكمة بل يجب إثبات إجراء المطابقة في صورة المحرر وذلك بصورة موجزة على خلاف تفاصيل المطابقة التي يتم إثباتها في محضر الجلسة، فيتم تدوين بيانات المطابقة في صورة المحرر بعبارة مختصرة مثل عبارة المطابقة المشهورة في اليمن (بعد المقارنة بين الصورة والأصل المبرز أمامنا ثبت أن الصورة مطابقة لأصلها بتاريخ....) وعليها توقيع القاضي الذي قام بالمطابقة.
الوجه الثالث: وقت وضع تاشيرة المطابقة:
نصت الفقرة (ب) من المادة (104) من قانون المرافعات على إنه : (على المدعي عند تقديم عريضة دعواه ان يؤدي عنها الرسم المقرر وان يوقع هو أو وكيله على صور المستندات بعدد المدعى عليهم وذلك لمطابقتها على الاصول)، وقد يفهم من هذا النص ان وضع تاشيرة المطابقة يتم عند تقديم الدعوى وفي غياب المدعى عليه وقد يتولى إجراء المطابقة كاتب المحكمة وليس القاضي .
بيد انه يجب أن تتم مطابقة المحررات في الجلسة العلنية المخصصة لنظر القضية ، وفي مواجهة الخصم الذي يتم الإستدلال بصورة المحرر في مواجهته حتى يقف الخصم بنفسه أو عن طريق محاميه على صحة المطابقة وان هناك أصل بالفعل للمحرر الذي تمت مطابقة الصورة عليه.
وفي الواقع العملي تحدث إشكاليات كثيرة وشكوك فيما يتعلق بإجراء المطابقة خارج المحكمة أو خارج الجلسة المخصصة لنظرها أو عند إجراء المطابقة في غياب الخصم الذي يتم الإستدلال بالصورة في مواجهته أو إسناد المطابقة لغير القاضي.
ويجب أن يتم إثبات إجراء المطابقة في محضر جلسة المحكمة التي تمت فيها المطابقة وان المطابقة تمت بحضور الخصوم.
الوجه الرابع: القاضي هو الذي يتولى المطابقة:
القاضي نفسه هو الذي ينظر النزاع المطلوب الإستدلال بصورة المحرر امامه، فلا يجوز للقاضي أن يسند عملية المطابقة لغيره، لأن المطابقة في هذه الحالة عمل قضائي مرتبط بأدلة النزاع المعروضة على القاضي الذي ينظر النزاع، ولذلك يجب على القاضي نفسه أن يتأكد من وجود أصل المحرر وان يشاهده القاضي بنفسه، ولذلك نلاحظ أن بعض القضاة يكتب عند المطابقة على صورة المحرر (شوهد الأصل) للتدليل على أن القاضي نفسه الذي ينظر النزاع قد شاهد بنفسه الأصل فتطمئن نفسه إلى أن الصورة مطابقة للاصل.
الوجه الخامس: حجية تاشيرة المطابقة ونطاقها:
يترتب على وضع تاشيرة المطابقة على صورة المحرر ثبوت إجراء المطابقة ، وتبعا لذلك يترتب على ذلك ان تكون صورة المحرر حجة عند الإستدلال بها في القضية المنظورة أمام المحكمة ،لأن الحجية الكاملة لا تكون إلا لأصول المحررات ،حسبما هو مقرر في قانون الإثبات، فإذا تمت المطابقة من قبل المحكمة فإن صورة المحرر بعد مطابقتها يكون حكمها كحكم الأصل في الإثبات والإستدلال به.
ولاشك أن المطابقة بمفهومها السابق تجعل صورة المحرر التي تمت مطابقتها على أصلها، تجعل لها حجية أصلها أمام القاضي الذي قام بمطابقتها ، وفي القضية التي تم الإستدلال بالصورة فيها.
بيد أن الصورة لا تكتسب الحجية خارج هذا النطاق إلا إذا كانت عبارة المطابقة محررة بخط القاضي واسمه وختم المحكمة التي يعمل فيها.
ومن جهة ثانية فإن المطابقة التي تتم بحسب الإجراءات الصحيحة المشار إليها فيما سبق تدل فقط على أن الصورة مطابقة لأصلها فقط ، فلا تدل المطابقة على صحة مضمون التصرف المذكور في المحرر وسلامة ذلك التصرف.
الوجه السادس: الفرق بين تاشيرة المطابقة للصورة وتوثيق المحرر:
وفقاً لقانون التوثيق اليمني فإن المحرر العرفي بعد توثيقه يكتسب صفة الرسمية فيصير محرراً رسمياً بعد توثيقه، لأن التوثيق يعني تحقق وتوثق موظف التوثيق من صحة التصرف وصفة وأهلية أطراف المحرر ومدى توفر أركان وشروط التصرف المذكور في المحرر، ولأن قلم التوثيق هو الجهة القانونية المختصة بذلك وموظف قلم التوثيق ورئيس قسم التوثيق موظف رسمي مختص في هذا الشأن، لذلك فإن المحرر الموثق يكون محرراً رسمياً له حجيته المطلقة وفقاً لقانون التوثيق اليمني وقانون الإثبات اليمني، وتكون حجيته مطلقة من حيث شكله ومضمونه.
اما تاشيرة المطابقة لصورة المحرر على أصلها وإن قام بها القاضي المختص بنظر النزاع إلا أن عملية المطابقة قاصرة على الجانب الشكلي للمحرر من حيث التأكد من أن صورة المحرر مطابقة لأصلها من غير التعرض لمضمون المحرر ومدى صحة التصرف الوارد فيه، ولذلك فإن نطاق الرسمية بالنسبة للمحررات المطابقة قاصر على الجانب الشكلي أي أن مفاد المطابقة قاصر على أن الصورة مطابقة لأصلها.
الوجه السابع: الفرق بين تاشيرة المطابقة وتعميد المحرر:
المطابقة كما سبق أن ذكرنا قاصرة على التحقق من مطابقة صورة المحرر لأصلها، اما التعميد فهو عبارة عن موافقة جهة الإعتماد للمحرر وإعتماد مضمون المحرر والتوقيعات عليه.
والتعميد يصدر دوماً من الرئيس الأعلى للجهة مثل تعميد الوزير للعقود والمحاضر الصادرة من مسئولي الوزارة الادنى من الوزير. (مهارات الصياغة القانونية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٦م ، صـ56).
الوجه الثامن: الفرق بين تاشيرة المطابقة لصورة المحرر والمصادقة على المحرر:
سبق أن ذكرنا معنى المطابقة مراراً فهي معلومة، اما المصادقة فهي عبارة عن مصادقة جهة معينة على توقيع وختم جهة اخرى ، دون أن تتحمل الجهة المصادقة أدنى مسئولية عن محتوى المحرر الذي تتم المصادقة عليه.
فالمصادقة بهذا المفهوم تشابه إلى حد ما المطابقة، من حيث إقتصارها على الجانب الشكلي فقط ، بيد ان المصادقة تكون على اصل المحرر في حين المطابقة تكون على صورة المحرر . (مهارات الصياغة القانونية، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، صـ61).
الوجه التاسع: الفرق بين تاشيرة المطابقة والتعريف بالخط والتوقيع:
سبق أن ذكرنا أن المطابقة هي التحقق من أن صورة المحرر مطابقة لأصلها، في حين أن التعريف بالخط عبارة عن شهادة من الشخص على أن الخط المثبت في المحرر هو خط فلان أو ان التوقيع الثابت في المحرر هو توقيع فلان ، ويقوم بالتعريف بالخط أو التوقيع كل شخص عدل يعرف الخط والتوقيع المثبت في المحرر المطلوب التعرف عليه، اما المطابقة فلا يقوم بها إلا القاضي الذي ينظر النزاع، فضلا عن ان التعريف يكون من واقع اصل المحرر في ان المطابقة تكون على صورة المحرر (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ59)، والله أعلم.

تعليقات
إرسال تعليق