شرط بيع الشيء عند عدم الوفاء ببقية الأقساط
شرط بيع الشيء عند عدم الوفاء ببقية الأقساط
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
عقد البيع بالتقسيط صورة من صور عقد البيع إلا ان المشتري لا يدفع الثمن دفعة واحدة وانما على دفعات اي اقساط ، ومع ان المشتري في البيع بالتقسيط لا يدفع الثمن كاملا وقت إبرام العقد إلا ان ملكية المبيع تنتقل فورا الى المشتري عند إبرام العقد.
فقد قرر مجمع الفقه الاسلامي انه لا يجوز للبائع في البيع بالتقسيط ان يشترط الاحتفاظ بملكية الشئ المبيع حتى تمام الوفاء بكامل الاقساط ، بيد انه يجوز للبائع ان يشترط في عقد البيع بالتقسيط فسخ العقد اذا لم يف المشتري بالأقساط المتبقية كما يحق له ان يشترط في العقد التنفيذ على العين المبيعة وبيعها وإقتضاء بقية الاقساط من قيمتها ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٦/١٢/٢٠١١م، في الطعن رقم (٤٣٨٨٨)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (ان الحكم المطعون فيه قد استند في قضائه ببيع الباص جبرا الى الشرط الصريح المنصوص عليه في عقد بيع الباص الذي نص على انه اذا لم يقم المشتري بسداد الأقساط فانه يتم حجز الباص وبيعه لاستيفاء بقية الأقساط من فيمته)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: المقصود بعقد البيع بالتقسيط:
ينعقد عقد البيع بالتقسيط مثل عقد البيع النقدي (الحال) وذلك عن طريق الايجاب والقبول بين البائع والمشتري البالغين العاقلين الراشدين ويكون محل البيع بالتقسيط هو الشئ المبيع والثمن الذي يتم الإتفاق على ان يتم دفعه بالتقسيط ، فالمشتري في البيع بالتقسيط لا يدفع الثمن دفعة واحدة وانما على دفعات اي اقساط .
فالبائع في عقد البيع بالتقسيط يقوم ببيع السلعة الى المشتري بثمن مؤجل أعلى من الثمن الحال الذي يتم دفعه كاملا، والمشتري في البيع بالتقسيط يدفع الثمن مفرقًا اي على أجزاء او اقساط معينة تؤدى في اوقات محددة معلومة يتم الإتفاق على تحديدها مسبقا.
والبيع بالتقسيط يحقق مصلحة تعود على كل من البائع والمشترى، إذ تتمثل مصلحة البائع في تيسير السبل وفتح الأبواب وزيادة المشترين لسلعته .
أما المشترى فتظهر مصلحته في حصوله على السلعة التي تمس حاجته إليها, ولا يملك ثمنها في الحال، وذلك بأن يدفع ذلك الثمن مؤجلًا على دفعات او اقساط تتناسب مع قدراته المالية.
وتكثر الحاجة للبيع بالتقسيط عند اصحاب الدخل المحدود، فصاحب الدخل المحدود يحتاج إلى سلعة تسد حاجة من حاجاته أو توفر له أسباب العيش الكريم، أو تجلب له الكسب والنماء أحيانًا، مثل غسالة أو ثلاجة أو سيارة وغير ذلك من الأدوات والآلات الكهربائية والميكانيكية والأثاث.
إذ يقصد المشتري المحتاج الى التاجر الذي يبيع هذه المواد بالتقسيط فيخبره بثمنها إذا أراد أن يدفع حالًا وثمنها إذا أراد أن يدفعه مقسطًا، والثمن في التقسيط يكون أعلى من الثمن الحال، فإذا ما اختار المشترى الثمن المؤجل المقسط وتم الاتفاق على ذلك كانت تلك صورة بيع التقسيط الذي نحن بصدد الحديث عنه.
وقد اجاز مجمع الفقه الاسلامي بيع التقسيط بحسب الشروط والضوابط الواردة في قرار المجمع رقم: 64 (7/2) بشأن البيع بالتقسيط، وذلك في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 7-12 ذي القعدة 1412هـ الموافق 9-14 أيار (مايو) 1992م، فقد قرر المجمع ما يلي:
أولًا: البيع بالتقسيط جائز شرعًا، ولو زاد فيه الثمن المؤجل على المعجل.
رابعًا: الحطيطة من الدين المؤجل، لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين (ضع وتعجل) جائزة شرعًا، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية. فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية.
خامسًا: يجوز اتفاق المتداينين على حلول سائر الأقساط عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الأقساط المستحقة عليه ما لم يكن معسرًا.
سادسًا: إذا اعتبر الدين حالًا لموت المدين أو إفلاسه أو مماطلته، فيجوز في جميع هذه الحالات الحط منه للتعجيل بالتراضي.
سابعًا: ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار: ألا يكون للمدين مال زائد عن حوائجه الأصلية يفي بدينه نقدًا أو عينًا.).
كما قرر المجمع جواز البيع المؤجل مع زيادة الثمن وعدم جواز فرض غرامة عند التأخير ، وذلك في قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره السادس بجدة المنعقد في شعبان عام 1410هـ ، حيث قرر ما يلي:
(١- تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال ـ كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقداً، وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو بالتأجيل، فإن وقع البيع مع التردد بين النقد والتأجيل، بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدد، فهو غير جائز شرعاً.
2- لا يجوز شرعاً في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحالِّ، بحيث ترتبط بالأجل، سواء اتَّفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة.
3- إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين، بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرَّم.
4- يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حلَّ من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.
5- يجوز شرعاً أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين في أداء بعضها، ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد.
6- لا حقَّ للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده، لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.).
الوجه الثاني: معنى شرط بيع الشئ محل عقد التقسيط:
معنى ذلك ان يتفق البائع والمشتري مسبقا او مقدما عند إبرام عقد البيع بالتقسيط على انه لم يقم المشتري بسداد بقية الاقساط فانه يحق للبائع ان يطلب بيع الشئ محل التقسيط لاستيفاء بقية الاقساط التي لم يقم المشتري بسدادها في المواعيد المحددة في عقد الپيع .
وتتم عملية البيع بعد إخطار المشتري بسداد الاقساط المتأخرة ، ويمكن ان تتم عملية البيع عن طريق الاتفاق فيما بين البائع والمشتري ، وان تعذر الإتفاق فيطلب البائع ذلك من القضاء الذي يقوم بالبيع الجبري تنفيذا للشرط المتفق عليه مسبقا في عقد البيع، مثلما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه الثالث: مدى جواز الشرط في عقد البيع بالتقسيط على بيع الشئ محل العقد:
سبق ان ذكرنا في نهاية الوجه الاول الشروط والضوابط التي قررها مجمع الفقه الاسلامي بشان عقد البيع بالتقسيط ، ولم تتضمن تلك الشروط تحريم شرط بيع الشئ محل التقسيط ، ومن جانب اخر فان تلك الشروط لم تتضمن ايضا ما يفيد تحريم هذا الشرط .
والاهم من هذا وذاك انه لم يرد في النصوص الشرعية ما يفيد تحريم او إباحة هذا الشرط ، ومؤدى ذلك ان هذا الشرط يخضع للأصل الشرعي العام وهو الاصل في الاشياء الاباحة ، بيد ان الفقهاء اختلفوا إختلافا متشعبا بشان الشروط في العقود بصفة عامة ، فذهب بعضهم ومنهم ابن حزم الى عدم جواز الشروط غير المنصوص عليها في النصوص الشرعية في الكتاب والسنة ،في حين ذهب اخرون الى جواز الشروط التي فيها مصلحة للمتعاقدين حتى ولم يرد النص عليها في النصوص الشرعية طالما انها لا تخالف احكام الشريعة ولا تتنافى مع العقد حتى لو لم يرد ذكرها في النصوص الشرعية وطالما ان فيها مصلحة لطرفي العقد او احدهما ، وقد اخذ الفقه المعاصر بالقول الاخير الذي ذهب الى جواز هذا الشرط في هذه الحالة، وهو القول اخذ به ايضا القانون المدني اليمني.
وعلى اساس ما تقدم فان الشرط المسبق في عقد البيع بالتقسيط على بيع الشئ محل التقسيط اذا يقم المشتري بالوفاء ببقية الاقساط شرط جائز لعدم وجود نص شرعي يحرمه ولان فيه مصلحة لطرفي العقد ، فهذا الشرط يضمن للبائع إستيفاء كامل قيمة الشئ الذي باعه بالتقسيط وذلك حق مشروع للبائع بإعتبار الثمن محل البيع بالتقسيط مثله في ذلك مثل المبيع ، كما ان حق البائع في الثمن متعلق بالشئ المبيع بالتقسيط ويرتبط ويتعلق به، ومن جهة اخرى فان هذا الشرط يحقق مصلحة للمشتري وهي حثه وحضه على الوفاء بعقد التقسيط عملا بقوله تعالى : ( يأيها الذين امنوا أوفوا بالعقود ) وقوله صلى الله عليه واله سلم : (المسلمون عند شروطهم إلا شرطا احل حراما او حرم حلالا)، وشرط بيع الشئ محل التقسيط لايحل حراما ولا يحرم حلالا.
خاصة ان قرار مجمع الفقه الاسلامي قد اجاز للبائع في بيع التقسيط ان يشترط رهن المبيع حتى يستوفي الأقساط، فقد قرر مجمع الفقه :(٦- لا حقَّ للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده، لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.)
واذا لم يتضمن عقد البيع بالتقسيط شرط بيع الشئ محل التقسيط فان البائع يستطيع فسخ العقد وفقا للقواعد الشرعية والقانونية التي تجيز للمتعاقد فسخ العقد اذا اخل المتعاقد الاخر بالتزامه العقدي سيما ان الثمن في بيع التقسيط جزء من محل العقد، فهو الالتزام الجوهري الذي يقع على عاتق المشتري. ويترتب على فسخ عقد البيع بالتقسيط في هذه الحالة ان يقوم البائع بإعادة الاقساط التي سبق لها تحصيلها وان يسترد الشئ الذي سبق بيعه بالتقسيط. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المصارف والبنوك، أ. د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة، صنعاء 2019م، صـ٢٢٠)، والله أعلم.

تعليقات
إرسال تعليق