إثبات عقد القرض المصرفي
إثبات عقد القرض المصرفي
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
ينعقد عقد القرض المصرفي مثل غيره من العقود، ويجب أن تتوفر فيه أركان العقد كالصيغة والعاقدين والمحل والشروط اللازمة في كل ركن من اركان العقد، بيد أن العقد المصرفي له خصوصية من حيث مستندات وطريقة إنعقاده وإثباته، فلا يلزم ان يتم إفراغ العقد في محرر يحمل هذا الاسم (عقد قرض او دين)، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢/١/ ٢٠١١م، في الطعن رقم (٤٢٥٨٦)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (فقد ظهر للدائرة ان الطاعن يجادل بعدم وجود عقد دين فيما بينه وبين البنك لشراء الٱلة التي قام البنك بدفع قيمتها للشركة البائعة، والدائرة تجد ان عقد الدين او القرض ثابت عن طريق المحررات الصادرة مثل الاعلان الصادر من البنك المذكور فيه اسم الطاعن والمذكرة الصادرة من الشركة الموردة البائعة للٱلة وتوجيه مدير البنك باستكمال الاجراءات...الخ)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: تعريف عقد القرض المصرفي:
القرض "هو الائتمان و المقصود به تلك الخدمات المقدمة للعملاء التي يتم بمقتضاها تزويد الأفراد و المؤسسات و المنشآت في المجتمع بالأموال اللازمة ، علي أن يتعهد المدين بسداد تلك الاموال و العمولات المستحقة عليها والمصاريف دفعة واحدة أو علي أقساط في تواريخ محددة في العقد .
ولضمان سداد مبلغ القرض فان المدين يقدم الضمانات اللازمة التي تكفل للبنك استرداد أمواله في حالة توقف العميل عن السداد بدون أي خسائر".
فالقرض يعني تسليم البنك المقرض مبلغ من المال الى المدين المقترض لإستغلاله في الإنتاج و الاستهلاك ، على ان يقوم المدين المقترض بسداده في ميعاد استحقاق محدد مسبقا.
وذهب البعض الى تعريف القرض بانه : وضع البنك لمبلغ من المال تحت تصرف المقترض الذي يلتزم بإعادة المبلغ ذاته أو ما يعادله
وهناك من يذهب الى ان القرض يعني منح البنك الثقة للمقترض وإعطائه حرية التصرف في مال حقيقي مقابل الوعد بالتسديد لذلك المال نفسه أو ما يعادله .
فعقد القرض محله دومًا يكون شيئًا مثليًا، وهو في الغالب نقود ، فيقوم المقرض بنقل ملكية المال إلى المقترض، أن يسترد منه مثله في نهاية القرض، وذلك بمقابل او بغير مقابل.
والقرض هو عقد يرتب التزامًا على المُقرض بأن ينقل إلى المقترض ملكية مبلغ من النقود أو أي شيء مثلى آخر، نظير أن يرد إليه المقترض عند نهاية القرض شيئًا مثله في المقدار والنوع والصفة.
ونستنتج من المفاهيم السابقة لعقد القرض أن عمليات الاقتراض تعتمد علي ثلاثة عناصر:
1- الثقة :
ولكي يتحقق عامل الثقة فينبغي علي العميل أن يقدم للمصرف ضمانات تفوق قيمتها المالية قيمة القرض.
2- المدة :
هي الأجل الذي يستفيد منه المقترض بالأموال المقرضة و تتحدد هذه المدة عند توقيع عقد القرض.
3- تسديد المقترض لمبلغ القرض في المدة المحددة.
الوجه الثاني: وظائف القروض المصرفية:
تتلخص وظائف القروض المصرفية فيما ياتي :
أولا: وظيفة تمويل الإنتاج: إن احتياجات الاستثمار الإنتاجي المختلفة في الاقتصاد الحديث تستوجب توفير قدر ليس بالقليل من رؤوس الأموال, و لما كان من المتعذر توفير هذا القدر الكامل من الإدخارات و الاستثمارات الفردية أو الخاصة. لذا فان اللجوء إلى البنوك و المؤسسات المالية المختلفة بهدف الحصول على القروض أصبح أمرا ضروريا لتمويل المشاريع والعمليات الإنتاجية و الاستثمارية المختلفة,
لان البنوك تقوم بدور الوسيط فيما بين المدخرين و المستثمرين ,و هذه الوساطة تساعد على تسهيل و تسريع و زيادة حجم الاستثمار و الإنتاج في الاقتصاد الوطني ,هذا فضلا عن تقديم البنوك للقروض مباشرة للمستثمرين بما هو متوفر لديها من ودائع المدخرين.
ثانيا: وظيفة تمويل الاستهلاك : إن المقصود بوظيفة تمويل الاستهلاك ,حصول المستهلكين على السلع الاستهلاكية بدفع اجل لثمنها. إذ قد يعجز الأفراد عن توفير القدر المطلوب من السلع الاستهلاكية بواسطة دخلهم الجاري, لذا يمكنهم الحصول على هذه السلع بواسطة القروض التي تقدمها لهم هيئات مختلفة ,و يكون دفع إثمان هذه السلع بفترات مستقبلية مناسبة, مما يساعد الأفراد على توزيع إنفاقهم الاستهلاكي عبر الزمن, و يساعد القرض الاستهلاكي أيضا على تنشيط جانب الطلب على السلع والخدمات الاستهلاكية ,ومن ثم يساهم في زيادة رقعة السوق و زيادة حجم الإنتاج و الاستثمار.
ثالثا: وظيفة تسوية المبادلات: إن قيام القروض بوظيفة تسوية المبادلات وإبراء الذمم, تظهر أهميتها من خلال مكونات عرض النقد, أو كمية وسائل الدفع في المجتمع, فزيادة على الأهمية النسبية لنقود الودائع (الودائع الجارية) من إجمالي مكونات عرض النقد فان القروض تستخدم بصورة واسعة في تسوية المبادلات وإبراء الذمم بين الأطراف المختلفة ، ويمكن ملاحظة مثل هذا التعامل و الاستخدام للنقود المصرفية في المجتمعات المتقدمة اقتصاديا, إذ إن معظم التعامل في تسوية المبادلات السلعية تكون عن طريق البنوك كوسيلة للدفع أو وسيطا للتبادل مع اعتماد اقل على النقود الحاضرة في القيام بهذه المهمة, و هذا ناشئ عن تقدم العادات المصرفية في المجتمع ,كما إن قيام البنوك بخلق الودائع و استخدام أدوات الائتمان الأخرى, من أوراق مالية و كمبيالات ساعد كثيرا على تسهيل عمليات المبادلة و توسيع حجمها.
إن الوظائف الأساسية المذكورة للقروض البنكية تنعكس أثارها بصورة واضحة على النشاط الاقتصادي عموما ,و على بقية المتغيرات الأساسية في الاقتصاد الوطني خصوصا ,و في مقدمة هذه المتغيرات الدخل القومي والاستثمار والاستهلاك والادخار.
الوجه الثالث: الأهمية الاقتصادية للقرض المصرفي:
يؤدي القرض المصرفي للشركات ورجال الاعمال يؤدي دورا مهما في الازدهار وتحقيق الرخاء الاقتصادي في المجتمع .
إذ يعد القرض الوسيلة الاساسية لتمويل المشاريع الانتاجية والخدمية، إلي جانب دوره في خلق النقود ، فهو أداة استغلال الاموال في الإنتاج و الاستثمار، ويمكن تلخيص دور القرض في التنمية الاقتصادية على النحو الاتي :
أولا: تسهيل المعاملات المالية التي أصبحت تعتمد على العقود المصرفية .
ثانيا: منح البنوك للقروض يمكن البنوك من الإسهام في النشاط الاقتصادي و تقدم, و رخاء المجتمع الذي تخدمه، فتعمل القروض على خلق فرص العمالة وزيادة القوة الشرائية ، وتساعد القروض المصرفية على التوسع في استغلال الموارد الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة.
ثالثا: المحافظة علي قيمة رأس المال المقرض بالنسبة للبنك عن طريق ضمانات منح القروض .
رابعا: القضاء علي التضخم، وذلك من خلال امتصاص الزيادة في القدرة الشرائية للاستهلاك، فالقروض أداة فعالة لذلك.
خامسا : تتم القروض المصرفية بعد دراسات جدوى وابحاث ومفاوضات علي عكس قروض السوق.
سادسا: القروض الوسيلة الاساسية لتحويل رأس مال من شخص لأخر, و بذلك فهو واسطة للتبادل وواسطة لاستغلال الأموال في الإنتاج و التوزيع, أي واسطة لزيادة إنتاجية رأس المال ، فتعتبر القروض المصرفية المورد الأساسي الذي يعتمد عليه البنك للحصول على إيراداته, إذ تمثل الجانب الأكبر من استخداماته ,ولذلك تولي البنوك القروض المصرفية عناية خاصة.
سابعا: ارتفاع نسبة القروض في ميزانيات البنوك التجارية يؤدي إلى ارتفاع العمولات, التي تعتبر كمصدر للإيرادات، والتي تدر عائدا للمودعين وتشجيعهم على الايداع في البنوك و، ومن ثم تمويل العمليات المصرفية في تلك البنوك وتدبير وتنظيم قدر ملائم من الأرباح مع إمكانية احتفاظ البنك بجزء من السيولة لمواجهة احتياجات السحب من العملاء.
ثامنا: تلعب القروض دورا هاما في تمويل حاجات الصناعة و الزراعة و التجارة والخدمات, فالأموال التي تقرضها البنوك تمكن المنتج من شراء المواد الأولية ورفع أجور العمال اللازمين لعملية الإنتاج و تمويل المبيعات الآجلة, والحصول على سلع الإنتاج ذاتها .(النظرية العامة للمصرفية الاسلامية ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة، طبعة ٢٠١٨م صنعاء، صـ٣١٥).
الوجه الرابع: خصائص عقد القرض:
تتلخص خصائص عقد القرض في الاتي :
أولا: عقد القرض عقد رضائي :
القرض عقد رضائي، لأنه يتم بمجرد تلاقي الإيجاب والقبول، ومن اثاره نقل ملكية المال محل العقد الى المقترض وتسليمه إلى المقترض فهذا التزام ينشئه عقد القرض في ذمة المقرض.
ثانيا : عقد القرض عقد ملزم للجانبين :
القرض من العقود التي تنشئ التزامات متقابلة في جانب كل من المقرض والمقترض، وبالتالي فهو عقد ملزم للجانبين.
والالتزامات التي ينشئها عقد القرض على عاتق المقرض هي نقل ملكية المال محل القرض وتسليمه الى المقترض، ولا يسترده منه إلا عند نهاية مدة القرض، كما أنه يضمن الاستحقاق والعيوب الخفية.
وعن الالتزامات التي ينشئها عقد القرض في جانب المقترض فهي أن يرد المثل عند نهاية القرض، وأن يدفع المصروفات والعمولات اللازمة.
ثالثا : عقد القرض عقد تبرع في الأصل :
عقد القرض بحسب الأصل هو عقد تبرع، بحيث أن المال محل القرض يخرج عن ملكية المقرض ويدخل في ملكية المقترض ، ولا يسترد المثل إلا بعد مضي المدة المتفق عليها م، ومن غير مقابل، ومن ثم يكون متبرعًا بيد ان البنوك الربوية تشترط الفائدة، فاذا اشترطت ذلك فإن القرض يصبح عقد معاوضة.
الوجه الخامس: أركان عقد القرض:
لعقد القرض ثلاثة أركان هي : الصيغة والعاقدان والمحل.
الركن الاول : صيغة عقد القرض :
عقد القرض من العقود الرضائية، فهو ينعقد بتوافق الإيجاب والقبول من المقرض ومن المقترض.
وليس هناك ثمة أحكام خاصة بعقد القرض في هذا الصدد، فتسري القواعد العامة في نظرية العقد، ومن ذلك أساليب التعبير عن الإرادة سواء كان التعبير صريحًا أو ضمنيًا، والوقت الذي ينتج فيه التعبير عن الإرادة أثره، وفقد أهلية أو موت من صدر منه التعبير عن الإرادة، والنيابة في عقد القرض، والتعاقد ما بين الغائبين، وغيرها من الأحكام العامة.
والجدير بالعلم أنه قد يتخذ القرض صورًا مختلفة أخرى غير الصورة المألوفة ومن ذلك إيداع نقود في بنك، فالعميل الذي قام بإيداع النقود هو المقرض والبنك هو المقترض، وتلك وديعة ناقصة وتُعتبر قرضًا، ومن ذلك تحرير سند أو كمبيالة تحت الإذن أو سند لحامله، فتلك الأوراق قد تكون قروضًا يقوم بعقدها من حررها وهو المقترض لمصلحة من حُررت له وهو المقرض.
الركن الثاني : العاقدان :
وهما البنك المقرض والعميل المقترض ويشترط ان تتوفر فيهما الاهلية التجارية اللازمة ، وان يكون المقرض اهلا للتبرع ، لان الاصل ان القرض من اعمال التبرع حسبما سبق بيانه.
الركن الثالث : محل عقد القرض :
وهو المال محل القرض الذي يقدمه البنك لعميله المقترض، وقد يستلم المال العميل نفسه ، كما انه قد يطلب من البنك دفع المبلغ الى الغير لسداد قيمة السلع والمواد يحتاج العميل لشرائها.
الوجه السادس: إثبات عقد القرض المصرفي:
عقد القرض يخضع في إثباته للقواعد العامة المقررة في الإثبات، والقرض يكون تجاريًا بالنسبة إلى المقرض إذا كان داخلًا في أعمال المقرض التجارية، ويكون القرض تجاريًا بالنسبة إلى المقترض، وبالتالي يحق للمقرض إثباته بكافة الطرق في حال عقده المقرض في عمل من أعمال التجارة.
والغالب ان يتم تحرير عقد القرض في نموذج خاص بالبنك يحمل اسم عقد القرض وقد يحمل اسماء مرادفة لعقد القرض كعقد التمويل او الائتمان ،، الخ، وهناك في البنوك نماذج خاصة لإجراءات عقد القرض، يقوم العميل بتعبئتها والتوقيع عليها قبل منحه القرض، وعند إثبات عقد القرض يكفي ان يقدم البنك الوثائق التي تدل على طلب العميل للقرض وان العميل نفسه قد استلم مبلغ القرض او ان البنك قد سلم مبلغ القرض الى الجهة التي طلب العميل من البنك ان يسلمه اليها سدادا لقيمة السلع والمواد التي يحتاجها العميل ، فلا يلزم ان تكون هناك وثيقة عقد تحمل اسم (عقد قرض) حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل البنوك والمصارف. ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة، طبعة ٢٠٢٤م صنعاء، صـ١٣٢) ، والله أعلم.

تعليقات
إرسال تعليق