علاقة الاستجواب بإحاطة القاضي بالقضية
علاقة الاستجواب بإحاطة القاضي بالقضية
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
من أهم ضمانات المحاكمة العادلة وسرعة الفصل في القضايا وإختصار مراحل التقاضي وتقليل الطعون في الأحكام إحاطة القاضي التامة بكل تفاصيل وجوانب القضية التي ينظرها ، فعندئذ يكون حكم القاضي حاسما لكل تفاصيل القضية وذيولها ، ففي هذه الحالة يحقق الحكم العدالة ويكون عنوانا للحقيقة ، فيقتنع الخصوم بعدالة الحكم وعدالة القاضي الذي اصدر الحكم ، فتقل الطعون في الاحكام وتستقر المراكز القانونية فيترتفع شان القضاء والقضاة بين افراد المجتمع.
ولاشك ان دراسة القاضي لأوراق القضية قبل قفل باب المرافعة وحجز القضية للحكم تمكن القاضي من اكتشاف الجوانب والمسائل الغامضة او غير المفهومة او الناقصة او المتناقضة ، فيستدرك القاضي الغموض او الاجمال او الإبهام والتناقض في هذه المسائل عن طريق استجواب الخصوم واستفصالهم بشان تلك المسائل لتوضيح وبيان تلك المسائل ،مما يوفر للقاضي اسباب الإحاطة التامة بكافة وقائع وتفاصيل القضية التي يحكم فيها ، ومن ثم يحقق اطمئنان القاضي الى عدالة الحكم ومطابقته لوقائع النزاع وحسمه لها ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٩/٢/٢٠١١م ، في الطعن رقم (٤٣٥٩٢)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه : (فالخلاف بين الطاعن والمطعون ضده بشان دفع المبلغ وقدر هذا المبلغ وتاريخ الدفع ومكانه وشهوده ، ولذلك فان اللازم على الشعبة استجواب الخصوم واستفصالهم بشان هذه المسالة، فالاستفصال حول ملابسات هذه القضية، يؤدي الى الإحاطة بالقضية ، فمؤدئ ذلك الى الاطمئنان الى تحقيق العدالة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: ماهية إحاطة القاضي بكل وقائع القضية التي يحكم فيها:
اثناء سير اجراءات المحاكمة امام القاضي يقدم الخصوم مرافعاتهم المكتوبة والشفهية ويقدموا ادلتهم بشان الوقائع المثارة من قبلهم ويتم تدوينها في محاضر جلسات المحاكمة ،كما يستمع القاضي اثناء جلسات المحاكمة الى شهادات الشهود التي يتم إثباتها في محاضر الجلسات ،كذلك يقدم الخبراء العدول نتائج اعمال خبرتهم ، وتستمع المحكمة الى ملاحظات الخصوم بشانها، ويشتمل ملف القضية على الاوراق التي تثبت كل هذه الإجراءات.
والمطلوب من القاضي قبل اعداد حكمه دراسة وبحث الاوراق التي يشتمل عليها ملف القضية حتى يتمكن القاضي من الاحاطة التامة بكافة وقائع القضية وادلتهما ، وبناء على ذلك يستهل القاضي اسباب حكمه بعبارة : (بعد مطالعة اوراق القضية او بعد الاطلاع على اوراق مشتملات ملف القضية) اي ان القاضي قد قام بدراسة كل ورقة من اوراق القضية واحاط بالقضية إحاطة تامة.
الوجه الثاني: الاحاطة بوقائع النزاع ووقائع الدعوى:
وقائع النزاع التي يجب على القاضي الإحاطة بها أولاً بأول لا تقتصر على موضوع النزاع المذكور في صحيفة الدعوى ،وإنما المقصود بوقائع النزاع كل ما وقع في النزاع من دعاوى أو طلبات أو ردود أو تعقيبات أو دفوع أو ادلة وتقارير خبراء وشهادات شهود وكل ما ورد في المرافعات الشفهية المثبتة في محاضر جلسات المحاكمة.
فمحاضر جلسات المحكمة تهدف اصلا إلى رصد وتدوين وإثبات كل ما وقع في النزاع من دعاوى وطلبات ودفوع وما قدمه الخصوم من مذكرات ومستندات وكذا شهادات الشهود وتقارير الخبراء وما ورد في المرافعات الشفهية المثبتة في محاضر جلسات المحاكمة، فهذا هو المفهوم القانوني الصحيح لوقائع النزاع الذي يختلف عن وقائع الدعوى ،فوقائع الدعوى جزء من وقائع النزاع حسبما المح الحكم محل تعليقنا.
ووقائع الدعوى هي : عبارة عن الوقائع الخاصة بالدعوى التي يعرضها المدعي في صحيفة دعواه والطلبات والتصحيحات التي يضيفها المدعي لاحقا ، وكذا رد المدعى عليه على وقائع دعوى المدعي.
الوجه الثالث: مراحل إحاطة القاضي بوقائع النزاع:
دراسة القاضي او إحاطته بالقضية لا تقتصر على المطالعة النهائية قبل الحكم في القضية ، وانما يتحتم على القاضي مطالعة اوراق القضية قبل كل جلسة من جلسات المحاكمة حتى يتمكن من الوقوف على الاجراءات والقرارات التي سبق له اتخاذها وما اذا كانت القضية صالحة للحكم فيها، وحتى يتمكن القاضي من الادارة الرشيدة لجلسات المحاكمة وحتى لا يفلت زمام. القضية من يديه فيتحكم بها الخصوم فتطول الإجراءات وتتعثر القضية.
وبقدر الإحاطة المستمرة بالقضية اثناء سير جلسات المحاكمة يسهل على القاضي الاحاطة التامة النهائية للقضية قبل الحكم فيها ، فعند المطالعة قبل الحكم تتحدد معالم القضية بصورة نهائية في ذهن القاضي ، فتتكون عقيدته التي يطمئن لعدالتها ومطابقتها لوقائع النزاع ونصوص القانون، ونتيجة لذلك يطمئن الخصوم الى عدالة الحكم، ومن ثم يطمئن المجتمع لعدالة القضاء فيحظى القضاء والقضاة بالاحترام والتقدير والثقة في اوساط المجتمع باسره .
وعلى هذا الاساس فان إحاطة القاضي بوقائع النزاع تكون على ثلاث مراحل:
المرحلة الاولى: الإحاطة المستمرة قبل كل جلسة من جلسات المحاكمة : وهي التي تتم باستمرار قبل أن يعقد القاضي كل جلسة من جلسات المحاكمة لنظر القضية ، وتمكن هذه الإحاطة الجزئية القاضي من الالمام والاحاطة بوقائع النزاع التي وقعت أو تمت في الجلسات السابقة ، حتى يتكمن القاضي من الادارة الرشيدة للنزاع اثناء سير إجراءات المحاكمة ، وحتى يتمكن القاضي من مراقبة الخصوم في تقاضيهم ، واتخاذ الاجراءات والتدابير القانونية لضمان سرعة الفصل في النزاع ، وعدم الاخلال بضمانات المحاكمة العادلة.
المرحلة الثانية: الإحاطة قبل حجز القضية للحكم: وهي الإحاطة التي يقوم بها القاضي قبل قفل باب المرافعة وحجز القضية للحكم فيها ، للوقوف على وقائع النزاع وتقدير ما اذا كانت القضية صالحة للفصل فيها .
المرحلة الثالثة: الإحاطة النهائية: وهي التي يقوم بها القاضي بعد حجز القضية للحكم ، وأثناء دراسة القاضي لأوراق القضية قبل إعداد مسودة الحكم ، وهذه الاحاطة تكون شاملة ونهائية ، فمن خلالها تظهر للقاضي وجهة الحكم في القضية وأسباب الحكم واساسه ، والتكييف القانوني الصحيح لوقائع القضية والنصوص القانونية الواجبة التطبيق على وقائع النزاع وكيفية الرد والمناقشة لطلبات الخصوم واوجه دفاعهم.
ويجب أن تكون إحاطة القاضي بالنزاع في هذه المرحلة شاملة وعامة لكل وقائع النزاع، وكل ما ورد في اوراق القضية ، ولذلك ترد في بداية أسباب الحكم عبارة : (بعد الاطلاع على اوراق القضية) للتدليل على أن القاضي قد طالع كل اوراق القضية وانه قد احاط علما وفهما بكل وقائع النزاع وليس وقائع الدعوى فقط.
فالإحاطة النهائية لا تتحقق بمطالعة القاضي لصحيفة الدعوى والرد عليها فقط ولا تتحقق بمطالعة محاضر الجلسات ،وإنما يجب على القاضي أن يتعقب وقائع النزاع من خلال الوقائع المذكورة في محاضر جلسات المحاكمة كافة ،ولا يعني ذلك أن يكتفي القاضي بمطالعة محاضر جلسات المحاكمة فقط وإنما يعني ذلك مطالعة القاضي لكل المذكرات والأدلة والتعقيبات والدفوع والردود وكل ما وقع من وقائع أثناء سير إجراءات المحاكمة المشار اليها في محاضر جلسات المحاكمة، فيجب على القاضي أن لا يكتفي بدراسة عريضة الدعوى وأدلتها فقط وإنما يجب على القاضي أن يتعقب المذكرات والإيضاحات والإستيفاءات التي قدمها المدعي أثناء سير إجراءات المحاكمة، ولا يتسنى ذلك إلا عن طريق رصد وقائع النزاع كلها المشار إليها في محاضر جلسات المحاكمة حتى يرجع إليها القاضي فيقوم بدراستها، فيحيط القاضي بوقائع النزاع كافة. (محاضرات في مقياس قانون الإجراءات المدنية والإدارية، د. روابح إلهام شهرزاد، جامعة البليدة الجزائر، 2023م، صـ92).
الوجه الثالث: فوائد إحاطة القاضي التامة بوقائع القضية:
لاشك ان هناك فوائد كثيرة لإحاطة القاضي بوقائع الفضية، وهذه الفوائد ليست ترفا او نافلة ، لان التفريط فيها يؤدي الى كثرة الطعن في الاحكام واطالة امد النزاع وإثارة الفرقة والانقسام والعداء بين افراد المجتمع .
ويمكن تلخيص فوائد الاحاطة التامة بوقائع القضيو كما ياتي :
اولا : مطابقة الحكم للواقع والقانون اي لنصوص القانون ولما هو ثابت في اوراق القضية :
من المؤكد أن القاضي إذا لم يحط بوقائع النزاع وتفاصيله فأنه لن يتمكن من التطبيق الصحيح للقواعد والنصوص القانونية، لأن إلمام القاضي وفهمه الصحيح للوقائع هو المدخل الصحيح للتطبيق السليم للنصوص القانونية على وقائع النزاع، ولذلك يجب أن تتقدم الأسباب الواقعية للحكم على الأسباب القانونية عند تسبيب الحكم، فالقاضي عند تسبيب الحكم يسوق اولا الواقعة او المسالة ثم يذكر حكمها في القانون .
ومن هذا المنطلق فإن عدم إحاطة القاضي وعدم إلمامه بوقائع النزاع من أهم وأخطر أسباب بطلان الاحكام القضائية ، وتبعا لذلك فانه ايضا من اخطر اسباب إطالة اجراءات التقاضي وتعقيدها في اليمن.
ثانيا : احاطة القاضي وحسن إدارة القاضي الرشيدة للنزاع والجلسات:
من أهم واجبات القاضي في العالم أن يقوم بدراسة ملف القضية كاملاً قبل دخوله جلسة المحاكمة ، حتى يحيط القاضي بوقائع النزاع وأدلة الخصوم والإجراءات التي سبق للمحكمة أن قامت بها، فعندئذٍ يتمكن القاضي من إدارة جلسة المحاكمة وإدارة الخصومة ومعرفة الجوانب والمسائل التي يجب إستيفاؤها أولاً بأول، ومن خلال ذلك يتمكن القاضي من الوقوف على مظاهر التقاضي الكيدي وإساءة إستعمال حق التقاضي، وفي ضوء ذلك يتمكن القاضي ايضا من توجيه الخصوم إلى الإلتزام بالطريق القويم في إجراءات التقاضي.، اما إذا لم يقم القاضي بدراسة ملف القضية قبل جلسة المحاكمة فإن زمام إدارة الخصومة يفلت من يد القاضي إلى أيادي الخصوم فتطول إجراءات التقاضي وتتعقد، بل ان القاضي الذي لا يطلع على ملف القضية قبل عقد الجلسة قد لا يعلم بالمدعي والمدعى عليه إلا من خلال طريقة وقوفهم بين يديه.
ثالثا : إحاطة القاضي تقلل من الطعون في الاحكام:
من المعلوم أن إغفال القاضي لأي من أدلة الخصوم أو دفوعهم أو أوجه دفاعهم الجوهرية من أكثر أسباب بطلان الأحكام في اليمن، ولاريب أن الإغفال مظهر من مظاهر عدم إحاطة القاضي بالنزاع، فلو احاط القاضي بوقائع النزاع وتفاصيله لما أغفل أي دليل أو طلب أو وجه دفاع جوهري، لأن الإحاطة تعني أن القاضي قد قام بمطالعة ودراسة كل وقائع النزاع ، وانه لم يترك شيئاً مما تضمنه ملف القضية ولم يدرسه ويناقشه.
رابعا : إحاطة القاضي تسهل رقابة محكمة الطعن :
من أهم الوسائل التي تمكن محكمة الطعن من الرقابة على إلمام القاضي وإحاطته بوقائع النزاع ان يقوم القاضي بتضمين اسباب الحكم ملخصا موجزا لوقائع النزاع يستهل به القاضي تسبيب حكمه، علاوة على أنه يجب ان يتم العرض التفصيلي لوقائع النزاع في سياق أسباب الحكم، فذلك يمكن محكمة الطعن من التحقق مما إذا كان القاضي قد احاط بالنزاع أم لا، لان ذلك يدل على ان القاضي قد قام بتكييف القضية التكييف القانوني السليم وقام بتطبيق نصوص القانون تطبيقا سليما وان اسباب الحكم لها اصل في غوراق القضية.
خامسا : إحاطة القاضي تمكنه من الفصل في الخصومات بيسر وسهولة وسرعة من دون تفريط بمبادئ المحاكمة العادلة:
إحاطة القاضي بوقائع النزاع تمكنه من سرعة الفصل في القضية ،فإطلاع القاضي وإحاطته المستمرة بتفاصيل ومسائل القضية ، تجعل تفاصيل ووقائع القضية حاضرة في ذهن القاضي بإستمرار حتى صدور الحكم لكثرة مطالعته لها قبل كل جلسة، ولذلك نلاحظ ان بعض القضاة ينطق في الحكم في الجلسة بل ان بعضهم يسلم نسخة الحكم في جلسة النطق بالحكم ، والبعض يكون الفارق بين حجز القضية والنطق بالحكم مدة وجيزة.
وقد سبق ان ذكرنا ان عدم إحاطة القاضي بوقائع النزاع تؤدي إلى عدم الإعمال الصحيح للقانون والى كثرة الإغفالات التي تؤدي إلى بطلان الأحكام ، وذكرنا ان سبب ذلك هو عدم الإحاطة بوقائع النزاع، وهذا يعني أن عدم الإحاطة هو السبب الرئيسي لبطلان الأحكام في اليمن.
ومن المعروف أن بطلان الأحكام يؤدي إلى إعادة المحاكمات لمرات عدة مما يستنزف جهود القضاة والخصوم والعدالة، ومؤدى ذلك أن عدم الإحاطة بوقائع النزاع هو السبب الرئيسي لإطالة إجراءات التقاضي في اليمن.
الوجه الرابع: إستجواب الخصوم وعلاقته بإحاطة القاضي:
إستجواب الخصوم طريقة من طرق الإثبات وفقاً للمادة (17) من قانون الإثبات اليمني، ولكن الاستجواب في الواقع ليس طريقة اثبات مستقلة ، فهو وسيلة للحصول على اقرار الخصم عن طريق استنطاق الخصم او استجوابه في جلسة المحكمة للحصول على اقراره. وتوضيح الجوانب الغامضة او المجملة او الناقصة.
وقد نصت المادة (176) من قانون الاثبات اليمني على أن لجوء المحكمة إلى إستجواب الخصوم جوازي، ومع ذلك فان إستجواب الخصوم قد يكون وجوبياً عندما يحيط الغموض ببعض وقائع النزاع أو بعض ادلتها أو تكون هناك بعض التناقضات في الوقائع والادلة أو يكون فيها إجمال أو نقص أو قصور مما يؤدي إلى عدم إحاطة محكمة الموضوع بوقائع النزاع وادلته سيما اذا كانت هذه الوقائع والادلة مؤثرة في النزاع ، يترتب على فهمها تغيير وجه الرأي في القضية، فعندئذ ينبغي على المحكمة إستدعاء الخصوم او الخصم لإستجوابه وسؤاله عن الجوانب أو المسائل الغامضة أو الناقصة حتى تظهر للمحكمة الحقيقة ، فيكون حكمها عنوانا للحقيقة ،
فاستجواب الخصوم طريقة من طرق الإثبات العامة المقررة في قانون الإثبات اليمني في المادة (13) التي نصت على أن (طرق الإثبات هي: -1- شهادة الشهود -2- الإقرار -3- الكتابة -4- اليمين وردها والنكول عنها -5- القرائن الشرعية والقضائية -6- المعاينة (النظر) -7- تقارير الخبرة -8- إستجواب الخصوم).
الا ان الاستجواب ليس طريقة اثبات مستقلة وانما هو وسيلة للحصول على اقرار من الخصوم بشان المسائل الناقصة أو المجملة أو الغامضة أو إستيفاء الادلة الناقصة.
فالاستجواب لغة الاستنطاق، اما في الاصطلاح فيعرف الاستجواب بانه سؤال المدعي عليه عن بعض المسائل المتعلقة بالدعوى ومن ثم جوابه عنها بالسلب او الايجاب.
والاستجواب يعد طريقا من طرق تحقيق الدعوى، يلجأ بواسطته الخصم او المحكمة الى سؤال الخصم الاخر في الدعوى، عن وقائع غامضة او مجملة او غير مفهومة او لم يرد بشانها دليل إثبات بالإيجاب او النفي، فالغرض من الاستجواب هو بيان وإيضاح المسائل الغامضة او المجملة او الناقصة او الحصول على اقرار الخصم او نفيه للمسالة محل الاستجواب .
فالاستجواب طريق من طرق تحقيق الدعوى القصد منه الحصول على إقرار أو اعتراف الخصم أمام القضاء بواقعة قانونية مدعى بها عليه، وذلك أثناء السير فى الدعوى المتعلقة بهذه الدعوى، فالاستجواب وثيق الصلة بالإقرار، اذ غالبا ما يؤدي الاستجواب بعد مناقشة الخصم في مجلس القضاء الى اقراره بالواقعة المستجوب بشأنها واعترافه بالحق كليا او جزئيا.(قواعد الترجيح بين أدلة الإثبات المتعارضة في الدعوى المدنية ،د. حسبن رجب الزيدي ، صـ61).
وعلى هذا الاساس فان الاستجواب يوفر للقاضي البيانات والايضاحات والدلائل بشان المسائل الغامضة غير المفهومة او الناقصة او المجملة في القضية التي يحكم بها القاضي ، فالاستجواب اداة قانونية قررها القانون لتمكين القاضي من الحصول على الايضاحات والدلائل اللازمة حتى يحيط القاضي بكافة مسائل وجوانب ووقائع القضية ، ولذلك صرح قانون الاثبات على حق القاضي باستجواب الخصوم .
الوجه الخامس: كيفية إستجواب الخصوم واجراءاته:
يتم الاستجواب بناء على طلب من الخصم، كما يصح للمحكمة ان تستجوب من تلقاء ذاتها من يكون حاضرا من الخصوم ، كما يحق للمحكمة إستدعاء الخصوم لاستجوابهم إذا لم يكونوا حاضرين ، اذ تقوم المحكمة بإستدعاء الخصوم أو الخصم إلى جلسة المحاكمة وتقوم المحكمة بتوجيه الأسئلة إلى الخصم بشأن المسائل التي ترى المحكمة ضرورة الإحاطة بها ومعرفة حقيقتها، ولهذا الغرض تقوم المحكمة بتوجيه الأسئلة إلى الخصم بحسب ما تراه المحكمة لازماً للإحاطة بالمسائل التي ترى المحكمة أنها غامضة أو مجملة أو ناقصة تحتاج إلى توضيح، وضمن الإستجواب يحق للخصم الآخر أن يوجه الأسئلة إلى خصمه عن طريق المحكمة شريطة ان تكون هذه الأسئلة متعلقة بالجوانب الغامضة أو المتناقضة أو الناقصة أو المجملة التي جعلت المحكمة تقرر إستدعاء الخصم للاستجواب.
ويشترط في الواقعة المراد الاستجواب عنها ان تكون متعلقة بالدعوى ذاتها ومنتجة فيها وجائز قبولها.
وفي كل الأحوال يتم تدوين الأسئلة الموجهة إلى الخصوم وإجاباتهم عليها وذلك في محضر جلسة المحكمة المخصصة لإستجواب الخصوم، ثم تقوم المحكمة بتلاوة الأسئلة وإجاباتها على الخصم،للغاية وبعدها يقوم الخصم بالتوقيع على المحضر، وفي هذا المعنى نصت المادة (176) من قانون الاثبات اليمني على أنه (يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الخصم إستجواب خصمه للإحاطة بجوانب المسائل المتنازع عليها ويكون توجيه الأسئلة للخصم عن طريق المحكمة أو من تندبه لذلك من قضاتها أو قضاة المحاكم الأخرى، ويبدأ بتوجيه الأسئلة التي ترى المحكمة أو القاضي المنتدب توجيهها ثم اسئلة الخصم، وللخصم المستجوب الإجابة فإن امتنع أثبت إمتناعه في المحضر وسببه إن وجد، ولا يخل ذلك بما تستنبطه المحكمة من قرائن تفيد في إثبات أو نفي الحق المتنازع عليه)، وفي السياق ذاته نصت المادة (177) إثبات يمني على أن (يحرر محضر يثبت فيه الإستجواب وتتلى على الخصم المستجوب إجاباته لإبداء ملاحظاته عليها ويوقع عليه مع رئيس المحكمة أو القاضي المنتدب والكاتب).
ويتم الاستجواب بناء على طلب الخصم، كما أن للمحكمة من تلقاء ذاتها أن تستجوب من يكون حاضرا من الخصوم أو تطلب حضوره لاستجوابه.
فإذا لم ينازع الخصم المطلوب استجوابه فيما يوجه إليه من أسئلة أو نازع فيها وقضت المحكمة بقبول الاستجواب، يوجه رئيس المحكمة الاسئلة التى يراها إلى الخصم، ويوجه اليه أيضا ما يطلب الخصم الآخر توجيهه منها، ويكلفه بالإجابة عليها فى نفس الجلسة، على أن له أن يطلب مهلة للاجابة، ويكون للمحكمة أن تجيبه، ولايجوز الاستعانة بمذكرات أو بمحام عند الإجابة على الأسئلة.
ويجب تدوين الأسئلة والأجوبة بالتفصيل بمحضر الجلسة، وبعد تلاوتها يوقع عليها الرئيس والكاتب والمستجوب، وإذا امتنع المستجاب عن الإجابة أو التوقيع ذكر فى المحضر سبب امتناعه.
والاستجواب طريق من طرق تحقيق الدعاوى عن طريق توجيه الاسئلة الى الخصوم عن بعض الوقائع، كي يصل الخصم طالب الاستجواب من وراء توجيه الاسئلة إلى خصمه الإجابة عليها او الاقرار بها من قبل خصمه الى اثبات مزاعمه او دفاعه ،كذلك تتمكن المحكمة من خلال الاستجواب إلى تلمس الحقيقة والاحاطة بتفاصيل القضية ، فالاستجواب لا يوجه الا للخصوم في الدعوى، اما ما عداهم فلا تسمع اقوالهم الا في صورة الشهادة او الخبرة، ولا يجوز للخصم المقرر استجوابه ان ينيب عنه في الإجابة على الاستجواب شخصا آخر، وللمحكمة، من تلقاء ذاتها او بناء على طلب الخصوم ان تستجوب من ترى موجبا لاستجوابه من أطراف الدعوى ، ولمحكمة الموضوع حق رفض طلب استجواب الخصوم على ان تبين سبب الرفض، خاصة اذا وجدت في عناصر الدعوى ما يكفي لتكوين عقيدتها .
الوجه السادس: الأصل أن إستجواب الخصوم جوازي:
صرحت المادة (176) من قانون الإثبات اليمني بأن إستجواب الخصوم أمر جوازي للمحكمة ، فيجوز لها أن تستجوب الخصم من تلقاء ذاتها، كما يحق لها أن تستجيب لطلب الخصم باستجواب خصمه الحاضر او إستدعاء خصمه لإستجوابه، كما يحق لها أن لا تستجيب لذلك، فإستجواب الخصوم في الحالتين يخضع لتقدير محكمة الموضوع في ضوء الأدلة المقدمة أمامها ومدى وضوح وقائع النزاع أمام المحكمة من خلال أقوال الخصوم ومذكراتهم وأدلتهم المقدمة إلى المحكمة وما إذا كان هناك إجمال أو نقص أو تناقض أو قصور في وقائع النزاع وادلته ، فإذا كانت الأدلة المقدمة أو وسائل الإثبات المقدمة من الخصوم واضحة وكافية ، وكذا إذا كانت وقائع النزاع واضحة وقد استطاعت محكمة الموضوع الإحاطة التامة بجوانب النزاع وتفاصيله، ففي هذه الحالة لا تلجأ المحكمة إلى إستجواب الخصوم، لأن الاستجواب وسيلة إثبات، وقد استطاعت المحكمة الاحاطة بوقائع النزاع وادلته تفصيلا عن طريق وسائل الإثبات الأخرى التي أوضحت حقيقة النزاع وتفاصيله المختلفة ، كما ان المحكمة في هذه الحالة لا تستجيب لطلبات الخصم استجواب خصمه اذا كانت المحكمة قد احاطت تفصيلا بوقائع النزاع والادلة عن طريق وسائل الاثبات الأخرى ، لأن طلب الخصم استجواب خصمه يكون في هذه الحالة نوع من اللدد والعناد بقصد إرهاق خصمه، لانه يشترط فى الوقائع المراد توجيه الاستجواب بشأنها ما يشترط فى الوقائع المراد إثباتها، اى يجب أن تكون متعلقة بالدعوى ومنتجة فيها وجائزة الإثبات، فإذا لم تتوفر هذه الشروط قضت برفض طلب الاستجواب. فإقرار الخصم بجوهر الواقعة المراد إثباتها بالاستجواب يجعل طلب الاستجواب غير منتج.
على أنه إذا كان للمحكمة سلطة رفض طلب استجواب الخصم باعتبار أنه من الرخص المخولة لها، إلا أن ذلك مشروط بأن يكون رفضها لهذا الطلب قائما على اعتبارات سائغة لها أصلها الثابت بالأوراق، ذلك أن استجواب الخصوم طريق من طرق تحقيق الدعوى شرع لاستجلاء بعض عناصرها ووقائع المنازعة المنظورة امامها توصلا إلى معرفة وجه الحق فيها.
ويلاحظ أن للمحكمة بعد أن تقضى بالاستجواب الحق فى العدول عنه .(استجواب الخصوم أمام القضاء المدني ، محمد العيسوي، ص2)
اما إذا كانت بعض مسائل النزاع غير واضحة وكانت الأدلة غير كافية أو غير واضحة او متناقضة او مجملة فانه يجب على المحكمة إستجواب الخصم أو الخصوم جميعاً للوقوف على الجوانب الغامضة في وقائع النزاع وأدلته وكذلك لمعرفة التفاصيل للعموم والإجمال الوارد في بعض الأدلة المقدمة إلى المحكمة أو لإزالة أوجه التناقض بين بعض الادلة أو الوقائع.
فوجوب استجواب الخصوم في هذه الأحوال لا يستفاد من نص المادة (176) إثبات السابق ذكرها التي افادت الجواز وإنما يستفاد من النصوص والمبادئ والقواعد القانونية والقضائية التي توجب على محكمة الموضوع الإحاطة التامة بكافة تفاصيل وقائع النزاع وأدلة الخصوم ،حتى تتمكن المحكمة من المناقشة التفصيلية في أسباب حكمها لوقائع النزاع وأدلة الخصوم تطبيقاً لما ورد في المادة (231) مرافعات وإلا كان حكمها باطلاً.
الوجه السابع: الاستجواب من أهم مظاهر الدور الايجابي للقاضي:
مبدا حياد القاضي يستلزم ان يكون القاضي سلبيا في مواجهة الخصوم ، بيد ان هناك بعض الاستثناءات ترد على مبدا سلبية القاضي منها مراقبة الخصوم لضمان حسن النية في اجراءات التقاضي وسلطة القاضي في إستجواب الخصوم ،فيعد استجواب الخصم من المظاهر البارزة لدور المحكمة الايجابي في الاثبات، حيث يمكن الاستجواب المحكمة من الزام الخصوم بالحضور امام المحكمة ومناقشتهم وبذلك تتزود المحكمة بمعلومات جديدة او تتمكن من استخلاص قرائن للأثبات، وقد يؤدي الى اقرار الخصم بالوقائع التي تناولها الاستجواب لمصلحة الخصم الآخر، فالاستجواب يعد تمهيداً او وسيلة فعالة للوصول الى اقرار الخصم بالحق المدعى به، وهذا متفق عليه فقها، فكثير من المتقاضين يقول الحقيقة ويقر بالحق عند مناقشة القاضي له ومجابهته بالحقائق في مجلس القضاء ، نظرا لما يوحي به مجلس القضاء من رهبة خاصة في نفوس المتقاضين، لذلك يطلق على الاقرار الذي يتم عن طريق الاستجواب، الاقرار المنتزع من بين اجابات الخصم الذي يتم استجوابه، ومع ذلك فان عنصر الاختيار بالنسبة الخصم لا يزال متوفرا في الاستجواب، حيث يستطيع الخصم المستجوب ان يقر او لا يقر بالواقعة المتنازع عليها.
والاستجواب قد يكون مقيدا وهو يستهدف الوصول الى اقرار قضائي من الخصم، وقد يكون حرا، وهو يرمي الى الحصول على ايضاحات بشأن وقائع القضية المعروضة، مما ينير المحكمة ويساعدها على تحري حقيقة النزاع وكشفها ، فيصبح الأمر المدعى به قريب الاحتمال، فاذا لم يبلغ الاستجواب درجة الاقرار اصبح مبدأ ثبوت بالكتابة وتستكمل دلالته بالشهادة والقرائن فيما يجب اثبات بالكتابة او يصلح كقرينة قضائية لاثبات المدعى به اذا كان مما يجوز اثباته بالشهادة والقرائن .(شرح قانون الاثبات ، د. عصمت عبد المجيد بكر، ص١٦٥).
ومن خلال ما تقدم تظهر بوضوح العلاقة الوثيقة بين إستجواب الخصوم وإحاطة القاضي بوقائع القضية. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الاثبات ، أ .د . عبدالمؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٣م، صـ١٢٢)، والله اعلم.

تعليقات
إرسال تعليق