الهبة للوارث باطلة الا اذا اجازها الورثة
الهبة للوارث باطلة إلا إذا اجازها الورثة
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين - الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء
تصدر من المورث تصرفات عدة للورثة تختلف مسمياتها واحكامها واسبابها وبواعثها، ومن ذلك الهبة التي تقع من المورث لأحد الورثة، وهي المسألة التي تناولها الحكم محل تعليقنا، وهو الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في اليمن في جلستها المنعقدة بتاريخ 6/9/1999م في الطعن الشخصي رقم (320) لسنة 1420هـ وخلاصة أسباب هذا الحكم انه (بعد المداولة وإمعان النظر فقد وجدت الدائرة ان الحكم الصادر عن محكمة اول درجة والمؤيد من محكمة الاستئناف المطعون فيه قد خالف النصوص الشرعية والقانونية حيث قضى هذا الحكم بصحة الهبة الصادرة من الحرة ..... لابنها.....، لان تصرف العوام لما بعد الموت حكمه كحكم الوصية كما ان الظاهر في التصرف الحيلة على بقية الورثة، لذا لزم نقض الحكم وإعادة القضية)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الاوجه الاتية:
الوجه الأول: الهبة للوارث باطلة الا اذا اجازها الورثة بعد وفاة المورث:
قضى الحكم محل تعليقنا بأن الهبة لأحد الورثة تكون بمثابة الوصية لأحد الورثة ويكون حكمها حكم الوصية وسند الحكم محل تعليقنا في ذلك هو المادة (186) أحوال شخصية التي نصت على ان( الهبة للوارث ووارثه في حياته تأخذ حكم الوصية إلا فيما استهلكه الموهوب له في حياة المورث حقيقة او حكماً مع مراعاة احكام المادة (183) ) وقد أضيفت هذه المادة الى قانون الأحوال الشخصية بموجب التعديلات التي جرت عليه عام 1998م وفي ذلك دليل على شيوع ظاهرة الهبة للوارث في اليمن وتصدى المشرع لهذه الظاهرة، ومفهوم هذه المادة ان الأصل بطلان الوصية للوارث عملاً بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم( لا وصية لوارث) وبمقتضى المادة (224) أحوال شخصية التي نصت على انه ( لا تصح الوصية لوارث الا بإجازة من الورثة) وعلى هذا الأساس فان إجازة الورثة للوصية للوارث لا تصح في اثناء حياته وإنما بعد وفاة المورث بموجب المادة (227) أحوال شخصية التي نصت على انه (لا تصح إجازة الوصية إلا من بالغ عاقل مختار بعد وفاة الموصي) ومن خلال تطبيق هذه النصوص على الحكم محل تعليقنا نجد ان الورثة لم يجيزوا الهبة بل انهم قد خالفوا الموهوب له ونازعوه، ولذلك فان الحكم محل تعليقنا قد وافق القانون في ابطاله للهبة للوارث.
الوجه الثاني: استهلاك الوارث للهبة في اثناء حياة مورثه يمنع الورثة الاخرين من ابطال الهبة:
نصت المادة (186) أحوال شخصية على ان (الهبة للوارث ووارثه في حياته تأخذ حكم الوصية الا فيما استهلكه الموهوب له في حياة الواهب حقيقة او حكماً) فهذا النص يصرح بان استهلاك الوارث للهبة حقيقة كأن ينفق الشيء الموهوب أو يتصرف به الى الغير أو يصرفه ويستنفذه او يقوم بالتصرف بالمال الموهوب الى الغير كأن يبيع السيارة او الأرض او يوقفها او يهبها للغير ....الخ، فهذا الاستهلاك الحقيقي او الحكمي يمنع الورثة من المطالبة بذلك المال الموهوب المستهلك او المطالبة بان يكون لهم مثل ذلك، لان النص القانوني قد صرح بان الاستهلاك للهبة في أثناء حياة المورث مستثنى من حكم الوصية لوارث، وهذا النص القانوني له اصل في الفقه الإسلامي الذي يقرر لزوم الهبة اذا قبضها للموهوب له او تصرف بها للغير حرصاً من الشريعة الإسلامية على استقرار المراكز القانونية ولتعلق حق الغير بالهبة، وقد اخذ قانون الأحوال الشخصية اليمني بهذه الوجهة حيث قرر عدم جواز رجوع المورث الواهب عن هبته للوارث في حياتهما اذا كان الوارث قد استهلك المال الموهوب حسبما ورد في المادة (197).
الوجه الثالث: وجوب المساواة بين الورثة في الهبة:
سبق ان ذكرنا ان المادة (186) أحوال شخصية قد نصت على ان الهبة للوارث ووارثه تأخذ حكم الوصية وان هذه المادة نصت على مراعاة احكام المادة (183) أحوال شخصية وهي المادة التي اوجبت المساواة بين الأولاد والورثة في الهبة حيث نصت المادة (183) على انه (تجب المساواة في الهبة والمشتبهات بها بين الأولاد وبين الورثة حسب الفريضة الشرعية) وهذا يعني ان يقوم المورث في اثناء حياته بالمساواة بين الأولاد والورثة في الهبة بحسب الفريضة الشرعية، ومن وجهة نظرنا ان المساواة بين الأولاد تختلف عن المساواة بين الورثة حيث المقصود بالمساواة بين الأولاد ان يعطي الوالد لأولاده او يهبهم بالتساوي ذكوراً او اناثاً لان الهبة او العطية تختلف عن القسمة للتركة التي تكون بعد الموت وهذا هو القول الراجح في الفقه الإسلامي الذي هو المرجع في تفسير النصوص القانونية بمقتضى المادة (18) مدني التي قررت ان كتب الفقه الإسلامي هي المرجع في تطبيق وتفسير النصوص القانونية اما المساواة بين الورثة الاخرين غير الأولاد فتكون بحسب الفرائض الشرعية (للذكر مثل حظ الانثيين) لان المادة(183) السابق ذكرها قد عطفت المساواة بين الورثة الاخرين على المساواة بين الأولاد والعطف يقتضي المغايرة أي ان المساواة في الهبة بين الأولاد تختلف عن المساواة بين الورثة الاخرين.
الوجه الرابع: جواز الهبة للوارث مقابل خدمة او منفعة قدمها الوارث لمورثه:
من خلال مطالعة أسباب الحكم محل تعليقنا نجد انه أشار في معرض تسبيبه الى ان الهبة الصادرة من المورثة لوارثها كانت من غير مقابل أي ان الوارث الموهوب له لم يقدم أي عوض او بدل او منفعة او خدمة لمورثه مقابل الهبة التي وهبتها له مورثته، وهذا لا يجوز شرعاً وقانوناً، لان الهبة في هذه الحالة تكون بمثابة الوصية لوارث التي لا تصح الا اذا اجازها الورثة بعد وفاة مورثهم على النحو السابق بيانه ، لان الهبة في هذه الحالة مفاضلة بين الورثة تثير بينهم الأحقاد والحسد وهو محرم في الشريعة، اما اذا كانت الهبة من المورث لاحد ورثته مقابل خدمة قدمها الوارث لمورثه مثل ان تنفرد الأخت او البنت او غيرها من الورثة بخدمة ابيها او أمها العاجزين او غيرهما فيقوم الاب او الام بهبتها بعض المال الذي يتناسب مع الجهد والعمل المبذول منها فلا يكون هذا التصرف هبة بالمعنى الدقيق ولا تنطبق على هذا التصرف احكام الهبة للوارث، لان التصرف هذا معاوضة وليس هبة شرعية ، ويسرى هذا الحكم على الوارث الذي يقوم بعلاج مورثه او الانفاق عليه وقد أشارت الى جواز الهبة في هذه الحالة المادة (180) أحوال شخصية التي نصت على انه (تصح الهبة بعوض ولو من غير الموهوب له) وقد استقر قضاء المحكمة العليا في اليمن وغيرها على جواز الهبة للوارث اذا كانت مقابل خدمة او منفعة او مال دفعه الوارث لمورثه في اثناء حياته اذا كانت هناك ادلة او قرائن تدل على ذلك، وقد صرح قانون الأحوال الشخصية بجواز الهبة مقابل منفعة باعتبارها ليست هبة بالمفهوم الحقيقي وانما هي من قبيل البيع او القرض او الاجازة حسبما تدل عليه قرائن الحال حيث نصت المادة (188) أحوال شخصية على ان (الهبة على عوض مشترط ان كان مالاً او منفعة تأخذ حكم البيع).
الوجه الخامس: الحالات التي لا تكون من قبيل الهبة للوارث:
هناك حالات لا تندرج ضمن الهبة للوارث ومن ذلك المال الذي يدفعه المورث اثناء حياته او يهبه او يوصيه الى أي من ورثته المحتملين مقابل شقية او سعي قام به الوارث شريطة ان يكون هناك تناسب فيما بين عائد السعي او الشقاء والمال الموهوب او الموصي به للساعي من الورثة، كذلك لا يندرج ضمن حكم الهبة لوارث المال الذي ينفقه المورث على ورثته باستثناء نفقات الزواج والتعليم.
الوجه السادس: بطلان أي تصرف يخفي حيلة الورثة:
قضى الحكم محل تعليقنا بأن الهبة في القضية التي تضمنها حكم محكمة الموضوع تتضمن الحيلة على بقية الورثة ولذلك فالهبة باطلة حسبما ورد في الحكم المطعون فيه، وهذا الاجتهاد له اصل في الشريعة الإسلامية التي تقرر ان الأمور بمقاصدها وانه يُعمل بالمقاصد الخفية اذا دلت على هذه المقاصد قرائن الحال الظاهرة كما ان قضاء الحكم محل تعليقنا له اصل في القانون حيث وردت ضمن القواعد المنصوص عليها في القانون المدني المادة (6) (الأمور بمقاصدها والعبرة في الكتابات بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني) فإذا كانت قرائن الحال تدل على أن الهبة تتضمن حيلة على بقية الورثة فهي باطلة، والله اعلم.

تعليقات
إرسال تعليق