معنى: الضرر المحقق في المسؤولية العقدية
معنى: الضرر المحقق في المسؤولية العقدية
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
المسؤولية العقدية هي أحد صورتي المسؤولية المدنية، وصورتها الأخرى هي المسؤولية التقصيرية، فالمسؤولية العقدية تعرف بأنها ما يجب في ذمة المتعاقد لصالح المتعاقد الاخر وجبر الضرر الذي أصاب هذا المتعاقد الاخر جراء مخالفة المتعاقد أو إخلاله بالتزاماته المنصوص عليها في العقد المبرم بينهما.
وبناء على ذلك فان المسؤوليتين العقدية والتقصيرية باعتبارهما صورتي المسؤولية المدنية يتفقان في أركانهما، فكليهما يتحققان بتحقق الخطأ والضرر وعلاقة السبية التي تربط بين الخطأ والضرر، والاختلاف بينهما في منشأ الخطأ الذي يكون في المسؤولية العقدية هو خطأ تعاقدي ناشئ عن مخالفة أحكام العقد والتزاماته، بينما في المسؤولية التقصيرية يكون الخطأ متمثلاً في الفعل غير المشروع المخالف لاحكام الشرع والقوانين والانظمة.
وعلى اساس ما تقدم فان الضرر ركن من اهم اركان المسئولية العقدية ، فعلى قدر الضرر يكون التعويض ، ومن اهم شروط الضرر ان يكون محققا حسبما هو مقرر في المادة (٣٥١) من القانون المدني اليمني ، وحسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢/٣/٢٠١١م، في الطعن رقم (٤٣٤٨١)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه : (فالحكم المطعون فيه لم يخالف القانون حينما لم يحكم بالتعويض الذي طلبه الطاعن لعدم تحقق الضرر نتيجة الإخلال بالعقد)، و سيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: تعريف المسؤولية العقدية:
العقد شريعة المتعاقدين ، فالأصل ان يقوم المتعاقدون بتنفيذ بنود العقد او التزاماتهما العقدية أي أن يقوم المتعاقد بتنفيذ عين الالتزام الذي يقع على عاتقه، فلا يستبدله بشكل آخر من أشكال الالتزام فلا تبرأ ذمته إلا بتنفيذ التزامه حسبما ورد في العقد، وان يتم ذلك خلال الأجل الزمني المحدد لتنفيذه بالعقد دون أي تأخر.
فإذا تخلف المتعاقد عن تنفيذ التزامه عينياً ، فقد يكون تخلفه في شكل امتناع عن التنفيذ أو تأخير فيه عن الموعد المحدد لذلك، فعندئذ قد يسلك المتعاقد المضرور طريقين، الطريق الأول هو طريق التنفيذ العيني ، حيث يتم فيه إجبار المدين على تنفيذ التزامه المترتب على العقد بشكل جبري متى كان تنفيذه لايزال ممكناً، والطريق الثاني هو طريق التنفيذ بطريق التعويض، ويعد الطريق الثاني هو جوهر المسؤولية العقدية.
والمسؤولية العقدية هي أحد صورتي المسؤولية المدنية، وصورتها الأخرى هي المسؤولية التقصيرية، والمسؤولية العقدية هي: ما يجب في ذمة المتعاقد لصالح غيره لجبر للضرر الذي أصاب هذا الغير من جراء مخالفة الشخص أو إخلاله بالتزاماته التي يقررها عليه العقد المبرم بينهما وبالتالي فإن المسؤوليتين العقدية والتقصيرية هما صورتا المسؤولية المدنية يتفقان في أركانهما، فكليهما يتحققان بتحقق الاركان الثلاثة: الخطأ والضرر وعلاقة السبية التي تربط بين الخطأ والضرر، والاختلاف بينهما يكمن في منشأ الخطأ الذي يكون في المسؤولية العقدية هو خطأ تعاقدي ناشئ عن مخالفة أحكام العقد والتزاماته، بينما في المسؤولية التقصيرية يكون الخطأ متمثلاً في الفعل غير المشروع.
فالمسؤولية العقدية هي: ضمان الضرر الذي يترتب على وقوع إخلال من أحد أطراف العقد بالالتزامات التعاقدية التي تقع على عاتقه.) الضرر في المسؤولية العقدية. د. احمد عبد السلام ، منشور في موقع حماة الحق الالكتروني).
الوجه الثاني: تعريف الضرر كركن من أركان المسؤولية العقدية:
نصت المادة (351) من القانون المدني اليمني على انه: (اذا لم يكن متفقا على مقدار التعويض في العقد او بنص القانون فالقاضي هو الذي يقدره، ويكون التقدير على اساس ما لحق صاحب الحق من ضرر محقق بشرط ان يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالحق او للتاخر في الوفاء به، ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية اذا لم يكن في استطاعة صاحب الحق ان يتوقاه ببذل جهد معقول واذا كان الحق ناشئا عن عقد فلا يحكم على الملتزم الذي لم يرتكب غشا او خطا جسيما الا بتعويض الضرر الذي يمكن توقعه عادة وقت العقد).
سبق ان ذكرنا في الوجه السابق أشرنا الى أن المسؤولية العقدية تقوم على ثلاث أركان هي الخطأ الذي يتمثل في إخلال المتعاقد بالتزاماته التعاقدية، والضرر الذي يصيب الطرف الآخر في التعاقد، وعلاقة السببية التي تربط بين ركني الخطأ والضرر.
والضرر هو أهم ركن من أركان المسؤولية المدنية بل هو جوهرها ، فلا تقوم المسؤولية العقدية لمجرد توافر الخطأ في جانب المتعاقد، بل يلزم أن يترتب على الخطأ إصابة المتعاقد الاخربضرر بسبب إخلال الاول في تنفيذ التزامه العقدي، فإذا لم يترتب على الإخلال في تنفيذ الالتزام ضررًا، فلا تقع المسؤولية ولا محل للحكم بالتعويض .
فالقانون المدني لا يقيم وزنًا لغير الضرر ، كقاعدة عامة فدعوى المسؤولية العقدية ليست دعوى مجتمع وإنما هي دعوى فرد من أفراد هذا المجتمع وهو المتعاقد المضرور، ولهذا فإنها لا تكون مقبولة إلا إذا توفرت فيها شروط كل دعوى خاصة، ولعل أبرز شروط الدعوى هي المصلحة، إذ لا دعوى من غير مصلحة، ولا مصلحة إذا لم يكن هناك ضرر قد لحق بالمدعي.
وقد تصدى الفقه الإسلامي لتعريف الضرر على أنه إلحاق مفسدة أو إيذاء للغير في أموالهم أو أجسادهم أو عرضهم أو عواطفهم ويتبين من هذا التعريف أن الفقه الإسلامي قد عرف الضرر بنوعيه المادي والمعنوي (الأدبي).
وقد عرف الفقه القانوني الضرر بأكثر من تعريف، وهذه التعاريف وإن اختلفت في عباراتها إلا أنها اتفقت في مضمونها.
فهناك من يعرف الضرر أنه ما يصيب الشخص من أذى سواء في أي حق من حقوقه أو في أي مصلحة من المصالح المشروعة الخاصة به، بغض النظر عما إذا كان ذلك الحق أو هذه المصلحة تتسم بأن لها قيمة مالية أم لا.
وذهب بعض الشراح الى تعريف الضرر بأنه : الأذى الذي يصيب القرد في حقوقه أو مصالحه المشروعة التي تتعلق بسلامة جسده أو عاطفته أو حريته أو شرفه أو اعتباره.
وهناك من يعرف الضرر بأنه: الأذى المترتب على عدم تنفيذ أحد أطراف العقد لالتزاماته التعاقدية أو تأخره في تنفيذها أو تنفيذه لها بصورة معيبة، ويستوي في ذلك أن يكون الأذى منصباً على مصلحة مالية أو أدبية للطرف الآخر.
وبعضهم يعرف الضرر بأنه: (الأذى الذي يلحق بالغير، وهو إما أن يكون ماديًا أو أدبيا).
واخرون عرفوا الضرر بأنه: (الأذى الذي يصيب الإنسان في حق من حقوقه أو مصلحة من مصالحه يستوي أن تكون مالية أو أدبية، فالضرر نوعان ضرر مادي: أي يصيب المضرور في جسمه أو في ماله، أو ضرر معنوي يصيب الشخص في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو أي معنى أدبي يحرص عليه الإنسان).
وعرفه البعض من جانب المصلحة على إنه: (المساس بمصلحة مشروعة للمضرور، سواء أكانت المصلحة مالية ويسمى في هذه الحالة ضرر مادي، أم مصلحة معنوية، ويسمى في هذه الحالة ضرر أدبي ام معنوي).
وكما عُرف على إنه: (الإخلال بمصلحة مالية للمضرور والمضرور في هذا المجال هو الدائن الذي عاد عليه ضرر من جراء عدم تنفيذ المدين لالتزامه، أو تأخيره عن تنفيذ هذا الالتزام).
ويظهر من هذه التعاريف بان مضمون الضرر وجوهره هو : ان الضرر كركن من أركان المسؤولية العقدية يعد بمثابة محور وجوهر تلك المسؤولية، حيث أنه يمثل فكرة جبر وإصلاح ما ترتب من أذى على الإخلال المرتكب من قبل أحد المتعاقدين بالتزاماته التعاقدية، وتقوم المسؤولية العقدية من حيث الأصل لإزالته وإزالة ما يترتب عليه من آثار، وبناء على ذلك إذا تم ارتكاب خطأ من قبل أحد المتعاقدين ولكن ذلك الخطأ لم ينتج عنه أي ضرر للطرف الآخر فعندئذ تنتفي المسؤولية العقدية في حق المتعاقد المخطئ، وهناك حالات كثيرة قد لا يترتب فيها ضرر على خطأ المتعاقد، وعلى سبيل المثال لذلك أن يكون العقد المبرم بين الطرفين هو عقد نقل لسيارات سيتم المشاركة بها في سباق، ويتأخر الطرف الناقل عن تسليم السيارات في موعدها، ولكن يتبين أن السباق قد تم تأجيله إلى موعد لا حق على الموعد الذي تم التسليم الفعلي فيه، فعندئذ لا يتحقق الضرر على الرغم من خطأ الطرف الناقل ، فلا تقوم المسؤولية العقدية في حقه.
الوجه الثالث: أنواع الضرر:
الضرر بوجه عام نوعان، النوع الأول: الضرر المادي، والنوع الثاني هو الضرر الأدبي أو كما يعرفه البعض بالضرر المعنوي.
النوع الاول: الضرر المادي:
االضرر المادي هو الضرر الذي تكون آثاره منصبة على الذمة المالية للشخص المضرور سواء كان ذلك في شكل الانتقاص من حقوقه المالية أو في تفويت مصلحة مالية مشروعة عليه، أو تكون آثاره منصبة على جسده بأي صورة كانت سواء جرح أو إعاقة أو كسر أو غيرها من صور الضرر الذي يصيب سلامة الجسد.
وقد يقع الضرر المادي بصورة مباشرة كما قد يقع أيضاً بصورة غير مباشرة، فالضرر المادي المباشر يقصد به الضرر الذي يتحقق بصورة مباشرة عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية، بحيث يكون وقوع هذا الإخلال سبباً رئيسياً في حدوث الضرر وما كان ليتحقق الضرر إلا بوقوعه، وذهب غالبية الفقه القانوني إلى أن أي ضرر متوقع هو ضرر مباشر، في حين أن الضرر غير المباشر يقصد به الضرر الذي يتحقق بمنأى عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية، فلا يكون هناك اتصال مباشر بين وقوع الإخلال وتحقق الضرر، وقد ذهب أيضاً جانب واسع من الفقه للقول بأن الضرر غير المتوقع هو ضرر غير مباشر، أما القانون المدني اليمني فقد ورد في المادة (٣٥١) انه: (واذا كان الحق ناشئا عن عقد فلا يحكم على الملتزم الذي لم يرتكب غشا او خطا جسيما الا بتعويض الضرر الذي يمكن توقعه عادة وقت العقد).
النوع الثاني: الضرر الأدبي:
الضرر الأدبي هو الأذى الذي يستهدف الشخص في سمعته أو مشاعره كشعوره بالألم أو في عرضه وشرفه أو مركزه الاجتماعي أو في عواطفه، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الضرر الأدبي الذي يصيب المؤلف في سمعته نتيجة قيام الناشر بإدخال بعض التغييرات على أحداث ووقائع روايته التي ينشرها مخالفاً بذلك بنود واشتراطات عقد النشر، أو الأذى الذي يصيب سمعة فنان مشهور بسبب عدم وضع اسمه بشكل يتناسب مع شهرته على إعلانات العمل السينمائي الذي يشارك فيه وبصورة تخالف الاتفاق الوارد بالعقد، وغيرها من صور الضرر الأدبي الأخرى.
والخطأ التعاقدي قد ينشأ عنه نوعي الضرر – المادي والأدبي – معاً، حيث يختلط هذان النوعان من الضرر فيقع الضرر التعاقدي، فعلى سبيل المثال قيام الناشر بالتغيير في أحداث ووقائع الرواية التي ينشرها يصيب المؤلف بأضرار مادية تتمثل في انخفاض نسبة الإقبال على شراء الرواية وعدم تحقيق أرباح، كما يصيبه بأضرار أدبية في سمعته كمؤلف نظراً لما يصيب روايته من انهيار لأحداثها وعدم تسلسلها بشكل يفقدها مصداقيتها لدى القراء وبالتالي يفقد المؤلف ثقة جمهوره بما يؤثر على سمعته وهو ما يعد ضرر أدبي جسيم. (الضرر في المسؤولية العقدية. د. احمد عبد السلام ، منشور في موقع حماة الحق الالكتروني).
الوجه الرابع: شروط الضرر في المسئولية العقدية:
يشترط في الضرر في المسؤولية العقدية بغض النظر عن نوعه يشترط فيه ما ياتي :
الشرط الأول: أن يكون الضرر مباشراً:
اي أن يكون الضرر الذي وقع في المضرور نتيجة حتمية لما وقع من المتعاقد من إخلال بالالتزامات التعاقدية، بمعنى آخر أن يتصل الضرر بشكل رئيسي وأساسي في تحققه بوقوع الإخلال بالالتزامات التعاقدية، سيما وأن هناك بعض الحالات التي يتحقق فيها الضرر ولكنه لا يكون ناتجاً بشكل مباشر عن الإخلال التعاقدي.
وتعد مسألة تحديد نوع الضرر وما إذا كان مباشراً أم غير مباشر من المسائل الحساسة شديدة الدقة، مما حدا بجانب كبير من الفقه القانوني إلى القول بأن تحديد الخطأ المباشر والغير مباشر والتمييز بينهما لا يعد مسألة قانونية بقدر ما يعد مسألة فطنة وتقدير وقدرة على الاستدلال.
ومن امثلة الضرر المباشر وغير المباشر أن يتفق شخص مع متعهد نقل على أن يقوم بنقل بضاعة إلى محله التجاري، وأثناء قيام المتعهد بنقل البضائع تتعرض السيارة المحملة بها لحادث سير يترتب عليه تلف البضاعة، فيصاب صاحب البضاعة بصدمة قلبية تودي بحياته عند علمه بذلك الخبر، فالضرر المباشر هنا هو تلف البضاعة، بينما يعد ضرراً غير مباشر وفاة صاحب البضائع ولا يدخل في إطار الضمان الخاص بالمسؤولية العقدية، وهو ما تواترت عليه أحكام محكمة التمييز الأردنية في صدورها.
الشرط الثاني: أن يكون الضرر محقق الوقوع:
كي تقوم المسؤولية العقدية فانه يجب أن يكون الضرر محقق الوقوع، ويقصد بمحقق الوقوع هنا أن يكون الضرر قد تحقق بالفعل أو أن يكون مؤكد التحقق، وبالتالي فإن الضرر الاحتمالي باعتباره ضرر غير محقق الوقوع لا يعد من قبيل الضرر الذي تقوم بشأنه المسؤولية العقدية، ولا يدخل في إطار الضمان.
والضرر محقق الوقوع يدخل في إطاره الضرر الحال، والضرر الحال هو الضرر الذي وقع بالفعل، وعلى سبيل المثال له أن تصاب البضاعة التي يتم نقلها بموجب عقد نقل بتلفيات أو أن تتلف تماماً، فالضرر هنا قد يتحقق بمجرد تلف البضاعة.
أما الضرر مؤكد التحقق فهو الضرر الذي تتحقق كافة الأسباب المؤدية إليه والتي تؤكد أنه على الرغم من عدم تحققه بعد إلا أن تحققه مستقبلاً أمر مؤكد، فتقوم وتتحقق أسبابه وتتراخى آثاره لتظهر في فترة لاحقة وبصورة مؤكدة لا مجال للشك أو الاحتمال بشأن تحققها، وعلى سبيل المثال لذلك أن يتم إبرام عقد نقل لبضائع عن طريق البحر وتكون تلك البضائع ذات طبيعة تجعلها تتلف بمجرد ملامستها للماء، وأثناء النقل تغرق سفينة النقل قبالة الشاطئ، فيتأكد هنا أن البضائع سيلحقها الضرر ويتحقق بشأنها حتى وإن تم انتشالها من الماء نظراً لأن طبيعتها تحتم ذلك، وبالتالي يكون الضرر مشمولاً بالضمان حتى قبل أن يتم انتشال البضائع من الماء.
وهناك صورة أخرى من صور الضرر المحقق التي يشملها الضمان وهي صورة تفويت الفرصة على المتعاقد للكسب، فعلى سبيل المثال أن يتعاقد المؤلف مع الناشر على نشر كتابه في مدة محددة، إلا أن الناشر يتراخى في نشر الكتاب لمدة طويلة، فإنه يفوت على المؤلف فرصة الكسب لعدم تسويق الكتاب لمدة طويلة، ويكون الضرر هنا ضرراً محققاً يشمله الضمان.
ويجب لتحقق الضرر الذي يطالب المتعاقد بالتعويض عنه، سواء أكان ضررًا ماديًا أم أدبيًا، أن يكون الضرر محققا، والضرر يكون محققا إذا كان حالا أي وقع فعلا، أما إذا كان مستقبلًا، فقد يكون محقق الوقوع وقد يكون وقوعه أمرًا محتملا ، فإذا كان الضرر محقق الوقوع فيجب التعويض عنه في الحال، ولا يتعين في هذه الحالة انتظار وقوعه لرفع دعوى المسؤولية العقدية إذا كانت عناصر تقدير التعويض متوفرة في الحال، وأما إذا كان الضرر محتمل الوقوع أي قد يقع وقد لا يقع في المستقبل فلا محل لطلب التعويض عنه في الحال، بل يجب الانتظار حتى يتحقق .
وحسب ما أشارت إليه محكمة التمييز الإتحادية في العراق في أحد قراراتها على إنه: ((إذا تغيرت حالة المأجور بفعل المؤجر أو بفعل غيره قبل إستلام المأجور كان للمستأجر قبول عقد الإيجار بحالته وإن شاء فسخ عقد الإيجار، وإن عدم إستلام المستاجر للمأجور يمثل ضررا احتماليًا لا يستحق المستأجر التعويض عن فوات المنفعة لأنه لم يتكبد أي نفقات)).
وبشان الضرر المحقق قضت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1775 لسنة 2006 والصادر بجلسة 17/12/2006، قضت بأنه: (استقر الاجتهاد القضائي على أنه يشترط للتعويض عن الضرر الواجب التعويض عنه أن يكون الضرر محقق الوقوع أما الضرر المحتمل وهو ضرر غير محقق قد يقع وقد لا يقع فلا يجوز التعويض عنه لأن الضرر الاحتمالي غير مضمون ولذلك فإن التعويض عنه أمر غير جائز قانوناً)، كما قضت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 383 لسنة 1987 والصادر بجلسة 26/5/1987، قضت بأنه (يتوجب على المدعية في دعوى الضمان الناشئة عن المسؤولية العقدية بسبب اخلال المدعى عليها بشروط العطاء المحال على المدعية ان تثبت انها تكبدت بالفعل دفع قيمة الآلات المصنعة لغايات العطاء، اذ لا يكفي مجرد قيام المديونية لثبوت الضرر الفعلي للضمان لان المديونية يمكن ان تسوى برد المبيع او باستبداله او بتسويته).
وكذا قضت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 475 لسنة 1999 والصادر بجلسة 23/9/1999، قضت بانه (إذا لم يكن الضمان عن المسؤولية العقدية مقدرا في القانون أو في العقد فتقدره المحكمة بما يساوي الضرر الواقع فعلا حين وقوعه عملا بالمادة (363) من القانون المدني وحيث أن الأضرار التي لحقت بصاحب العمل نتيجة مخالفة المقاول لأصول الصنعة وذلك حين وقوعها وحسب ما بينه الخبراء تتمثل في ثمن المواد المستعملة في البناء الذي تقرر إزالته وطالما أن العقد الموقع من الطرفين لم يتضمن الإشارة إلى مقدار التعويض عن أية أضرار أخرى في حال وقوعها فان إلزام المدعى عليه بقيمة الأضرار الواقعة فعلا وعدم الحكم للمدعي باجر مثل البناء المتعاقد على إنشائه في محله وموافق للقانون).(الضرر في المسؤولية العقدية. د. احمد عبد السلام ، منشور في موقع حماة الحق الالكتروني).
الشرط الثالث: أن يصيب الضرر حق مالي أو مصلحة مشروع:
تقتضي فكرة الضرر بحد ذاتها عند الضرر عنصرًا أو ركنا من أركان المسؤولية المدنية أن يكون المدعي في المسؤولية المدنية قد أضر في مركز كان يفيد من ورائه، أو في منفعة كان يحصل عليها قبل وقوع الفعل الضار.
فالضرر العقدي الذي يعطي الحق في التعويض هو الضرر الذي يكون مترتبا عن الإخلال بمصلحة مشروعة، أي مصلحة يحميها القانون لأن التعويض في الحقيقة انعكاس لحماية قانونية، لهذا فالمصلحة التي يحميها القانون في هذا الصدد، هي المصلحة المبنية على عقد صحيح يربط بين الطرفيين، ويكون موضوعها مشروعًا لا يتعارض مع النظام العام ولا القواعد الآمرة، كما في حالة امتناع البائع عن تسليم مبيع مستجمع لشروطه القانونية، بخلاف إذا كان الإخلال العقدي يتعلق بمصلحة لا يحميها القانون، فلا مجال هنالك للتعويض، كما في حالة مطالبة الدائن لتعويض عن ضرر يتمثل في امتناع المدين عن القيام بعمل غير مشروع محل التعاقد كتهريب بضاعة، أو تخزين أسلحة غير مشروعة .
ويقصد بالمصلحة المشروعة في هذا الشرط ألا تكون متضمنة لأي مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة، حيث أن القانون لا يسبغ الحماية على أي حقوق أو مصالح تتسم بكونها غير مشروعة، لذلك فإن تحديد مشروعية الحق أو المصلحة يختلف من دولة إلى أخرى، وذلك لاختلاف مفهوم النظام العام والآداب العامة من قانون إلى آخر باعتبار تأثر ذلك بالظروف والعادات وغيرها من الظروف الاجتماعية التي تختلف بين دول العالم.
الشرط الرابع: أن يكون الضرر الأدبي متوقعا:
يقتصر هذا الشرط على الضرر الأدبي دون الضرر المادي، فلا يشترط في وقوع الضرر المادي أن يكون متوقعاً، بل يكون الضرر المادي مشمولاً بالضمان حتى وإن كان تحققه غير متوقع، بينما في الضرر الأدبي يلزم لكي يشمله الضمان أن يكون تحققه هو أمر متوقع لدى طرفي التعاقد، فإن كان الضرر الأدبي غير متوقع لدى أياً من طرفي العقد فإن تحققه لا يجعله مشمولاً بالضمان ولا تتحقق عنه المسؤولية العقدية.
ويعد المعيار الذي يتم الاستناد إليه في تحديد مدى كون الضرر الأدبي متوقعاً أم لا هو معيار الشخص العادي، بحيث يتم النظر إلى مدى تحقق الضرر الأدبي من منظور الشخص العادي الذي متى تواجد في ذات الظروف سيتبين أن وقوع الضرر الأدبي متوقع أم لا، ولذلك فإن تحديد مدى توقع حدوث الضرر الأدبي من عدمه يعود غالباً إلى السلطة التقديرية للقاضي المعروضة عليه دعوى المسؤولية.
الشرط الخامس: أن يكون الضرر شخصيا:
اي ان يكون الضرر قد نزل بالمدعي نفسه، ومعنى هذا الشرط أن يكون الضرر قد نزل بالمدعي نفسه، ويستوي بعد هذا أن يكون قد وقع على شخص المدعي، أو على ماله، أو على مصلحة مشروعة له يحميها القانون ولا يسمح بالاعتداء عليها أو الأضرار بها، إذ يتحتم لقيام المسؤولية أن يكون في دعوى التعويض هو المضرور من الإخلال بالالتزام التعاقدي .
فلا يكفي لقيام المسؤولية العقدية وجود عقد بين المتعاقدين بل يجب أن يكون هذا العقد قد أبرم بين المسؤول المخل بالتزامه والمتضرر، لأن آثار العقد تقتصر على طرفيه على وفق قاعدة نسبية أثر العقد .
لكن ذلك لا يمنع رفع دعوى المسؤولية العقدية من قبل الوكيل أو النائب الشرعي باسم الموكل أو القاصر أو الموجود في وضعية من موانع الأهلية، وذلك بهدف الحصول عن تعويض الضرر العقدي اللاحق بأحدهم وإذا توفي العاقد المتضرر من عدم التنفيذ فإن حق التعويض عن الضرر ينتقل إلى خلفه العام سواء أكان الضرر ماليا أم معنويًا، وسواء أكان المتضرر المتوفي قد رفع الدعوى المطالبة بالتعويض خلال حياته أم لا.) التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المسؤولية المدنية ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٦٩).
الوجه الخامسً: التعويض عن الضرر في المسئولية العقدية:
متى وقع إخلال بالتزام تعاقدي من أحد طرفي العقد وثبت أن ذلك الإخلال قد ترتب عليه ضرر للطرف الآخر سواء إكان هذا الضرر مادياً أو أدبياً، فعندئذ يضمن الطرف المخل بالتزاماته التعاقدية ما تسبب فيه إخلاله من ضرر للطرف الاخر.
وفي الضرر المترتب على المسؤولية العقدية يكون الضمان في أحد صورتين، إما أن يكون ضمان اتفاقي، وإما أن يكون ضمان قضائي.
اولا: التعويض الاتفاقي عن الضرر:
نصت المادة (351) من القانون المدني اليمني على انه: (اذا لم يكن متفقا على مقدار التعويض في العقد او بنص القانون فالقاضي هو الذي يقدره، ويكون التقدير على اساس ما لحق صاحب الحق من ضرر محقق بشرط ان يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالحق او للتاخر في الوفاء به، ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية اذا لم يكن في استطاعة صاحب الحق ان يتوقاه ببذل جهد معقول واذا كان الحق ناشئا عن عقد فلا يحكم على الملتزم الذي لم يرتكب غشا او خطا جسيما الا بتعويض الضرر الذي يمكن توقعه عادة وقت العقد).
يقصد بالتعويض الاتفاقي للضرر الشرط الجزائي الذي يتضمنه العقد المبرم بين الطرفين، والذي يحددا فيه مقدماً مقدار التعويض عن الضرر الذي يلحق بأي من طرفي العقد عند الاخلال بالالتزامات العقدية.
ويلزم أن يكون هذا التعويض الاتفاقي مقرراً قبل أن يقع الإخلال بالالتزام التعاقدي المترتب عليه الضرر المضمون، وهو أمر طبيعي ومنطقي لكونه لو تم بعد حدوث الإخلال بالالتزام التعاقدي فإنه يخرج من نطاق الضمان ويعد بمثابة صلح.
وقد أجاز القانون أن يكون الاتفاق على تقرير الضمان وقيمته وارداً بالعقد المبرم بين الطرفين، كما أجاز أن يكون في اتفاق مستقل لاحق على العقد طالما كان هذا الاتفاق اللاحق سابقاً على تحقق الإخلال التعاقدي الناتج عنه الضرر المضمون.
ولا يحول تحديد قيمة الضمان في العقد دون سلطة المحكمة المعروض عليها دعوى المسؤولية في تعديل قيمة الضمان المتفق عليه بين طرفي العقد، سيما إذا كانت قيمة الضرر المتحقق تفوق قيمة الضمان المتفق عليه أو العكس، لذلك منح المشرع للمحكمة سلطة تعديل قيمة الضمان المتفق عليه.
ثانيا: التعويض القضائي عن الضرر:
متى خلا العقد المبرم بين الطرفين من تحديد لقيمة الضمان الذي يستحق عند حدوث ضرر تعاقدي، ولم يتم تحرير اتفاق مستقل بين الطرفين بهذا الشأن، فإن الأمر يصبح بين يدي المحكمة المعروضة عليها دعوى المسؤولية لتقوم بتقدير قيمة الضمان الذي يتناسب مع الضرر المتحقق من جراء الإخلال التعاقدي، وهو ما يطلق عليه الضمان القضائي للضرر.
وبالتالي فإن الضمان القضائي يختلف عن الضمان الاتفاقي للضرر التعاقدي في أكثر من وجه، أهمها أن الضمان القضائي يتم تحديده من قبل المحكمة المعروضة عليها دعوى المسؤولية العقدية، بينما الضمان الاتفاقي يحدد من قبل طرفي العقد، كما أن الضمان الاتفاقي يحدد بشكل سابق على تحقق الضرر، في حين أن الضمان القضائي يتم تقديره بشكل لاحق على تحقق الضرر.
ولا يتم اللجوء إلى طلب القضاء بتقدير التعويض إلا عند خلو العقد من تقدير التعويض الاتفاقي الذي يتم تحديده مسبقا من قبل طرفي العقد عند التعاقد، وأيضاً متى خلا القانون من نص يحدد فيه قيمة التعويض الذي يلزم المحكمة أن تقضي به، وفي حالة التعويض القضائي يقوم القضاء بتقدير قيمة التعويض الذي يتناسب مع جسامة الضرر الذي لحق بالمتعاقد المضرور.) التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المسؤولية المدنية ، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٧٢)، والله اعلم.

تعليقات
إرسال تعليق