الخطأ المشترك في المسؤولية العقدية

الخطأ المشترك في المسؤولية العقدية

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

صورة مقال قانوني يتحدث عن الخطأ المشترك في المسؤولية العقدية

العقد شريعة المتعاقدين فيجب على أطراف العقد الوفاء بإلتزاماتهم في الوقت المحدد وبحسب الطريقة المحددة في العقد، فإذا لم يقم المتعاقد بذلك فإنه قد ارتكب خطأ مما يجعله مسؤولاً عن هذا الخطأ، وقد يكون هذا الخطأ فردياً صادراً من أحد المتعاقدين وحده،  بيد أن هذا الخطأ قد يكون مشتركاً كما لو لم يلتزم الطرفان بتنفيذ التزاماتها او خالفا التزامهما العقدي، وقد تكون نسبة الإخلال المشترك بالعقد متساوية كما قد تكون متفاوتة، إلا انه يترتب على الخطأ المشترك في المسئولية العقدية المسئولية المشتركة على كل متعاقد حسب نسبة الخطأ الصادر منه، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 31/5/2011م، في الطعن رقم (43622)،فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (أن الثابت من إستقراء الوقائع انه قد وقع خطأ مشترك من قبل الطاعن والمطعون ضده معا، فالمتيقن ان الطاعن قد استلم البضاعة بحالتها ولم يثبت إمتناعه عن إستلامها مع انه كان بوسعه ذلك،كما انه قد قبل بعروض الوساطة بمشاركته في التعويض، وعليه فان مسئوليتهما مشتركة فيتحملا قيمة البضاعة مناصفة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول: معنى المسئولية العقدية:

يتكون مصطلح المسؤولية العقدية من مصطلحين: فالمسؤولية قانوناً تعني: “الالتزام بإِصلاح الخطأ الواقع على الغير طبقًا لقانون”. أمّا العقد: فهو ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يظهر أثره في محله، وبناء على ذلك فان المسؤولية العقدية تعني: جزاء يترتب نتيجة الاخلال بالتزام عقدي نشأ عنه ضرر، ومُسبب الضرر يقع على عاتقه تحمل المسؤولية بالتعويض للطرف المتضرر، وحتى يستحق المُتضرر التعويض فيجب توافر أركان المسؤولية العقدية وهي الخطأ والضرر وعلاقة السببية بين الخطأ والضرر.

الوجه الثاني: كيف يقع الخطأ المشترك في المسئولية العقدية:

 الخطأ المشترك هو ان يجتمع اكثر من خطأ فيقع الضرر بسببه او بعبارة اخرى ان الضرر لا يقع بسبب خطأ البائع وحده بل يشترك معه في احداثه خطـأ المضرور (المشتري) ، فيكـون هناك في هذه الحالة خطـأين ارتبطت بهمـا علاقـة السببيـة ، فـاذا لـم يستغرق احدهما الاخر كنا امام حالة يطلق عليها الخطأ المشترك ، فتكون مسؤولية محدث الضرر (البائع المدعى عليه) مخففة بقدر مساهمة المشتري في احداث هذا الضرر ، فهي لا يزيلها خطأ المضرور بشكل مطلق وذلك لان علاقة السببية مرتبطة بالخطأ المشترك الذي صدر من العاقدين فوقع الضرر بسببه.

ويقع الخطأ المشترك المشترك من العاقدين عندما يقع الضرر بسبب إخلالهما معا بالتزاماتها العقدية، وبتطبيق هذا المفهوم على القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا يظهر ان الضرر قد وقع بسبب الخطأ المشترك بين البائع والمشتري فقد قام البائع بتسليم البضاعة وبعضها معيب، وكان عيبها ظاهر للمشتري ومع ذلك استلم المشتري البضاعة المعيبة حتى تلفت كلها بيده مع انه بوسعه ان يمتنع عن إستلامها طالما انها معيبة وعيبها ظاهر له ، ولو لم يستلمها لقام البائع بفرزها وتصريف الصالح منها بدلا من تلفها كلها بعهدة المشتري.

فعقد البيع يحتم على البائع ان يسلم البضاعة سليمة وصالحة ،ولذلك فان البائع قد اخل بإلتزامه حينما سلم البضاعة وبعضها معيب، ومن جانب اخر فان عقد البيع يلزم المشتري بفحص البضاعة قبل إستلامها للتاكد من صلاحية البضاعة وله ان لايقبل البضاعة غير الصالحة، الا ان المشتري في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا قد قام باستلام البضاعة كاملة مع ان بعضها كان معيبا، وعلى هذا الاساس فقد وقع الإخلال بالالتزام العقدي من قبل الطرفين وتسبب ذلك في وقوع الضرر وهو تلف البضاعة كلها مما يستلزم المسئولية المشتركة للبائع والمشتري فيتحملا التعويض وهو قيمة البضاعة مناصفة حسبما قضى الحكم محل تعليقنا. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل عقد البيع، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة، طبعة 2024م صنعاء، صـ151).

الوجه الثالث: الخطأ المشترك في المسئولية العقدية إخلال بالتزام عقدي:

الخطأ المشترك هو إخلال بالتزام عقدي، أو خطأ عقدي، والخطا العقدي هو الركن الأول من أركان المسؤولية العقدية، وقد اختلف شراح القانون المدني في تعريف الخطأ العقدي، فهناك من يعِّرف الخطأ العقدي بأنه:" انحراف في سلوك المدين بالالتزام، لا يأتيه الرجل المعتاد إذا وجد في نفس ظروف المدين العادية"،وهذا التعريف قاصر لانه يقصر الخطأ العقدي على معيار واحد، هو معيار الرجل العادي، في حين أن معيار الخطأ قد يكون معيارا شخصيا.

 ويعرفه آخرون بأنه:" انحراف إيجابي أو سلبي في سلوك المدين يؤدي إلى مؤاخذته"، وهذا التعريف يمتاز بأنه وان كان جامعا، إلا انه غير مانع، ذلك انه يدخل فيه - الخطأ التقصيري، كما يدخل فيه المسؤولية بأركانها الثلاثة، فالخطأ العقدي لا يؤدي في ذاته للمؤاخذة، في حين أن التعريف، يفيد أن الخطأ يؤدي إلى المؤاخذة، فالمؤاخذة تحتاج إلى توافر الأركان الثلاثة للمسؤولية.

وهناك من يعرف الخطأ العقدي بأنه:" عدم تنفيذ المدين لالتزامه الناشئ عن العقد"، فالخطأ العقدي هو عدم تنفيذ الالتزام الناشئ عن العقد، ويشمل ذلك عدم التنفيذ المطلق، سواء لكامل الالتزام أو لجزء منه، أو تنفيذه المعيب، أو تنفيذه المتأخر،وهذا التعريف الأخير هو الأكثر دقة من غيره، فهو من جهة تعريف جامع يعبر عن ماهية الخطأ العقدي الذي هو ذاته (عدم التنفيذ)، كما أنه تعريف مانع بحيث أنه يقتصر على العقد دون غيره من مصادر الالتزام، وهو من جهة ثالثة يعبر عن الحالة العملية للخطأ العقدي، وهو ما يدعمه موقف القضاء، وفي ذلك قالت محكمة النقض المصرية:" المقرر في قضاء هذه المحكمة أن عدم تنفيذ المدين لإلتزامه التعاقدي أو التأخير في تنفيذه يعتبر في ذاته خطأ يرتب مسئوليته".

غير أن الخطأ ليس كافيا وحده لترتيب المسؤولية، لان المسؤولية العقدية تقتضي تحقق جميع الأركان حتى تقوم. وتختلف صورة الخطأ تبعا لإختلاف نوعي الالتزام العقدي: فقد يكون الالتزام بتحقيق غاية، وقد يكون ببذل عناية. علما أن ما يميز الالتزامات ويجعلها؛ إما التزامات بوسيلة وأما التزامات بغاية، هي إرادة الأطراف، فإذا تعذر معرفة إرادتهم، وجب الرجوع عندئذ إلى طبيعة النتيجة التي يسعى المتعاقدان إلى تحقيقها، وذلك من حيث طابع الاحتمال أو اليقين النسبي في تحققها.

 وتبعا لهذا التقسيم، فإذا كان التزام المدين بتحقيق غاية، فانه يعد مخطئا إذا لم تتحقق الغاية المطلوبة، ولا يقبل منه أن يقيم الدليل على انعدام الخطأ من جانبه، لأن هذا الخطأ قد وقع فعلا لعدم تنفيذ التزامه، وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن: "مجرد عدم تنفيذ المدين لالتزامه التعاقدي يعتبر في ذاته خطأ موجبا للمسئولية ألتى لا يدرؤها عنه إلا إثباته قيام القوة القاهرة أو خطأ الدائن"

وجاء في حكم آخر:" عدم تنفيذ المدين لإلتزامه التعاقدي يعتبر في ذاته خطأ يرتب مسئولية".

 ومن أمثلة هذا النوع من الالتزام؛ الالتزام ببناء بيت أو بنقل حق عيني، أو الامتناع عن المنافسة، والتزام البنك بضمان ما هو مودع في الخزانة الحديدية، والتزام الناقل بإيصال البضاعة، وقد قضت في ذلك محكمة النقض المصرية بأن: "عقد نقل الأشياء يلقى على عاتق الناقل التزاما بضمان الأشياء المراد نقلها سليمة إلى المرسل إليه، وهذا الالتزام هو التزا م بتحقيق غاية، فإذا تلفت هذه الأشياء أو هلكت فإنه يكفى أن يثبت أن ذلك حدث أثناء تنفيذ عقد النقل، ويعتبر هذا إثباتا لعدم قيام الناقل بإلتزامه، فتقوم مسئوليته عن هذا الضرر بغير حاجة إلى إثبات وقوع خطأ من جانبه، ولا ترتفع هذه المسئولية إلا إذا أثبت هو أن التلف أو الهلاك نشأ عن عيب في ذات الأشياء المنقولة أو بسبب قوة قاهرة أو خطأ من الغير".

 أما في حالة الالتزام ببذل عناية، فان الخطأ يتحقق إذا لم يقم المدين ببذل العناية اللازمة، ومعيار عدم التنفيذ (الخطأ) في هذا النوع من الالتزام، هو –بصورة عامة- معيار الرجل المعتاد، فإذا لم يقم المدين ببذل مقدار من العناية وهي عناية الرجل المعتاد فانه يكون مرتكبا للخطأ العقدي ويتطابق هذا النص مع ما جاء في المادة (234) من المشروع، التي جاء في المذكرةالإيضاحية للقانون المدني المصري :" ان صور الالتزام بعمل تنقسم إلى طائفتين:

الأولى: تنظم ما يوجب على الملزم المحافظة على الشيء أو إدارته أو توخي الحيطة في تنفيذ ما التزم الوفاء به. وبعبارة أخرى ما يتصل الإلزام فيه بسلوك الملتزم وعنايته.

والثانية: يدخل فيه ما عدا ذلك من صور العمل كالالتزام بإصلاح آلة، وتقتصر هذه المادة على حكم الطائفة الأولى، فتحدد مدى العناية التي يتعين على المدين أن يبذلها في تنفيذ الالتزام، والأصل في هذه العناية أن تكون مماثلة لما يبذله الشخص المعتاد فهي بهذه المثابة وسط بين المراتب، يناط بالمألوف في عناية سواد الناس بشؤونهم الخاصة".

 ومن أمثلة الالتزام ببذل عناية، التزام المودع لديه بحفظ الوديعة، والتزام المستعير بحفظ العارية، والتزام صاحب الفندق باتخاذ ألاحتياطات التي تكفل سلامة النزلاء، والتزام الطبيب بمعالجة المريض –بوجه عام- هو التزام ببذل عناية، إلا أن معيار الرجل المعتاد ليس معيارا مطلقا، فقد يكون المعيار مختلفا، وذلك في الأحوال التي ينص القانون أو يقضي الاتفاق بذلك.

 وخطأ المدين في الالتزام بتحقيق غاية، يكون مفترضا في حالة عدم التنفيذ، لأن القانون نص على أحوال ينقضي فيها الالتزام، وهي حالات السبب الأجنبي، حيث لا يكون ثمة التزام، فلا يتصور قيام مسؤولية المدين، وانقضائها في ذات الوقت. وكما يترتب الخطأ العقدي في المسؤولية عن الخطأ الشخصي، كذلك فانه يترتب على المسؤولية عن فعل الغير، وعن الأشياء. ومسؤولية المدين العقدية عن فعل الغير مقررة في القانون ، فما دام انه يجوز للمدين أن يشترط عدم مسؤولية المدين عمن يستخدمهم في تنفيذ التزامه، وبين الحالات الأخرى للمسؤولية العقدية عن الغير، ففي الحالة الأولى تتحقق مسؤولية المدين إذا تحققت مسؤولية المستخدم من قبله بنفس الشروط، فإذا كانت مسؤولية المدين ببذل عناية تحققت مسؤوليته أن لم يبذل مستخدمه العناية اللازمة، وان كانت بتحقيق نتيجة تتحقق مسؤوليته إذا لم يحقق مستخدمه النتيجة المطلوبة، أما الأحوال الأخرى فمنها مسؤولية المؤجر عن أعمال التعرض الصادرة عن مستأجر آخر أو أي شخص تلقى الحق عن المؤجر، فيكون مسؤولا عن أخطائهم تجاه المستأجر، وكذلك هو مسؤول عن أعمال تابعيه، إلا أن مسؤوليته هنا تقوم بنص القانون وكذلك الحال في مسؤولية صاحب الفندق تجاه الزبائن عن أخطاء قد يرتكبها نزلاء آخرون في الفندق، وقد أسست محكمة النقض المصرية هذا النوع من المسؤولية عن فعل الغير على (طبيعة العقد)، فقالت فيما يتعلق بالتزام صاحب الفندق تجاه سلامة النزلاء، بأنه:" أمر تفرضه طبيعة عقد الإيواء وصادف هذا صحيح القانون إذ مفاد النص في الفقرة الثانية من المادة 148 من القانون المدني على أن لا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه ولكن يتناول أيضا ما هو من مستلزماته وفقا للقانون والعرف بحسب طبيعة الالتزام) …"( 35 ). أي أن المحكمة الموقرة- باعتقادي-وجدت في هذا الالتزام التزاما ناشئا من طبيعة العقد. علما أن مسؤولية صاحب الفندق عن فعل الغير في المحافظة على أغراض النزيل هو التزام مصدره القانون.

 كما أن المدين يسأل عن فعل الأشياء، ويقصد بالخطأ العقدي عن الأشياء، هو عدم تنفيذ المدين لالتزامه العقدي، وعدم التنفيذ هنا لا يرجع إلى فعل المدين الشخصي، بل إلى فعل الشيء،ويتحقق ذلك في أحوال عدة منها؛ حالة أولى تسليم المدين (البائع) الآلة المباعة إلى المشتري، فتنفجر الآلة في يد المشتري، وتصيبه بضرر في نفسه أو بماله، هنا يصبح البائع مسؤولا بمقتضى التزامه العقدي بضمان العيوب الخفية. وفي حالة أخرى يكون المستأجر مسؤولا عن رد العين المؤجرة، فيتدخل شئ في حراسة المستأجر كمواد متفجرة تؤدي إلى حريق بالعين، فهنا لم ينفذ المدين التزامه العقدي برد العين المؤجرة، فيكون مسؤولا مسؤولية عقدية. وفي حالة ثالثة، يقوم المدين بتنفيذ العقد عن طريق استعمال شيء فيؤذي هذا الشي ء الدائن، ويكون المدين مسؤولا بمقتضى العقد، ومثال ذلك عقد النقل ينفذه أمين النقل بوسائل المواصلات المختلفة، كسيارة أو قطار أو طائرة، فيصطدم القطار أو تسقط الطائرة، فيصاب الراكب بالضرر، فيكون المدين مسؤولا مسؤولية عقدية، ويرى البعض أن المسؤولية في هذه الأحوال لا تكون عن فعل المدين الشخصي، وإنما عن فعل الشيء. والمختارأن مسؤولية المدين هي عن فعله الشخصي، فلم ترد في القانون قواعد خاصة بمسؤولية المدين العقدية عن فعل الشيء في حراسته، ولما كان وجود الشيء في حراسة المدين فان فعل الشيء في هذه الحالة يعتبر فعلا شخصيا للمدين، ويكون المدين مسؤولا بالتالي عن فعل الشيء الذي في حراسته مسؤوليته عن فعله الشخصي، على انه إذا اجتمعت المسؤولية العقدية عن الشيء والمسؤولية التقصيرية، فتطبق الأولى. (اركان المسؤولية العقدية ، د. احمد سليم نصرة، صـ17)، والله اعلم.

تعليقات

عدد الزوار