أساس الحكم الاستئنافي عند تأييده للابتدائي

أساس الحكم الاستئنافي عند تأييده للابتدائي

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
صورة لمقال قانوني بعنوان: أساس الحكم الاستئنافي عند تأييده للابتدائي، للأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
الحكم هو المنطوق الذي يتأسس على أسباب الحكم التي تتأسس بدورها على اوراق القضية ونصوص القانون، واستئناف الحكم الابتدائي بعيد طرح النزاع امام محكمة الاستئناف في حدود ما فصل فيه الحكم الابتدائي وفي حدود ماورد في عريضة الاستئناف، إذ تتولى محكمة الاستئناف دراسة ومناقشة عريضة الاستئناف واوراق القضية والاستماع الى مرافعات الخصوم، ومن خلال قد تتوصل محكمة الاستئناف الى إلغاء الحكم الابتدائي او تعديله او تأييده اذا ثبت لديها موافقة الحكم الابتدائي للشرع والقانون وأن له اصل في اوراق القضية، وعندئذ يحق لمحكمة الاستئناف ان تحيل في تسبيبها الى الحكم الابتدائي باعتباره اساسا للحكم الاستئنافي حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 21/2/2011م ، في الطعن رقم (43818)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (وحيث ينعي الطاعن على الحكم الاستئنافي في السبب الثالث من طعنه عدم بيان الأساس القانوني الذي بني عليه، لا نه لم يستند لا ي مواد قانونية في اسبابه، والدائرة: تجد ان هذا النعي غير منتج ، لان الحكم الاستئنافي قد تبنى اسباب الحكم الابتدائي ، وبذلك يكون قد استند ضمنيا الى مواد القانون الواردة في الحكم الابتدائي الذي قضى بتأييده)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: المقصود باساس الحكم:

الحكم هو المنطوق الذي يتأسس على أسباب الحكم التي تتأسس بدورها على اوراق القضية ونصوص القانون التي يستند اليها الحكم في قضائه ، وبناء. على ذلك فان المقصود بأساس الحكم هو أسباب الحكم.
وقد اشار محل تعليقنا الى الأساس القانوني للحكم ،والمقصود به النصوص القانونية وارقامها التي استند اليها الحكم في قضائه اي النصوص القانونية التي اعتمدها الحكم في تكييفه للوقائع والتصرفات التي فصل فيها الحكم ، وكذا النصوص القانونية التي طبقها الحكم بشان الادلة التي استدل بها الخصوم.

الوجه الثاني: عيب عدم ذكر النصوص القانونية وارقام عند تسبيب الحكم:

 اشار الحكم محل تعلقينا بان القصور المتمثل في عدم ذكر ارقام النصوص القانونية التي استند اليها الحكم عيب في التسبيب ولكن هذا العيب لا يبطل الحكم ، لان محكمة الطعن الاعلى تتولى إستدراك هذا العيب.
والغرض من ذكر ارقام مواد القانون ضمن أسباب الحكم هو سهولة رجوع الخصوم او محكمة الطعن الى النصوص القانونية التي تأسس عليها الحكم ، ولا يكفي مجرد ذكر رقم المادة القانونية بل بجب على من يستند الى النص القانوني أو يستدل به ان يذكر مضمون النص القانوني وان يبين وجه الاستدلال به أو الاستناد اليه وكيفية ذلك عن طريق عرض النص القانوني وبيان اوجه تطبيقه على الواقعة او التصرف.
فمن مقتضيات الإستدلال والاستناد الى النصوص القانونية أن يتم كتابة مضمون النص القانوني وعرضه كما ورد في متن القانون، وأن يتم بيان كيف أنه ينطبق على الواقعة او التصرف محل االنزاع.
ومقتضيات الحياد والموضوعية ان لا يتولى قاضي الموضوع بنفسه شرح النصوص القانونية التي يستدل بها أو يستند اليها أو يقوم بتطبيقها وانما ينبغي عليه الرجوع الى كتب الفقه الاسلامي والمذكرات الايضاحية للقانون ، وفي هذا المعنى نصت المادة (١٨) من القانون المدني اليمني على أن: (المرجع في تفسير نصوص القوانين وتطبيقها هو الفقه الاسلامي والمذكرات الايضاحية والكتب الشارحة الصادرة من الهيئة التشريعية المختصة). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالاستئناف، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، صـ١٨١ ).

الوجه الثالث: جواز إعتبار أسباب الحكم الابتدائي أسباباً للحكم الاستئنافي:

 الاستئناف يعيد طرح النزاع أمام محكمة الاستئناف في حدود ما فصل فيه الحكم الابتدائي وفي حدود ما ورد في عريضة الاستئناف ، إلا انه في غالب الحالات لا يعرض الخصوم ولا يقدموا أمام محكمة الاستئناف أوجه دفاع أو أدلة جديدة غير ما سبق لهم تقديمه أمام محكمة أول درجة، وعندئذ تقوم محكمة الاستئناف بدراسة أوراق القضية في ضوء ما ورد في عريضة الاستئناف، فتخلص محكمة الاستئناف من خلال ذلك إلى أن الخصوم لم يأتوا بجديد في مرحلة الاستئناف وإن محكمة أول درجة قد مكنت الخصوم من حقهم في الإدعاء والدفاع وإن المحكمة الابتدائية قد ناقشت وفصلت في كافة طلبات ودفوع ودفاع الخصوم، وإن محكمة أول درجة قد سببت لحكمها تسبيباً كافياً وسائغاً للشرع والقانون والواقع، وإن أسباب الحكم الابتدائي لها أساس في أوراق القضية وفي نصوص القانون، وان محكمة أول درجة قد استندت في تسبيبها إلى نصوص قانونية مطابقة للوقائع والأدلة ، فعندئذٍ تجد محكمة الاستئناف أنه لا مناص من قضائها بتأييد الحكم الابتدائي بكل فقراته، وبدلاً من أن تعيد محكمة الاستئناف صياغة أسباب الحكم الابتدائي في مدونة الحكم الاستئنافي فأن محكمة الاستئناف تصرح في الحيز المخصص لأسباب حكمها تصرح بإعتبار أسباب الحكم الابتدائي أسباباً للحكم الاستئنافي.

الوجه الرابع: ضوابط إعتبار أسباب الحكم الابتدائي أسباباً للحكم الاستئنافي:

يمكن تلخيص هذه الضوابط كما يأتي:

الضابط الأول: قضاء الحكم الاستئنافي بتأييد الحكم الابتدائي كاملاً: 

أي قضاء الحكم الاستئنافي بتأييد كل فقرات منطوق الحكم الابتدائي، لأن فقرات منطوق الحكم الابتدائي هي النتائج القانونية والمنطقية لأسباب الحكم الابتدائي التي افضت إليها، ففي هذه الحالة من النادر ان تختلف أسباب الحكم الاستئنافي عن أسباب الحكم الابتدائي .

الضابط الثاني: عدم تقديم الخصوم أدلة أو اوجه دفاع جديدة أمام محكمة الاستئناف: 

فإذا لم يقدم الخصوم أدلة أو أوجه دفاع جديدة في مرحلة الاستئناف، فإن محكمة الاستئناف في هذه الحالة لن تكون ملزمة بمناقشة هذه الأدلة وأوجه الدفاع في أسبابها حكمها لعدم وجود أدلة أو أوجه دفاع جديدة ، فلا حرج في هذه الحالة إذا ما نصت محكمة الاستئناف في حكمها على إعتبار أسباب الحكم الابتدائي أسباباً للحكم الاستئنافي.

الضابط الثالث: ان تتحقق محكمة الاستئناف من توفر الشروط المعتبرة قانوناً في التسبيب في أسباب الحكم الابتدائي: 

فيجب على محكمة الاستئناف دراسة أسباب الحكم الابتدائي بعناية للتحقق من موافقتها لنصوص القانون وان لها أصل في أوراق القضية، والتثبت من ان أسباب الحكم الابتدائي قد تضمنت المناقشة التفصيلية لأدلة الخصوم وطلباتهم وأوجه دفاعهم، وان تلك أسباب مرتبة وسائغة وكافية لبناء الحكم عليها، وأن كل اسباب الحكم وجيهة اي تتوفر فيها الشروط القانونية للتسبيب ، فعندئذٍ لن تجد محكمة الاستئناف الا أن تعيد صياغة أسباب الحكم الابتدائي وتنص عليها في حكمها أو ان تعتبر أسباب الحكم الابتدائي أسباباً لحكمها، ولا حرج عليها ولاتثريب في الحالين.

الضابط الرابع: ان تذكر محكمة الاستئناف الإعتبارات التي جعلتها تقضي بإعتبار أسباب الحكم الابتدائي أسباباً لحكمها: 

فلا يكفي ان تذكر محكمة الاستئناف في أسباب حكمها أنها قد اعتنقت أو اعتبرت أسباب الحكم الابتدائي أسباباً لحكمها، بل يجب على محكمة الاستئناف ان تبرر ذلك في الحيز المخصص لأسباب حكمها، كالقول: ان الخصوم لم يأتوا بجديد أمام محكمة الاستئناف وان الشعبة قد درست أوراق القضية وتأكد لها ان أسباب الحكم الابتدائي كانت موافقة للنصوص القانونية ولما ورد في أوراق القضية وان أسباب الحكم الابتدائي قد ناقشت أدلة وأوجه دفاع ودفوع الخصوم وفصلت فيها، وان أسباب الحكم الابتدائي واضحة ومفصلة وسائغة وكافية لبناء الحكم عليها (السلطة التقديرية وضمانات المتهم في الإجراءات الجزائية، المستشار الدكتور محمود نصر، 230).

الوجه الخامس: جواز إعادة ذكر أسباب الحكم الابتدائي ضمن أسباب الحكم الاستئنافي:

يتفنن القضاة في اليمن وغيرها في صياغة أسباب أحكامهم وتدبيجها بالنصوص الشرعية والقانونية واوالمبادئ والسوابق القضائية وشروح الفقه الإسلامي والقانوني ، فمن خلال ذلك تظهر بصمات القضاة في التسبيب التي تختلف من محكمة إلى محكمة ومن قاض إلى قاض ، ولذلك فإن القاضي الاستئنافي حتى ان وجد الحكم الابتدائي موافقا للحكم الاستئنافي في اسبابه ومنطوقه إلا أن القاضي الاستئنافي في هذه الحالة يأبى إلا أن يعيد صياغة أسباب الحكم الابتدائي في الحكم الاستئنافي بأسلوب ينسجم مع صنعة القاضي الاستئنافي ولغته القضائية، ومن خلال مطالعتنا الكثيرة للأحكام نجد أن غالبية الأحكام تنتهج هذا المنهج، ولا تثريب عليها في ذلك مثلما أنه لا تثريب عليها أن قضت بإعتبار أسباب الحكم الابتدائي أسباباً لحكمها حسبما قضى الحكم محل تعليقنا (ضوابط تسبيب الأحكام الجنائية، د. رؤوف عبيد، صـ292).

الوجه السادس: تسبيب الحكم الاستئنافي في حالة موافقته للحكم الابتدائي في المنطوق ومخالفته في الأسباب:

هناك حالات يتفق فيها الحكم الاستئنافي مع الحكم الابتدائي في المنطوق ولكنهما يختلفا في التسبيب، فقد يجد القاضي الاستئنافي ان منطوق الحكم الابتدائي موافق من الناحية القانونية والواقعية ، ولكن بعض أسباب الحكم الابتدائي غير وجهية بمعنى انه لأصل لها في القانون أو الواقع أو تحتاج إلى تجويد أو تصحيح في صياغتها، فعندئذ يقوم القاضي الاستئنافي بالتصريح بعدم صحة هذا السبب ومن القيام بتصحيحه ثم الإحالة إلى بقية أسباب الحكم الابتدائي الصحيحة أو إعادة صياغة جميع الأسباب وتضمينها في أسباب الحكم الاستئنافي (أسباب صحيفة الاستئناف، د. عبدالحكيم فودة، صـ251).
وقد وقف الباحث على حكم إستئنافي صادر عن الشعبة الجزائية بأمانة العاصمة حينما كان يرأسها القاضي العلامة حسين بن محمد المهدي، فقد قضى هذا الحكم الاستئنافي: بتأييد الحكم الجزائي الصادر من محكمة جنوب غرب الأمانة حيث وافق الحكم الاستئنافي الحكم الابتدائي في المنطوق وخالفه في التسبيب، حيث تضمنت أسباب الحكم الاستئنافي مذاكرة علمية بديعة في التوافق في المنطوق والإختلاف في التسبيب بين الحكمين الابتدائي والاستئنافي، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالاستئناف ، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م ، صـ١٧٥) ، والله اعلم.

تعليقات

عدد الزوار