حكم البيع بالتقسيط في المصارف وغيرها
حكم البيع بالتقسيط في المصارف وغيرها
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
عقد البيع بالتقسيط من العقود الشائعة ، وغالبا ما يكون ثمن السلعة بالتقسيط اكثر من ثمنها نقدا في الحال ، ولذلك اختلف الفقهاء بشان حكم عقد التقسيط في هذه الحالة ، وكذا اختلف الفقهاء بشان غرامة تاخير سداد الاقساط ءكما اختلف الفقهاء بشان جواز الاتفاق المسبق على انه اذا عجز المدين عن سداد قسط من الاقساط فان الاقساط التالية له تصير حالة الاداء ، فقد ذهب فريق من الفقهاء الى انه يجوز للبائع ان يشترط عند إبرام عقد التقسيط انه إذا لم يف الدائن باي قسط من الاقساط فان الاقساط التالية لذلك القسط تصير حالة الاداء واجبة السداد ولو لم يكن ميعاد إستحقاقها قد حان بعد ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 21/2/2011م ، في الطعن رقم (43818) ، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى بالزام الطاعن بدفع الاقساط الاجلة تنفيذا لعقد البيع بالتقسيط الذي ابرمه مع البنك الذي نص على انه اذا لم يقم الطاعن بسداد قسط فان الاقساط الاجلة الباقية تصير حالة الاداء واجبة السداد، وقد قضى الحكم الاستئنافي بتاييد الحكم الابتدائي في قضائه ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي ،واقرت الدائرة التجارية الحكم الاستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (ونعي الطاعن في غير محله طالما انه قد عجز عن سداد القسط والاقساط المتبقية ،وقد عرض الطاعن في طعنه إجراء المقاصة بينها وبين قيمة العقار المرهون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: مفهوم التقسيط:
التقسيط وسيلة لسداد دين في الذمة او سداد ثمن سلعة او ارضية او سيارة...الخ ، والتقسيط بحسب هذا المفهوم جائز في الشريعة بل انه مندوب إذا لم يشتمل على زيادة في الدين او الثمن ،لان التقسيط في هذه الحالة من قبيل التيسير على المشتري او المدين في الوفاء بدينه على دفعات او اقساط بدلا من الوفاء به دفعة واحدة .
بيد ان زيادة الدين مقابل تسديد المدين للدين بالتقسيط محرم بإجماع الفقهاء كما لو اقرض الدائن المدين مبلغ مليون ريالا دفعة واحدة على ان يدفعه المدين بالتقسيط مليون ومائتا الف ريالا ، لان هذا من قبيل الربا ، بخلاف لو كان الدين بالتقسيط من غير زيادة عند سداده.
وكذلك الحال اذا كان البيع بالتقسيط وكان ثمن السلعة أو الشئ بالتقسيط يساوي ثمنها نقدا حال بيعها، لان الخلاف بين الفقهاء في بيع التقسيط منحصر في زيادة الثمن مقابل التقسيط.
الوجه الثاني: معنى بيع التقسيط:
المقصود ببيع التقسيط أن يقوم البائع ببيع السلعة الى المشتري بثمن مؤجل أعلى من الثمن الحال، على أن يدفع المشتري الثمن مفرقًا اي على أجزاء او اقساط معينة تؤدى في اوقات محددة معلومة.
وبيع التقسيط يحقق مصلحة تعود على كل من البائع والمشترى، إذ تتمثل مصلحة البائع في تيسير السبل وفتح الأبواب وزيادة المشترين لسلعته .
أما المشترى فتظهر مصلحته في حصوله على السلعة التي تمس حاجته إليها, ولا يملك ثمنها في الحال، بأن يدفع ذلك الثمن مؤجلًا على دفعات او اقساط تتناسب وقدراته المالية.
وتكثر الحاجة الى بيع التقسيط عند اصحاب الدخل المحدود، فصاحب الدخل المحدود يحتاج إلى سلعة تسد حاجة من حاجاته أو توفر له أسباب العيش الكريم، أو تجلب له الكسب والنماء أحيانًا، مثل غسالة أو ثلاجة أو سيارة وغير ذلك من الأدوات والآلات الكهربائية والميكانيكية والأثاث.
إذ يقصد المشتري المحتاج الى التاجر الذي يبيع هذه المواد بالتقسيط فيخبره بثمنها إذا أراد أن يدفع حالًا وثمنها إذا أراد أن يدفع مقسطًا، وهو طبيعة الحال أعلى من الثمن الحال، فإذا ما اختار المشترى الثمن المؤجل المقسط وتم الاتفاق على ذلك كانت تلك صورة بيع التقسيط الذي نحن بصدد الحديث عنه.
الوجه الثالث: مزايا وعيوب البيع بالتقسيط:
من أهم المزايا : تقديم الشركات والمؤسسات التجارية، والمحلات التجارية التسهيلات لذوى الدخل المحدود، ممن لا تسمح لهم إمكاناتهم المادية بدفع أثمان السلع التي يحتاجون بثمن حال، وهذا من شأنه أن يرغبهم في الإقبال على التعامل معها، كما يعمل على ترويج السلع والبضائع، كيلا تبقى مكدسة في مخازن التجار.
أما عيوب بيع التقسيط: فمنها ما يقع من مشكلات بين البائع والمشترى تنشأ في حالة عجز المشترى عن سداد الأقساط كليًا أو جزئيًا، وذلك بسبب تعذر استرداد البائع للسلعة، أو حصوله على حقه ، فالبائع يحوِّل معظم أمواله إلى ديون على الغير لا تتوفر فيها ضمانة جدية فإذا عجز معظم المشترين عن الوفاء بسبب أزمة اقتصادية ضيع أمواله وعجز عن الوفاء لدائنه وانعكس ذلك على الوضع الاقتصادى في الدولة.
ومن العيوب أيضا سهولة الحصول على السلعة والدفع قد تغري المشتري بالشراء سيما لسلع قد لا تكون ضرورية مما يثقل كاهله بالدين ويربك ميزانية أصحاب الدخول المحدودة إذا تنوعت الأقساط التي يلتزمون بها، ويكرس روح الاستهلاك في المجتمع، وهذا يتنافى مع توجيهات الإِسلام إلى عدم التوسع في الاستهلاك، والمبالغة في الإنفاق سيما في الأمور التحسينية .
الوجه الرابع: إختلاف الفقهاء بشان حكم بيع التقسيط:
لخص الشيخ أبو زهرة سبب الخلاف بين المجيزين والمانعين لبيع التقسيط بقوله “ويعود سبب الخلاف لأجل الزيادة، أتعد الزيادة في مقابل الأجل كالزيادة في الدين في نظير الأجل أم لا تعد؟ فالذين قاسوا الزيادة في مقابل الأجل على الزيادة في الدين في نظير الأجل وجعلوهما صورة واحدة قالوا بالحرمة، وأما الذين فرقوا بينهما فقالوا بالحل” (“الإمام زيد” أبو زهرة، (293).).
وقد بشان حكم البيع بالتقسيط على قولين:
القول الأول: لا يجوز بيع التقسيط:(وهو قول بعض الزيدية وابن حزم وغيره، واستدل اصحاب هذا القول بالاتي :
1- قوله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (سورة البقرة: 275.) فهي تفيد تحريم البيوع التي يؤخذ فيها زيادة مقابل الأجل لدخولها في عموم كلمة الربا.
2- قوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (سورة النساء: 29.) ،فقد جعلت الآية الرضا شرطًا لحل الكسب والربح في المبادلات التجارية، وإلا كان ذلك الكسب حرامًا وأكلًا لأموال الناس بالباطل، وعامل الرضا غير متوفر في البيع بالتقسيط, لأن البائع مضطر للإقدام عليه ترويجًا للسلعة، والمشترى مضطر له رغبة في الحصول على السلعة التي تمس حاجته إليها ولا يملك ثمنها حالًا، فيرغم على دفع الزيادة مقابل الأجل.
ويؤيد هذا المعنى قوله – صلى الله عليه وسلم -: “إنما البيع عن تراض” وهو يفيد أن البيع الجائز شرعًا ما توفر فيه عنصر الرضا من المتعاقدين بإجراء العقد، ولا رضا مع الاضطرار والإكراه فيكون البيع باطلًا.
3- حديث : “نهى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن بيعتين في بيعة”
4- قوله صلى الله عليه وسلم : ( من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)، وهذا يعني أن من باع يأخذ زيادة مقابل الأجل يكون قد دخل في الربا المحرم إذا لم يأخذ الثمن الأقل،وهذا يفيد أنه لا يجوز للبائع أن يبيع سلعته بأكثر من سعر يومها تجنبًا للوقوع في ربا النسيئة
5- بيع التقسيط من قبيل بيع المضطر، لأنه لا يقبل بالزيادة لأجل المدة إلا المضطر في الغالب ، فالبائع بأجل والمشترى إلى أجل كلاهما مضطر للبيع ولا يصدق عليهما قوله سبحانه {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} وقوله – صلى الله عليه وسلم -: “إنما البيع عن تراض”.
القول الثاني : يجوز بيع التقسيط، وهو قول المذاهب الأربعة :الحنفية والمالكية والشـافعية والحنابلـة، واستدل القائلون بجواز بيع التقسيط بأدلة منها:
1- عموم الٱيات الكريمة المفيدة جواز البيع مطلقا كقوله سبحانه وتعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (سورة البقرة: 275.) وهو نص عام يشمل جميع أنواع البيع، ويدل على أنها حلال، إلا الأنواع التي ورد نص بتحريمها، فإنها تصبح حرامًا بالنص مستثناة من العموم، ولم يرد نص يقضى بتحريم جعل ثمنين للسلعة ثمن معجل وثمن مؤجل، فيكون حلالًا أخذًا من عموم الآية .
2- قوله تعلى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} فالزيادة في الثمن مقابل الأجل داخله في عموم النص، إذ إن أعمال التجارة تنبنى على البيع نسيئة، ولابد أن تكون لهم ثمرة، وتلك الثمرة داخلة في باب التجارة وليست داخلة في باب الربا، فالثمن في البيع الآجل هو للسلعة مراعى فيه الأجل، وهو من التجارة المشروعة المعرضة للربح والخسارة ، ومن جهة أخرى، فالرضا ثابت في هذا البيع، لأن من يفعل ذلك من التجار إنما يجعله طريقًا إلى ترويج تجارته. فهو إجابة لرغبته.
3-قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (سورة البقرة: 282.) وبيع السلعة بثمن مؤجل مع الزيادة مما تتضمنه هذه الآية، لأن بيع تلسلعة بالتقسيط من المداينات الجائزة فتكون مشروعة بنص الآية .
4- روى “أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز جيشًا، فكان يشترى البعير بالبعيرين إلى أجل” (حسن: أخرجه أبو داود)، وهو دليل واضح على جواز أخذ زيادة على الثمن نظير الأجل.
5- روى عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما أمر بإخراج بني النضير جاء ناس منهم إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالوا: يا نبي الله، إنك أمرت بإخراجنا, ولنا على الناس ديون لم تحل؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: “ضعوا وتعجلوا” (إسناده ضعيف: أخرجه الحاكم في “المستدرك”).
والحديث دليل على أنه لو بيع شىء ما بالنسيئة، واضطر المشترى للسداد قبل الاستحقاق يجوز تخفيض الثمن بمقدار يتكافأ مع المدة التي تفصل تاريخ السداد الفعلي عن تاريخ الاستحقاق، فإذا جاز التخفيض لقاء التعجيل فلابد عقلًا من جواز الزيادة لقاء التأجيل .
6- الإجماع على أن البيع بالتقسيط لا بأس به، فالمسلمون لا يزالون يستعملون مثل هذه المعاملة، وهو كالإجماع منهم على جوازها .
7- العرف قد جرى على أن النقد الحال أعلى قيمة من النقد المؤجل، وطالما أن العقد ابتداء لم ينص على سعرين فهو حلال، فالزيادة التي تضاف على الأقساط هى حصة الأجل من الثمن وهي الفرق بين ثمن السلعة إذا بيعت بثمن حال وقيمتها إذا بيعت بثمن مؤجل.
أولًا: مناقشة أدلة القائلين بعدم جواز بيع التقسيط:
ناقش جمهور الفقهاء أدلة القائلين بعدم جواز بيع التقسيط على النحو التالي:
1-أناقشوا استدلالهم بقوله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، بأن الآية نص عام، يشمل جميع أنواع البيع، ويدل على أنها حلال إلا ما خصه الدليل، ولم يقم نص يدل على حرمة جعل ثمنين للسلعة مؤجل ومعجل فيبقى حلالًا عملًا بعموم الآية.
ومن جهة أخرى، فإن آية الربا لا تتناول محل النزاع، لأن الحديث في البيع بثمن مؤجل إنما يقع على السعر (الثمن)، وليس للسعر استقرار لما فيه من التفاوت بحسب الغلاء والرخص، والرغبة في البيع وعدمها، فلم يكن أصلًا يرجع إليه في تعليق الحكم به، وحيث خرجت آية الربا عن أن تكون داخلة في محل النزاع، انتفت الحاجة إلى النظر فيما يعارضها، وما يترتب عليه.
2-ناقشوا استدلالهم بقوله عَزَّ وَجَلَّ: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} بأن الرضا ثابت, لأن من يبيع بثمن مؤجل له سلطة تامة، ويتمتع بكامل الحق في تحديد السعر الذي يريد بحسب حالة البيع من تعجيل أو تأجيل، وهو إذ يطلب ثمنًا مؤجلًا فإنما يفعل ذلك وسيلة من وسائل ترويج بضاعته، فهو يلبي لديه رغبة في الحصول على الثمن الأعلى نظير تأخير الدفع، وما كان كذلك فلا اضطرار فيه.
وأما المشترى فإنه كذلك بالخيار في الامتناع عن الشراء أو البحث عن تاجر آخر أو سلعة بديلة، أو أن يقترض قرضًا حسنًا ليدفع بالثمن المعجل، ومع ذلك فقد حصل على السلعة التي يريد دون أن يدفع ثمنًا في الحال وهي للسلعة محل انتفاع وله فيها مصلحة.
3-ناقشوا استدلالهم بحديث النهى عن صفقتين في صفقة : بأن هذا الحديث يحتمل أكثر من تفسير، فكما يحتمل أن يكون المراد به أبيعك هذه السلعة بألف نقدًا أو بألفين نسيئة، يحتمل أن يراد به بعتك هذا السيارة بألف على أن تبيعني دارك بكذا. أو أن يسلف دينارًا في صاع حنطة إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة قال: بعني الصاع الذي لك علىّ إلى شهرين بصاعين فصار بيعتين في بيعة واحتمال الحديث لتفسير خارج عن محل النزاع يقدح في الاستدلال به على المتنازع فيه.
على أن غاية ما في الحديث من دلالة هو المنع من البيع إذا رفع على صورة أبيعك نقدًا بكذا ونسيئة بكذا لا إذا قال من أول الأمر نسيئة بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يومه، مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة، ولا يدل الحديث على ذلك، فالدليل أخص من الدعوى.
ومن جهة أخرى، فالنهى في الحديث محله فيما إذا قبل المشترى على الإبهام ولم يعين أي الثمنين، أما لو قال قبلت بألف نقدًا أو بألفين نسيئة صح ذلك .
4- ناقشوا استدلالهم بقوله – صلى الله عليه وسلم -: “من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا”. وأنه يفيد أن من باع بثمن مؤجل أكثر من الثمن الحال فعليه أن يأخذ بالأقل منهما وإلا دخل في الربا المحرّم فجوابه:أن في إسناده محمَّد بن عمرو بن علقمة ، وقد تكلم فيه غير واحد، والمشهور عنه أنه – صلى الله عليه وسلم – نهى عن بيعتين في بيعة .
وعلى فرض صحته، فهو لا يقيد تحريم البيع بثمن مؤجل أكثر من الثمن الحال، بل يفيد أن المتبايعين إذا تفرقا دون تحديد وتعيين أحد الثمنين، فما يستحقه البائع هو أقل الثمنين إلى أبعد الأجلين كى لا يقعا في الربا المحرم بصورة قطعية .
5- ناقشوا قولهم بأن الزيادة في الثمن المؤجل من باب الربا، واستدلالهم على ذلك بأنها زيادة في نظير الأجل، ولا يقابلها عِوض فتكون محرمة فالجواب عنه:
بأن القول بتحريمها لكون الزيادة في مقابل التنفيس بالأجل فقط، فلا يخفى أن تحريم مثل ذلك مفتقر إلى دليل والمسألة محتملة للبحث والمناقشة.
وأما القول بأن الزيادة لا يقابلها عوض فمردود، وذلك لأن البائع حين رضى بتسليم السلعة إلى المشترى بثمن مؤجل إنما فعل ذلك من أجل انتفاعه بالزيادة، والمشترى إنما رضي بدفع الزيادة من أجل المهلة، وعجزه عن تسليم الثمن نقدًا. فكلاهما منتفع بهذه المعاملة فلا يصدق القول بأن الزيادة بغير مقابل.
أيضا البيع بالتقسيط فيه تخيير للمشترى بين الشراء نقدًا بثمن أقل أو بثمن أكثر مؤجلًا، بخلاف الربا فإنه لا تخيير فيه، كما أن الربا استغلال للناس ، أما البيع بالتقسيط فهو تيسير لمعاملات الناس وتخفيف عنهم .
ومن الفروق أيضا: أن البيع بثمن مؤجل لا تحدث فيه زيادة في الثمن حتى ولو ماطل المشترى في الدفع عند حلول أجل الوفاء، فليس للبائع إلا ما اتفق عليه، وذلك بخلاف عقد الربا حيث يستمر المقترض في دفع الفوائد في حالة عدم تسديد القرض حتى يتضاعف بشكل كبير إذ في الغالب قد تكون الفائدة بسعر أعلى من السعر العادي عند التأخير في الدفع .
ثانيا مناقشة ادلة الجمهور :
نوقشت هذه الادلة بانها ادلة عامة لاتتناول بيع التقسيط ، فليس من بينها دليل يصرح بجواز هذا البيع.( حكم البيع بالتقسيط ، د . حسين عامر، موقع الراشدين الإلكتروني).
والمختار هو قول الجمهور الذين أجازوا بيع التقسيط ، نظرا للمناقشات والردود التي وجهها جمهور الفقهاء إلى كافة أدلة القائلين بمنع البيع بثمن مؤجل مع الزيادة على الثمن الحال، فلم يسلم دليل منها من الطعن الذي يضعف من حجيته وصلاحيته للاستدلال به، وفي حين أن أدلة الجمهور قد سلمت لهم في غالبيتها وما وجه إلى بعضها من نقاش لا يقدح في حجيتها ، (النظرية العامة للمصرفية الإسلامية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة، صنعاء 2019م، صـ374).
الوجه الخامس: قرار المجمع الفقهي الاسلامي بشان أحكام بيع التقسيط:
صدر عن المجمع هذا القرار ونصه: (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قرار رقم: 64 (7/2)بشأن البيع بالتقسيط:
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 7-12 ذي القعدة 1412هـ الموافق 9-14 أيار (مايو) 1992م،
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع البيع بالتقسيط، واستكمالًا للقرار 51 (6/2) بشأنه، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،
قرر ما يلي:
أولًا: البيع بالتقسيط جائز شرعًا، ولو زاد فيه الثمن المؤجل على المعجل.
ثانيًا: الأوراق التجارية (الشيكات – السندات لأمر – سندات السحب) من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة.
ثالثًا: إن حسم (خصم) الأوراق التجارية غير جائز شرعًا، لأنه يؤول إلى ربا النسيئة المحرم.
رابعًا: الحطيطة من الدين المؤجل، لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين (ضع وتعجل) جائزة شرعًا، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية. فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية.
خامسًا: يجوز اتفاق المتداينين على حلول سائر الأقساط عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الأقساط المستحقة عليه ما لم يكن معسرًا.
سادسًا: إذا اعتبر الدين حالًا لموت المدين أو إفلاسه أو مماطلته، فيجوز في جميع هذه الحالات الحط منه للتعجيل بالتراضي.
سابعًا: ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار: ألا يكون للمدين مال زائد عن حوائجه الأصلية يفي بدينه نقدًا أو عينًا.والله أعلم).
وقد قرر المجمع جواز البيع المؤجل مع زيادة الثمن وعدم جواز فرض غرامة عند التأخير هو الذي المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي فقد قرر في دورة مؤتمره السادس بجدة المنعقد في شعبان عام 1410هـ ما يلي:
1- تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال ـ كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقداً، وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو بالتأجيل، فإن وقع البيع مع التردد بين النقد والتأجيل، بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدد، فهو غير جائز شرعاً.
2- لا يجوز شرعاً في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحالِّ، بحيث ترتبط بالأجل، سواء اتَّفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة.
3- إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين، بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرَّم.
4- يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حلَّ من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.
5- يجوز شرعاً أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين في أداء بعضها، ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد.
6- لا حقَّ للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده، لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.
الوجه السادس: موقف القانون اليمني من البيع بالتقسيط:
ذهب القانون المدني اليمني الى جواز البيع بالتقسيط غير ان القانون لم يشر الى الثمن في البيع بالتقسيط هل هو الثمن ذاته الحال ام ان الثمن يكون في البيع بالتقسيط ازيد منه في الحال، ومن وجهة نظرنا ان القانون لم يمنع ان يكون الثمن في التقسيط ازيد مقابل التقسيط عملا بقول الجمهور، كما اجاز هذا القانون إشتراط حلول الاقساط اذا لم يقم المشتري بسداد قسط من الاقساط في الميعاد المحدد ، وفي هذا المعنى نصت المادة(509) مدني على انه : (يجوز اشتراط تقسيم الثمن الى اقساط معلومة تدفع في مواعيد معينة, وانه اذا لم يوف القسط في ميعاده سقط الاجل في باقي الثمن اذا عرف المشتري بالمطل وهو قادر).
كذلك اجاز القانون التجاري البيع بالتقسيط واجاز حلول الاقساط الاجلة عند العجز عن الوفاء ، حسبما هو مقرر في المواد (110و111و112) تجاري، بيد ان القانون التجاري ايضا لم يشر الى الثمن في البيع بالتقسيط هل هو الثمن ذاته في البيع الحال ام انه اكثر في البيع بالتقسيط.
الوجه السابع: حكم وضع جزء من الدين مقابل تعجيله:
خصم جزء من الدين مقابل السداد المبكر في عقود المداينات -هو ما يسمى عند الفقهاء بمسألة (ضع وتعجل) لا يخلو من خمسة أحوال:
أولاً: أن يكون الاتفاق على الحطيطة مشروطاً في أصل العقد، فهذا يعتبر رباً محرم شرعاً وهو من قبيل بيعتين في بيعة، وقد ورد النهي عنه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا) رواه أبو داود.
ثانياً: الاتفاق على حط جزء من الدين مقابل تعجيل الباقي اتفاقاً طارئاً بعد انعقاد العقد، فقد اختلف الفقهاء في هذه المسالة على قولين:
القول الاول: لايجوز وضع جزء من الدين مقابل تعجيله ، وهو قول جمهور الفقهاء في المعتمد من المذاهب الأربعة، وفيما يأتي نصوص مذاهبهم:
قال الإمام الزيلعي الحنفي: "لو صالحه عن ألف درهم على دنانير مؤجلة أو عن ألف مؤجل على خمسمائة حالة أو عن ألف سود على خمسمائة بيض لا يجوز؛ لأن من له الدراهم لا يستحق الدنانير فكان معاوضة وهو صرف فلا يجوز تأجيله ومن له دين مؤجل لا يستحق الحال [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق].
وقال الإمام مالك: " لو أخذ -أي المدين- بعض حقه منه على أن ترك له ما بقي قبل الأجل لم يجز هذا؛ لأنه وضع وتعجل، فإذا حل الأجل فلا بأس به" [المدونة].
وقال الإمام النووي الشافعي: "ولو صالح من ألف مؤجل على خمسمائة حالة فباطل. ولو صالح من ألف حال على خمسمائة مؤجلة، فهذا ليس من المعاوضة في شيء، بل هو مسامحة من وجهين: أحدهما: حط خمسمائة. والثاني: إلحاق أجل بالباقي. والأول شائع، فيبرأ عن خمسمائة. والثاني: وعد لا يلزم، فله المطالبة بالباقي في الحال" [روضة الطالبين].
وقال الإمام ابن مفلح الحنبلي: "ولو صالح عن المؤجل ببعضه حالاً لم يصح" [الفروع].
واستدلوا بحديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: أَسْلَفْتُ رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ، ثُمَّ خَرَجَ سَهْمِي فِي بَعَثٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ: عَجِّلْ لِي تِسْعِينَ دِينَارًا وَأَحُطُّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (أَكَلْتَ رِبًا يَا مِقْدَادُ، وَأَطْعَمْتَهُ) رواه البيهقي؛ ولأن الخصم مقابل الزمن يشبه الزيادة مقابل الزمن بجامع أن كلا منهما جعل للزمن وحده قيمة مالية؛ يقول الإمام الجصاص: "إن ربا الجاهلية إنما كان قرضاً مؤجلاً بزيادة مشروطة فكانت الزيادة بدلاً من الأجل فأبطله الله تعالى وحرمه، وقال: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } [البقرة: 279] وقال تعالى: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا } [البقرة: 278] حظر أن يؤخذ للأجل عوض فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على أن يعجله فإنما جعل الحط بحذاء الأجل فكان هذا هو معنى الربا الذي نص الله تعالى على تحريمه" [أحكام القرآن للجصاص].
القول الثاني: جواز حط جزء من الدين مقابل تعجيل الباقي؛ وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما والنخعي وابن سيرين وزفر ، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج بني النضير قالوا: يا رسول الله، إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، قال: (ضعوا وتعجلوا) أخرجه الحاكم، وضعفه البيهقي، ولأن الربا زيادة في أحد العوضين مقابل زيادة الأجل، فهو إضرار محض بالغريم ، ويختلف عن الحط عن الذمة مقابل سقوط الأجل فينتفع كلا الطرفين بذلك، وقد اخذ مجمع الفقه الإسلامي الدولي بهذا القول ، حيث جاء في القرار رقم (66): "الحطيطة من الدين المؤجل، لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين، (ضع وتعجل) جائزة شرعًا، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق".
ثالثاً: أن يكون الخصم في الديون الحالة التي تخلف المدين عن سدادها فيصح فيها الحطيطة مقابل التعجيل لأن هذا من باب الإبراء؛ جاء في [مغني المحتاج] :"ولو صالح من عشرة حالة على خمسة مؤجلة برئ من خمسة وبقيت خمسة حالة"
رابعاً: ألا يكون الحسم مشروطاً بين العاقدين، ولكن كان تبرعاً من الدائن بعد تعجيل المدين سداد الدين أو أقساط مؤجلة منه، فيعتبر ذلك من قبيل المسامحة والتبرع؛ ويدخل في هذه الحالة ما ذكره الماوردي موضحاً رأي الإمام الشافعي " ولو ابتدأ المكاتب فعجل من الألف خمسمائة، وأبرأه السيد من غير شرط من باقيها، وهو خمسمائة كان هذا جائزاً كما لو أقرضه خمسمائة فرد عليه ألفاً من غير شرط جاز، بخلاف ما لو كان عن شرط" [الحاوي الكبير].
وجاء في هامش قرار مجلس الإفتاء رقم (56) ما نصه: "إذا تطوعت المؤسسة بالحسم من ديون من يتعجل بالسداد فهذا جائز باتفاق المسلمين".
كما جاء في قرار مجلس الإفتاء رقم (61) ما نصه: "يجوز للبنك إعفاء السائل مقدار ما يراه مناسبا من قيمة المرابحة مراعاة للظرف الخاص به، شريطة أن لا يكون هذا الإعفاء عادة متبعة لدى البنك، أو مشروطاً في العقد ابتداء ...".
خامساً: يجوز أن يدفع المدين للدائن عرضاً مقابل دينه وإن كانت قيمة العرض أقل من دينه، "فأجاز مالك وجمهور من ينكر: ضع وتعجل، أن يتعجل الرجل في دينه المؤجل عرضاً يأخذه، وإن كانت قيمته أقل من دينه" [بداية المجتهد لابن رشد، والقوانين الفقهية لابن جزي].
وعليه، فإن إسقاط جزء من الدين المؤجل مقابل تعجيل الباقي جائز شرعاً سواء أكان بطلب من الدائن أو المدين ولا يدخل هذا في الربا المحرم شرعاً على أن لا يكون ذلك مشروطاً في العقد.
الوجه الثامن: حكم وضع شرط جزائي على تاخر سداد المدين للا قساط في وقتها المحدد (غرامة التاخير):
في هذه المسألة تفصيل، وهو أن فرض شرط جزائي بسبب تأخر المدين في السداد لا يجوز، وهذا ما أقر مجمع الفقه الإسلامي تحريمه، حيث ورد في بعض قراراته (بخصوص الشرط الجزائي في العقود: يؤكد المجلس على قراراته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السلم رقم: 89ـ2ـ95 ـ ونصه: لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه، لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير)، وكذا قراره في الشرط الجزائي رقم: 109 ـ3ـ12 ـ ونصه: (يجوز أن يكون الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها ديناً، فإن هذا من الربا الصريح) .
وبناء على هذا لا يجوز الشرط الجزائي مثلاً في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية، سواء كان بسبب الإعسار أو المماطلة. اهـ
وأما اشتراط إلزام المدين المماطل بنفقات التقاضي إذا اقتضى الأمر مقاضاته، فلا حرج في ذلك، إذ للدائن إلزام المدين بتحمل كافة المصاريف اللازمة للتقاضي، بسبب مطله وظلمه،.
لكن لا يؤخذ منه أكثر مما تكلف في استخلاص الحق، فإن لم يحتج الأمر إلى نصب محام، أو بذل رسوم ونحو ذلك، فليس للدائن أخذ المبلغ لنفسه، وإنما له أخذ ما غرمته الغرم المعتاد، سئل ابن تيمية رحمه الله: عمن عليه دين فلم يوفه حتى طولب به عند الحاكم وغيره وغرم أجرة الرحلة، هل الغرم على المدين؟ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، إذا كان الذي عليه الحق قادراً على الوفاء، ومطله حتى أحوجه إلى الشكاية، فما غرمه بسبب ذلك، فهو على الظالم المماطل، إذا غرمه على الوجه المعتاد.
والشرط الجزائي في غير البيع بالتقسيط أجازه بعض أهل العلم إلا في حال ما إذا كان الالتزام الأصلي في العقد دينا، فلم لا يجزه أحد، فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية عشر:( يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينا، فإن هذا من الربا الصريح).
بيد انه ليس هناك مانع شرعي أو قانوني يحول دون مطالبة البنك للمشتري بالتقسيط الذي تاخرعن دفع الاقساط في الوقت المحدد لها إذا لحق بالبنك ضرر فعلي ، ويتم تحديد التعويض في هذه بقدر الضرر المحقق الذي لحق بالبنك أو الكسب المحقق الذي فات على البنك. . (الفقه المقارن مع مسائل فقهية معاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء 2018، ص15٥).
الوجه التاسع: مدى جواز الإتفاق المسبق على أنه إذا لم يدفع المشتري القسط في الميعاد المتفق عليه تكون الأقساط المتبقية عاجلة الدفع:
ذهب غالبية الفقه المعاصر إلى جواز الإتفاق المسبق على أنه إذا لم يقم المشتري بسداد اي قسط في الميعاد المحدد لذلك فإن الأقساط التالية لذلك القسط تكون حالة الأداء يجب على المشتري الوفاء بها.
لأن هذا الشرط جائز في الشريعة، لأن فيه مصلحة للبائع، إضافة إلى ان هذا الشرط لايتنافى مع العقد بل انه وسيلة للوفاء بالعقد ،فضلا عن أن تعثر أو إمتناع المشتري بالتقسيط عن سداد القسط في وقته المتفق عليه يدل على أنه سوف يمتنع عن سداد الأقساط التالية أو انه قد تعثر عن دفعها، كما أن المشتري في هذه الحالة هو المتسبب في إمتناعه عن الوفاء في حلول الأقساط التالية، في حين يذهب قلة من الفقهاء المعاصرين إلى عدم جواز ذلك ، لأن البيع بالتقسيط يكون بثمن أعلى من الثمن عند الشراء نقداً.
وجاء في قرارات مجمع الفقه جواز اشتراط حلول الأقساط المؤجلة إذا امتنع المدين من التسديد فسط، فقد ورد في قرار المجمع:( إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة، في المملكة العربية السعودية من: 7-12 ذي القعدة: 1412هـ، الموافق 9 – 14 أيار ـ مايو ـ 1992م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع البيع بالتقسيط، واستكمالًا للقرار 51 ـ 2ـ 6ـ بشأنه، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي: إلى أن قال:
خامسًا: يجوز اتفاق المتداينين على حلول سائر الأقساط عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الأقساط المستحقة عليه ما لم يكن معسرا). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المصارف والبنوك، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة، صنعاء 2019م،ص 211)، والله أعلم.

تعليقات
إرسال تعليق