وثيقة شهادة رجعة المرأة المطلقة مقدم على شهادة الشهود
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
يقع الطلاق نتيجة خلافات حادة بين الزوجين، ولذلك تؤثر هذه الخلافات في وقوع خلافات أخرى بشأن رجعة المطلقة، وفي سياق هذه الخلافات يقع التعارض بين وثيقة شهادة الرجعة التي يتم تحريرها من قبل قلم التوثيق أو القنصلية أو من قبل الأمين الشرعي وبين شهادة الشهود الذين يشهدوا بخلاف ما ورد في وثيقة شهادة الرجعة، ولاريب أن لهذه المسألة علاقة وثيقة بالخلاف الفقهي بشأن الاشهاد على الرجعة.
وفي هذا الشان نصت المادة (17) من قانون التوثيق اليمني على أن (يمارس الأمين المهام التالية –أ- تحرير عقود الزواج وشهادات الطلاق والرجعة على النماذج الرسمية المعدة لذلك).
وعند التأمل في النص القانوني السابق يظهر أنه قد اعتبر نموذج الرجعة شهادة بوقوع الرجعة، ولذلك فإن شهادة الرجعة هي الوسيلة الرسمية المعدة قانوناً لإثبات الرجعة في القانون اليمني سيما ان نموذج شهادة الرجعة يتم توثيقه في قلم التوثيق او القنصلية وعندئذ يصير محررا رسميا له حجيته القانونية وفقا لقانون الاثبات، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٨/٤/٢٠١٧م، في الطعن رقم: (٥٩٠٢٨)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي كان قد قضى بثبوت رجعة المرأة المطلقة اثناء العدة عن طريق شهادة الشهود في حين ان وثيقة الرجعة كانت قد اكدت ان الرجعة قد تمت بعد مضي يومين على انتهاء العدة ، وقد قضى الحكم الاستئنافي بإلغاء الحكم الابتدائي في هذه الجزئية والحكم بإعتماد ماورد في وثيقة الرجعة، لانها الوثيقة المعدة في القانون لاثبات الرجعة، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا : (فقد وجدت الدائرة ان حكم الإستئناف هو الموافق من حيث النتيجة لاحكام الشرع والقانون ، وذلك لما اوضحه وعلل به واستند اليه في قضائه بان رجعة المرأة قد كانت بعد عدتها بيومين) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: تعريف رجعة المطلقة:
الرجعة تقع من الزوج لمطلقته طلاقا رجعيا ولو من غير رضاء المطلقة .
ومعنى الرجعة في اللغة : يقال: رَجَع يَرْجِع رَجعْاً ورُجُوعاً ورُجْعَى ورُجْعاناً ومَرْجِعاً ومَرْجِعةً: انصرف. وفـي التنزيل: ﴿إِن إِلـى ربك الرُّجْعَى﴾، أَي الرُّجوعَ والـمَرجِعَ، مصدر علـى فُعْلـى؛ وفـيه: ﴿إلـى الله مَرْجِعُكم جميعاً﴾، أَي رُجُوعكم؛ وفـي حديث ابن عباس، رضي الله عنهما: (من كان له مال يُبَلِّغه حَجَّ بـيتِ الله أَو تَـجِب علـيه فـيه زكاة فلـم يفعل سأَل الرَّجعة عند الـموت أَي سأَل أَن يُرَدّ إلـى الدنـيا لـيُحْسن العمل ويَسْتَدْرِك ما فات).
اما تعريف الرجعة عند الفقهاء ، فقد عرفوها بتعاريف مختلفة للرجعة، منها:
1- عود الزوجة المطلقة للعصمة من غير تجديد عقد.
2- رد الزوج أو من قام مقامه من وكيل وولي امرأته إلى موجب النكاح، وهو الحل في العدة من بائن بشروط.
3- هي إعادة زوجته المطلقة إلى ما كانت عليه دون عقد.
الوجه الثاني: أركان الرجعة وشروطها:
اختلف الفقهاء في تصنيف أركان الرجعة الى قولين:
القول الاول: ذهب الى ان اركان الرجعة ثلاثة أركان هي: الصيغة، والمحل، والمرتجع ، وهو قول جمهورالفقهاء ، وبيان هذه الاركان كما ياتي:
الركن الاول: المرتجع وهو الزوج: فتصح الرجعة عندهم من المجنون بالفعل، مثلاً إذا طلق زوجته طلاقاً رجعياً، وهو سليم، ثم جن فله مراجعتها بالوطء أو بالتقبيل، أو نحو ذلك، وكذلك تصح رجعة النائم والساهي والمكره، فإذا قبلها بشهوة وهي مكرهة فقد راجعها بذلك، وتصح أيضاً مع الهزل، واللعب، والخطأ، ويشترط في صحة الرجعة أن لا يعلقها على شرط، كأن يقول: إن دخلت الدار قد راجعتك وكذا يشترط أن لا يضيفها إلى وقت في المستقبل كأن يقول: إذا جاء الغد فقد راجعتك، فإذا قال ذلك فإنه لا يكون رجعة باتفاق، ولا يصح شرط الخيار في الرجعة، فإذا قال لها: راجعتك على أني بالخيار، فإن الرجعة لا تصح.
الركن الثاني: المحل وهو الزوجة: وهو أن تكون الزوجة مطلقة طلاقاً رجعياً، بحيث لا يكون ثلاثاً أو واحدة مقترنة بعوض مالي في الخلع، أو موصوفة بصفة تنبئ عن الإبانة، كطلقة شديدة أو مشبهة بما يفيد الإبانة كطلقة مثل الجبل، أو تكون كناية من الكنايات التي يقع بها الطلاق البائن، أو واحدة قبل الدخول.
الركن الثالث: الصيغة: وهي عندهم قسمان: قول، وفعل: وقد نصوا على أن القول هو الأولى، وأن يشهد على القول شاهدين عدلين ولو بعد الرجعة بالفعل، وإذا راجعها وهي غائبة يندب له إعلامها، وهذه هي الرجعة السنية.
أما الرجعة بالوطء ومقدماته فإنها بدعية فإن راجع بها ندب له أن يرجع بالقول ويشهد على قوله وإلا كان مكروهاً تنزيهاً.
والقول في الرجعة إما صريح، أو كناية، فالصريح هو كل ما يدل على الرجعة وإبقاء الزوجية، ونحو: راجعتك، وارجعتك، ، إذا كان مخاطباً لها، فإن لم يكن مخاطباً لها، سواء كانت حاضرة أو غائبة، قال: رجعت زوجتي،، ومن الصريح رددتك، ومسكتك، وأمسكتك، ويشترط في الرجعة بقوله: رددتك، أن يقول: إلى أو إلى نكاحي أو إلى عصمتي فإن لم يقل ذلك لا يكون صريحاً في الرجعة، بل يكون كناية يتوقف على النية، ومن الصريح أن يقول لها: نكحتك، أو تزوجتك.
أما الرجعة بالكناية فهي: مثل أن يقول لها: أنت عندي كما كنت، أو أنت امرأتي أو أصبحنا من الآن كما كنا، أو نحو هذا، فإن نوى بهذه الألفاظ الرجعة فإنه يصح وإلا فلا.
الرجعة بالفعل: فهي كل فعل من الزوج أو الزوجة يوجب حرمة المصاهرة من لمس، أو تقبيل، أو نظر إلى داخل الفرج، ويشترط في ذلك الشهوة، فإن فعل أحد الزوجين مع الآخر شيئاً من هذا بدون شهوة فإنه لا تتحقق به الرجعة، على أن المرأة إذا قبلته، أو نظرت إلى فرجه، أو نحو ذلك بدون أن يشتهي هو فلا بد أن تقول: إنها هي فعلت بشهوة، ولا بد أن يصدقها، أما إذا قال: إنها لم تفعل بشهوة، فلا تصح الرجعة إلا إذا قامت قرينة على كذبه وصدقها، أما إذا قبلته، أو عانقها وقبل فاها، أو نحو ذلك من الأمارات التي تدل على أنه التذ، فمن حصل شيء من ذلك ومات الزوج وادعى الورثة أنها فعلت معه بدون شهوة، فلم ترجع زوجة له وادعت هي أنها فعلت بشهوة، فإن ادعت أنه قد اشتهى هو فإن بينتها على ذلك تسمع، ولا تصح الرجعة بالخلوة بدون تلذذ، وكما تحصل الرجعة بمقدمات الوطء المذكورة تحصل بالوطء من باب أولى، والوطء كمقدماته جائزان للزوج المطلق طلاقاً رجعياً سواء نوى بهما الرجعة أو لا.
القول الثاني: للرجعة ركن واحد هو الصيغة وحدها، وأما المحل، والمرتجع فهما خارجان عن الماهية،وهو قول الحنفية.
اما في قانون الاحوال الشخصية اليمني فقد نصت المادة (75) على أن: (تتم الرجعة بالقول ولو هازلاً أو بالفعل غير مشروطة بوقت أو بغيره وتصح بغير رضاء الزوجة وأوليائها)، وبحسب ماورد في هذا النص فإن الرجعة تصح بالقول وبالفعل . (الوجيز في احكام الاسرة ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٢م، صـ٨٦).
الوجه الثالث: ماهية وثيقة شهادة رجعة المرأة المطلقة:
صرح قانون التوثيق اليمني على ان من إختصاص قلم التوثيق في المحاكم والقنصليات في خارج اليمن والامناء الشرعيين إنشاء او تحرير وثائق شهادة رجعة المرأة المطلقة، فقد نصت المادة (17) من قانون التوثيق اليمني على أن (يمارس الأمين المهام التالية –أ- تحرير عقود الزواج وشهادات الطلاق والرجعة على النماذج الرسمية المعدة لذلك).، وبموجب هذا النص فان وثيقة الرجعة عبارة عن شهادة بوقوع الرجعة.
وبموجب قانون التوثيق وقانون الاثبات تكون وثيقة شهادة الرجعة محررا رسميا اذا تم تحريرها او توثيقها من قبل قلم التوثيق او القنصلية اليمنية خارج اليمن او تم تحريرها من قبل الامين الشرعي ثم تم توثيقها لدى قلم التوثيق.
وقد قام قطاع التوثيق بوزارة العدل اليمنية بإعداد نموذج نمطي لوثيقة شهادة الرجعة، ويتضمن هذا النموذج البيانات الشخصية للرجل والمرأة وبيانات عقد زواجهما وبيانات الطلاق وبيانات رجعة الزوج وبيانات شهود الرجعة.
وعلى هذا الاساس فان وثيقة شهادة رجعة المطلقة محرر كتابي رسمي اذا تم تحريره او توثيقه من قبل قلم التوثيق او القنصلية اليمنية ، وعندئذ تكون لوثيقة شهادة الرجعة حجية المحرر الرسمي المقررة في قانون الإثبات اليمني.
اما اذا قام الزوج نفسه بكتابة محرر الرحعة من غير النموذج الخاص المعد من قبل وزارة العدل فان هذا المحرر يكون محررا عرفيا تسري عليه احكام المحرر العرفي المقررة في قانون الاثبات ، كذلك الحال اذا تم تحرير وثيقة الرجعة على النموذج المعد لذلك ، ولكن لم يتم توثيقها من قبل قلم التوثيق او القنصلية فان وثيقة الرجعة تكون محررا عرفيا.
ولاشك ان الغرض من وثيقة شهادة الرجعة هو إثبات وقوع الرجعة كتابة وبطريقة رسمية نظامية والاشهاد عليها امام الموظف المختص بغرض تسهيل إثبات الرجعة وقطع النزاعات التي قد تقع بشان وقوع الرجعة واستيفاء البيانات الشرعية اللازمة والتحقق من توفر اركان وشروط الرجعة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطلاق و فسخ الزواج، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٥١).
الوجه الرابع: إثبات رجعة المطلقة في قانون التوثيق وقانون الاحوال الشخصية وقانون الاثبات:
وفقا لقانون الاثبات يجوز إثبات وقوع الرجعة بكافة طرق الاثبات المقررة قانونا بما في ذلك الاقرار وشهادة الشهود وغيره من طرق الاثبات.
اما قانون الاحوال الشخصية اليمني فقد اشترط صراحة ان يتم إثبات الرجعة عن طريق الشهادة ، ويفهم من ذلك ان الوسيلة الوحيدة لإثبات الرجعة القولية هي شهادة الشهود ، وفي هذا المعنى نصت المادة (76) احوال شخصية على أنه : (إذا كانت الرجعة بالقول فيجب على الزوج الإشهاد عليها وإعلام الزوجة بها فإن كانت مجنونة فإعلام وليها).
ومن المعلوم ان قانون الاحوال الشخصية قانون خاص وقانون الاثبات قانون عام والقاعدة تقضي بان يتم تطبيق النص الخاص ، ومؤدى ذللك انه يتم العمل بماورد في قانون الاحوال الشخصية بشان وجوب إثبات الرجعة عن طريق شهادة الشهود.
ومن جهة ثالثة فقد صرح قانون التوثيق اليمني بان يتم تحرير وتوثيق محرر او وثيقة الرجعة عن طريق النموذج الخاص بذلك الذي أعدته وزارة العدل لهذا الغرض والمسمى شهادة رجعة، ، لان هذا النموذج يتضمن شهادة الشهود على وقوع الرجعة التي يتم تدوينها في النموذج وتدوين اسماء الشهود بطريقة نظامية سليمة ،وتبعا لذلك فليس هناك تعارض بين ماورد في قانون الاحوال الشخصية وبين ماورد في قانون التوثيق الذي اشترط فقط كتابة الرجعة والشهادة عليها في وثيقة مكتوبة موثقة، حتى يتم التحقق عند كتابتها من توفر اركان وشروط الرجعة وصحة البيات التي يقدمها الزوج المرتجع، فوثيقة الرجعة التي اشترطها قانون التوثيق عبارة عن اجراء تنظيمي للرجعة لخطورتها وخطورة الآثار المترتبة عليها، ولا حرج ولا تثريب في ذلك.
الوجه الخامس: حق الدولة في تنظيم كتابة الرجعة للمطلقة في نموذج وثيقة خاصة بالرجعة:
الرجعة مثل الزواج، لانها إعلان عودة الرجل ورجعته الى الحياة الزوجية ورجوعه وعدوله عن الطلاق ، ومفاد ذلك ان الرجعة تتعلق بالابضاع التي تحتاط الشريعة الاسلامية اشد الحيطة في صونها وحمايتها.
والدولة بصفتها تنوب عن افراد المجتمع المسلم في حماية أبضاعه وحفظ نسله وحمايته من المفاسد والأخطار، ومن ذلك حمايته من فوضى الرجعة العشوائية في العصر الحاضر الذي ضعف فيه الوازع الديني لدى الأفراد ، فقد ازدادت ظاهرة كيد ولدد بعض الازواج في الرجعة .
فمن الثابت إن بعض الأزواج يسيئ أشد الإساءة في إستعمال الرجعة بالقول او بالفعل ، سيما أن طلاق الزوج للزوجة لا يقع إلا بعد خلافات زوجية حادة وخصومات بين الزوجين ، ولذلك يتعمد بعض الأزواج الى تعليق مطلقته فلا تكون مطلقة ولا ذات بعل، فيقوم زوجها بطلاقها فإذا حاولت الزواج بغيره بعد إنقضاء عدتها منه عندئذٍ يدعي الزوج أنه قد سبق له أن ارجع الزوجة في أثناء عدتها، وبعضهم يدعي أنه عاشرها أثناء العدة، وبعضهم يقوم بتحرير وثيقة إرجاع بخطه او خط غيره يزعم فيها أن الرجعة قد صدرت منه أثناء عدة المطلقة وبعضهم يقوم بتحرير وثيقة رجعة لدى الأمين الشرعي المختص مفادها إقرار الزوج بأنه قد سبق له أن ارجع المطلقة أثناء عدتها، وغير ذلك من الوسائل والأساليب التي يتبعها بعض الأزواج في الإضرار والكيد بمطلقاتهم، بل أن بعض الأزواج المكايدين ينتظر إلى ما بعد زواج وزفاف مطلقته من غيره فيدعي أنه قد ارجعها في عدتها وانها قد تزوجت بالثاني سفاحا ، وقد حدث هذا بالفعل في بعض القضايا.
ومن هذا المنطلق صرح قانون التوثيق اليمني بان رجعة المطلقة تتم بموجب نموذج الوثيقة التي قامت وزارة العدل بإعدادها لهذا الغرض ، ويتم تحرير بيانات هذه الوثيقة من قبل قلم التوثيق او القنصلية اليمنية او يتم تحريرها من قبل الامين الشرعي ويتم توثيقها لدى قلم التوثيق المختص.
الوجه السادس: حكم الإشهاد على الرجعة:
اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد على الرجعة على قولين:
القول الأول: أن الإشهاد على الرجعة مستحب , وهو مروي عن ابن مسعود , وعمار بن ياسر رضي الله عنهما، وهو قول الحنفية والمالكية , والجديد من مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ (الطلاق:2) قال الجصاص :(لما جعل له الإمساك أو الفراق، ثم عقبه بذكر الإشهاد كان معلوما وقوع الرجعة إذا رجع وجواز الإشهاد بعدها إذ لم يجعل الإشهاد شرطا في الرجعة، ولم يختلف الفقهاء في أن المراد بالفراق المذكور في الآية إنما هو تركها حتى تنقضي عدتها، وأن الفرقة تصح وإن لم يقع الإشهاد عليها ويشهد بعد ذلك , وقد ذكر الإشهاد عقيب الفرقة ثم لم يكن شرطا في صحتها , كذلك الرجعة).
فالأمر في هذه الآية محمول على الندب لا على الوجوب , مثل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ (البقرة:282)، فقد اتفق جمهور الفقهاء على صحة البيع بلا إشهاد , فكذا استحب الإشهاد على الرجعة للأمن من الجحود , وقطع النزاع , وسد باب الخلاف بين الزوجين.
٢- لما كانت الفرقة حقا للزوج وجازت بغير إشهاد إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره وكانت الرجعة أيضا حقا له , وجب أن تجوز بغير إشهاد.
٣- لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك أو الفرقة احتياطا لهما ونفيا للتهمة عنهما إذا علم الطلاق ولم يعلم الرجعة أو لم يعلم الطلاق والفراق , فلا يؤمن التجاحد بينهما , ولم يكن معنى الاحتياط فيهما مقصورا على الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة بل يكون الاحتياط باقيا , وإن أشهد بعدهما وجب أن لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ساعتين.
٤- روى عن ابن جريج عن عطاء قال: (الطلاق والنكاح والرجعة بالبينة)، فذلك محمول على أنه مأمور بالإشهاد على ذلك احتياطا من التجاحد لا على أن الرجعة لا تصح بغير شهود , لأنه ذكر الطلاق معها ولا يشك أحد في وقوع الطلاق بغير بينة ؟ زيادة على أنه قد روى شعبة عن مطر الوراق عن عطاء والحكم قالا: (إذا غشيها في العدة فغشيانه رجعة).
٥- أن الرجعة مثل النكاح من حيث كونها امتدادا له , ومن المتفق عليه أن استدامة النكاح لا تلزمها شهادة , فكذا الرجعة لا تجب فيها الشهادة.
٦- أن الرجعة حق من حقوق الزوج وهي لا تحتاج لقبول المرأة , لذلك لا تشترط الشهادة لصحتها.
٧- أن تأكيد الحق في البيع في حاجة إلى إشهاد أكثر من الرجعة ; لأن البيع إنشاء لتصرف شرعي , أما الرجعة فهي استدامة الحياة الزوجية أو إعادتها , فلما صح البيع بلا إشهاد صحت الرجعة بلا إشهاد من باب أولى.
القول الثاني: الإشهاد على الرجعة واجب، وهو قول الشافعي في القديم من المذهب وأحمد في الرواية الثانية، وهو قول الظاهرية، وقد اشتد ابن حزم في وجوب الإشهاد حتى قال: (من أيقنت امرأته أنه طلقها ثلاثا , أو آخر ثلاث أو دون ثلاث , ولم يشهد على مراجعته إياها حتى تمت عدتها ثم أمسكها معتديا: ففرض عليها أن تهرب عنه - إن لم تكن لها بينة - فإن أكرهها فلها قتله دفاعا عن نفسها، وإلا فهو زنى منها إن أمكنته من نفسها - وهو أجنبي - كعابر السبيل فحكمه في كل شيء حكم الأجنبي) وقد استدل اصحاب هذا القول على قولهم بما يلي:
1- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ (الطلاق:2)، قال ابن حزم: (فقد فرق تعالى بين المراجعة , والطلاق والإشهاد , فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض , وكان من طلق ولم يشهد ذوي عدل , أو راجع ولم يشهد ذوي عدل , متعديا لحدود الله تعالى).
2- عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أنه سأله رجل عمن طلق امرأته طلاقا رجعيا ثم وقع بها ولم يشهد , فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة , أشهد على ذلك ولا تعد.
3- أن الرجعة استباحة بضع محرم فيلزمه الإشهاد.
ونحن نختار القول الثاني الذي ذهب الى وجوب الإشهاد على الرجعة لدلالة القرآن الكريم عليه، وذلك لاعتبار المصالح المنجرة عن القول بذلك، فالإشهاد على الرجعة يجعل منها أمرا له قيمته في نفس المرتجع، بحيث لا يكون نزوة نفس أو فلتة خاطر، قد يعقبه الطلاق، فتقل بذلك فرص الرجعة خاصة على القول بأن المعاشرة والمباشرة ونحوهما تدلان على الرجعة، ولو من غير نية الارتجاع.
زيادة على أن الإرجاع من غير إشهاد قد يجعل المرء يتساهل في الرمي بالطلاق، فيطلق متى شاء، لعلمه بيسر المراجعة، بخلاف ما لو شدد عليه، فقد يردعه ذلك من أن يتساهل في هذا، وهو من مقاصد الشريعة في تضييق منافذ الطلاق.
وقد اخذ قانون الاحوال الشخصية اليمني بالقول الثاني الذي ذهب الى وجوب الإشهاد على الرجعة ، وفي هذا المعنى نصت المادة (76) احوال شخصية على أنه (إذا كانت الرجعة بالقول فيجب على الزوج الإشهاد عليها وإعلام الزوجة بها فإن كانت مجنونة فإعلام وليها).
الوجه السابع: إعلام الزوجة بالرجعة:
اختلف الفقهاء في هذه المسالة على قولين:
القول الاول: أن الرجعة لا تفتقر إلى إعلام الزوجة بالرجعة، وهو قول جماعة من الفقهاء ، وقد ادعى ابن قدامة الإجماع على ذلك، قال ابن قدامة :(الرجعة لا تفتقر إلى ولي , ولا صداق , ولا رضى المرأة , ولا علمها. بإجماع أهل العلم) ، واستدل اصحاب هذا القول بما ياتي:
١- الرجعة إمساك للزوجة , واستبقاء لنكاحها , ولهذا سمى الله تعالى الرجعة إمساكا , وتركها فراقا وسراحا , فقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (الطلاق:2)، وفي آية أخرى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة:229)، فلاحاجة لإعلام الزوجة بالرجعة.
٢- إنما النكاح تشعث بالطلقة وانعقد بها سبب زواله , فالرجعة تزيل شعثه , وتقطع مضيه إلى البينونة , فلم يحتج لذلك إلى ما يحتاج إليه ابتداء النكاح، ومن ذلك الإعلام، ومع ذلك فقد اتفق هولاء الفقهاء على استحباب إعلام الزوجة بالرجعة ; لما فيه من قطع المنازعة التي قد تنشأ بين الرجل والمرأة.
أما إن تزوجت بعد عدتها، وادعى رجعتها فإنه لا يقبل منه، قال مالك: وبلغني أن عمر بن الخطاب قال في المرأة يطلقها زوجها , وهو غائب عنها ثم يراجعها فلا تبلغها رجعته , وقد بلغها طلاقه إياها فتزوجت أنها إن دخل بها زوجها الآخر , أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأول الذي كان طلقها إليها، قال مالك: وهذا أحب ما سمعت إلي في هنا وفي المفقود.
القول الثاني: وجوب إعلام الزوجة بالرجعة، فدعوى الإجماع على عدم وجوب الاشهاد غير صحيحة، فقد ذهب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه – وعمران بن الحصين والحسن البصري وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب وابن حزم وابن سيرين إلى وجوب إعلام الزوجة بالرجعة .
فقد فقال ابن حزم : (إنما يكون البعل أحق بردها إن أراد إصلاحا - بنص القرآن ومن كتمها الرد , أو رد بحيث لا يبلغها , فلم يرد إصلاحا بلا شك , بل أراد الفساد , فليس ردا ولا رجعة أصلا).
وروي عن الحكم بن عتيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال في امرأة طلقها زوجها : فأعلمها , ثم راجعها ولم يعلمها حتى تنقضي عدتها: فقد بانت منه. وروي عن إبراهيم النخعي انه قال: قال عمر بن الخطاب إذا طلق امرأته فأعلمها طلاقها , ثم راجعها فكتمها الرجعة حتى انقضت العدة: فلا سبيل له عليها.
وروى شريح القاضي عن جابر بن زيد , قال: تماريت أنا ورجل من القراء الأولين في المرأة يطلقها الرجل ثم يرتجعها , فيكتمها رجعتها ؟ فقلت أنا: ليس له شيء فسألنا شريحا القاضي ؟ فقال: ليس له إلا فسوة الضبع.
وروى عن ابن سيرين انه قال: سأل رجل عمران بن الحصين فقال: إنه طلق ولم يشهد , وراجع ولم يشهد ؟ فقال له عمران: طلقت بغير عدة , وراجعت في غير سنة , فأشهد على ما صنعت.
وروى الحسن بن رواح عن سعيد بن المسيب انه قال: سألت عن رجل طلق سرا , وراجع سرا ؟ فقال: طلقت في غير عدة , وارتجعت في عماء , أشهد على ما صنعت ؟
وروي عن الحسن البصري انه قال: إذا طلق امرأته ثم راجعها في غيب أو مشهد , ولم يعلمها بالرجعة حتى انقضت العدة , فلا سبيل له عليها.
ونحن نختار القول الثاني في المسألة هو قول ابن حزم والقول المروي عن جماعة من الصحابة والتابعين- رضي الله عنهم - ، لان المرأة طرف في الرجعة، فلا يصح تجاهلها، ولأن الذي أرجع زوجته دون أن يعلمها، يكون غير مبال بالرجعة ولا عارف قيمتها الشرعية، وبالتالي قد يرجعها ليطلقها، وينقص من فرص التطليق التي وضعها له الشرع.
وبناء على هذا، فإن المرأة إن انقضت عدتها، دون علمها بإرجاع زوجها لها تكون قد بانت منه، فإن رغب في رجعتها كان له ذلك بعد موافقتها بعقد جديد ومهر جديد، أما أن يأتي بعد العدة، ويخبرها بأنه قد أرجعها قبل انتهائها، فلا عبرة بقوله، بل علامة صدقه في قوله أن يبذل لها ما أعطاها الشرع.
وقد اخذ قانون الاحوال الشخصية اليمني بالقول الثاني الذي ذهب الى وجوب إعلام الزوجة برجعتها القولية مطلقا اي في كل الأحوال التي تكون فيها الرجعة القولية أما الرجعة الفعلية فان الزوجة قد علمت بذلك حين الفعل، وفي هذا المعنى نصت المادة (76) احوال شخصية على أنه: (إذا كانت الرجعة بالقول فيجب على الزوج الإشهاد عليها وإعلام الزوجة بها فإن كانت مجنونة فإعلام وليها).
فمن حسنات قانون الأحوال الشخصية اليمني أنه اشترط عند رجعة الزوج لزوجته أن يتم إعلامها بذلك، حتى يكون من المعلوم لها أن الزوج قد ارجعها إلى الحياة الزوجية وأنه ينبغي عليها التعامل مع الأمر على هذا الأساس، وأن حقوقها وواجباتها الزوجية قد عادت لها بموجب الرجعة.
ولم يشترط النص القانوني السابق وسيلة معينة (لإعلام) الزوجة بالرجعة، وبناءً على ذلك يجوز إعلامها شفاهة أو كتابة ،فالغاية من إعلان الزوجة تستدعي الإشهاد على حصول الإعلام، ومن جهتنا فإننا نوصي بأن يتم إعلام الزوجة بكتاب علم الوصول أو الاشهاد على إعلان الزوجة بالرجعة نظراً للآثار الشرعية البالغة الخطورة المترتبة على الإختلاف بشأن حصول الإعلام من عدمه.
الوجه الثامن: صعوبة إثبات الرجعة الفعلية:
ذكرنا فيما سبق أن الرجعة تصح بمعاشرة الزوج لزوجته المطلقة رجعياً، ومن المؤكد أنه يتعذر إثبات الرجعة في هذه الحالة عن طريق شهادة الشهود، الا اذا اقر الزوجان بذلك بعد وقوع الفعل.
ولذلك فإن إثبات الرجعة الفعلية غالباً يتم عن طريق التصادق بين الزوج والزوجة ، كأن تقر الزوجة بأن الزوج عاشرها أثناء عدتها فيصادقها الزوج على ذلك، أو أن يدعي الزوج بأنه عاشرها أثناء عدتها فتصادقه على ذلك.
الوجه التاسع: إثبات الرجعة عند الخلاف بين الزوجين على وقوع الرجعة:
إذا اختلف الزوج ومطلقته بشأن وقوع الرجعة فإن القول في هذا الشأن قول من ينكر وقوع الرجعة، طالما ان الطلاق ثابت، ،فإستصحاب الطلاق السابق يقتضي ان يكون القول عند الاختلاف بشان الرجعة هو قول منكر وقوع الرجعة ، وفي هذا المعنى نصت المادة (77) أحوال شخصية على أنه (إذا اختلف الرجل والمرأة بعد إنقضاء العدة على حصول الرجعة فالقول لمنكرها)، لان الخلاف بشأن وقوع الرجعة لا يتصور إلا بعد إنقضاء العدة، وقد صرح النص السابق أنه عند الإختلاف بشأن وقوع الرجعة فإن القول ألفاصل في هذا الخلاف هو قول منكر وقوع الرجعة ، لأن الأصل العدم، ويتعذر إثبات العدم، وعلى من يدعي خلاف العدم أن يثبت ذلك، ومؤدى ذلك أنه على من يدعي وقوع الرجعة أن يثبت ذلك بوسائل الإثبات المقررة شرعاً، فالقول لمنكر الرجعة يكون عند عدم وجود أدلة إثبات لوقوع الرجعة.
الوجه العاشر: تقديم وثيقة شهادة الرجعة على شهادة الشهود :
في هذا الشأن نصت المادة (17) من قانون التوثيق اليمني على أن (يمارس الأمين المهام التالية –أ- تحرير عقود الزواج وشهادات الطلاق والرجعة على النماذج الرسمية المعدة لذلك).
وعند التأمل في النص القانوني السابق يظهر أنه قد اعتبر نموذج الرجعة شهادة بوقوع الرجعة، ولذلك فإن شهادة الرجعة هي الوسيلة الرسمية المعدة قانوناً لإثبات الرجعة في القانون اليمني سيما ان نموذج شهادة الرجعة يتم توثيقه في قلم التوثيق او القنصلية وعندئذ يصير محررا رسميا له حجيته القانونية وفقا لقانون الاثبات.
ويتم تكييف شهادة الرجعة على أنها وثيقة رسمية تتضمن إقرار الزوج بالرجعة المشهود عليه، والواجب أن يكون تاريخ تحرير شهادة الرجعة هو ذاته تاريخ الإرجاع وهو تاريخ حضور الزوج المطلق إلى قلم التوثيق او القنصلية او الامين الشرعي وطلبه تحرير شهادة الرجعة ،لأن بعض الأزواج المكايدين يذهب إلى الأمين الشرعي بعد إنقضاء عدة الزوجة ويدعي أنه قد ارجع الزوجة في تاريخ سابق لتاريخ حضور المطلق إلى مكتب الامين لتحرير شهادة الرجعة حيث يدعي في هذه الحالة انه قد سبق له أن تلفظ برجعة الزوجة أثناء عدتها، ومن وجهة نظرنا أن طلب تحرير شهادة الرجعة في هذه الحالة لا يقبل إلا إذا اثبت الزوج إرجاعه للزوجة في العدة عن طريق شهادة الشهود، لأن تحرير الشهادة بعد إنقضاء العدة يحدث إشكاليات ومخاطر لا حصر لها.
وعلى هذا الأساس فان نموذج شهادة الرجعة يتم العمل بموجبه اذا عارضته شهادة الشهود حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه الحادي عشر: إثبات أن الرجعة قد وقعت أثناء العدة:
تختلف عدة الزوجة المطلقة التي يقوم الزوج بإرجاعها تختلف عدتها بإختلاف وصفها ، فإذا كانت الزوجة حاملاً فإن عدتها تمتد حتى تضع حملها وإن كانت من ذوات الحيض والإقراء فإن عدتها ثلاث حيضات أو ثلاثة اقراء ، وإن كانت من غير ذوات الحيض فإن عدتها ثلاثة أشهر، وعلى هذا الأساس تكون عدة الحامل معلومة لا خلاف بشأنها وكذا عدة ذات الأشهر – وتبعاً لذلك فلا يقع الخلاف إلا بشأن عدة ذات الحيض، فإذا وقع الخلاف بشأن وقوع الرجعة في عدة ذات الحيض فإن القول في هذا الخلاف يكون قول المطلقة ، لأن إنقضاء الحيضات لا يعلم إلا من جهتها، وفي هذا المعنى نصت المادة (78) أحوال شخصية على أنه (إذا أدعت المرأة أن عدتها قد انقضت ولا منازع لها في ذلك صدقت بيمينها مالم يغلب على الظن كذبها). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطلاق وفسخ الزواج، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٥٣). والله أعلم.
