تعارض الإقرار مع الشهادة

تعارض الإقرار مع الشهادة

 أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

تعارض الإقرار مع الشهادة في القانون اليمني
تعارض الإقرار 

يقع التعارض بين الشهادة والاقرار امام القاضي حينما يستدل الخصم امام المحكمة بشهادة شاهدين على ثبوت حقه لدى خصمه، فيرد خصمه بعدم وجود المدعى به لديه، ويستدل على صحة رده بإقرار المدعي بعدم وجود الحق المدعى به او إنقضائه.

 وضمن السلطة التقديرية لقاضي الموضوع في الأخذ بالادلة المعروضة عليه من الخصوم اثناء نظره للخصومة فان القاضي يستعين بمرجحات للترجيح بين الشهادة والاقرار، وبناء على نتائج هذا الترجيح فان القاضي قد يرجح احدهما على الاخر، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٢/١٠/٢٠١٦م، في الطعن رقم (٥٨٠٤٩)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (ان الطاعن نعى على الحكم الإستئنافي المطعون فيه انه استند الى شهادة مضطربة يعارضها إقرار صريح من مورثة المطعون ضدهم بان المنزل هو ملك زوجها وليس ملكها، والدائرة: تجد ان الحكم الإستئنافي قد ناقش نعي الطاعن ، ومن خلال توصل الحكم الإستئنافي الى نتيجة موافقة للشرع والقانون ، مما يستوجب رفض الطعن) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: المقصود بالتعارض بين شهادة الشهود والإقرار:

  قال العلامة التهانوي ان التعارض بين البينتين هو إختلافها بان تثبت إحدهما مانفته البينة الاخرى حيث لايمكن الجمع بينهما.

ويقع التعارض بين الشهادة والاقرار امام القاضي حينما يستدل الخصم امام المحكمة بشهادة شاهدين على ثبوت حقه لدى خصمه، فيرد خصمه بعدم وجود المدعى به لديه ويستدل على صحة رده بإقرار المدعي بعدم وجود الحق المدعى به او إنقضائه.

الوجه الثاني: السلطة التقديرية الواسعة للقاضي في الترجيح بين الشهادة والإقرار عند تعارضهما:

منح قانون الاثبات اليمني وقانون المرافعات اليمني منحا القاضي الذي ينظر النزاع سلطة تقديرية واسعة في الترجيح بين شهادة الشهود وبين الاقرار حينما يتعارضا في شئ واحد منظور امام القاضي ، شريطة ان يكون الدليلان مقدما من الخصوم للمحكمة وان يكونا من ضمن اوراق القضية ، وشريطة ان لايخالف القاضي في ترجيحه نصا شرعيا أو قانونيا ٱمرا. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة ، أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٢١٩).

الوجه الثالث: المرجحات التي يستعين بها القاضي في ترجيحه بين الشهادة والإقرار عند تعارضهما:

مع ان القاضي بصفة عامة يتمتع بالسلطة التقديرية فيما يتعلق بالأدلة المعروضة عليه من قبل الخصوم حسبما سبق بيانه ، بيد ان القاضي يستعين عند مناقشته للشهادة المعارضة للإقرار ضمن اسباب الحكم يستعين القاضي بمرجحات عدة يمكن تلخيصها كما ياتي :

المرجح الاول: ترجيح المثبت على النافي:

فاذا كان الإقرار قد اثبت الحق محل الخلاف، في حين ان الشهادة نفت وجود ذلك الحق، فيرجح القاضي الإقرار، لان القاعدة: ان المثبت مقدم على النافي حسبما هو مقرر في الفقه الاسلامي وقانون الاثبات اليمني.

المرجح الثاني: ترجيح الصريح والواضح على الضمني والغامض:

فإذا كانت الشهادة غير واضحة او غير صريحة، وكان الإقرار صريح وواضح فيرجح القاضي الإقرار.

المرجح الثالث: ترجيح المتاخر على المتقدم:

فاذا كان الإقرار متاخر على الشهادة فيرجح القاضي الإقرار.

المرجح الرابع: ترجيح الإقرار القضائي على الشهادة:

فاذا كان الإقرار قد صدر من الخصم امام القاضي في معرض الإستدلال على الحق المتنازع عليه فيرجح القاضي الاقرار القضائي.

المرجح الخامس: ترجيح الدليل الصحيح السليم على غيره:

دليل الاثبات الصحيح هو الدليل الذي توفرت فيه كافة الأركان والشروط الشرعية والقانونية ، فاذا تحققت في الشهادة كافة الاركان والشروط المطلوبة في حين تخلفت في الاقرار بعض اركانه او شروطه، فيرجح القاضي الشهادة.

المرجح السادس: ترجيح الدليل المباشر على غيره:

الدليل المباشر هو الدليل الذي يساق خصوصا لإثبات الواقعة او الحق محل النزاع، والدليل غير المباشر هو يتم ذكره في سياق الاستدلال على مسائل او مسالة اخرى، فاذا كانت الشهادة قد انصبت مباشرة على الحق او الواقعة المتنازع عليها في حين كان الاقرار قد تضمن عدة مسائل منها الواقعة او الحق المتنازع عليه، ففي هذه الحالة يرجح القاضي الشهادة على الإقرار.

المرجح السابع: ترجيح الدليل الذي توافق عليه الخصمان:

فاذا توافق الخصمان على ماورد في شهادة الشهود ، فيرجح القاضي شهادة على الإقرار ، والعكس صحيح.

المرجح الثامن: ترجيح الدليل بحسب مرتبته:

الإقرار أعلى مرتبة من الشهادة ، لان المقر لايتهم بالكذب على نفسه في حين ان الشاهد قد يتهم بالكذب على غيره ، ولذلك يرجح القاضي الإقرار على الشهادة.

المرجح التاسع: الترجيح بالكثرة:

اذا كان شهود الإقرارأاكثر من شهود نفي ماورد في الاقرار ، فيرجح القاضي ماورد في الإقرار.

المرجح العاشر: ترجيح الدليل الذي لم يعترض عليه الخصم :

اذا وقع الإعتراض على الإستدلال بالشهادة،في حين لم يقع الإعتراض على الاستدلال بالإقرار ، فيرجح القاضي الإقرار.

المرجح الحادي عشر: ترجيح الشهادة على إقرار المرأة لقريبها:

استقرت احكام القضاء في اليمن منذ امد بعيد على عدم العمل بتنازل النساء لاقاربن مالم هناك مقابل او مناسب يتم تقديره من قبل خبيرين وتقوم المرأة بقبضه حقيقة، لان إقرار المرأة قد يصدر عن جهل او خوف او حرج من قريبها، ومن المعلوم ان إقرار المراة بحق لقريبها في معنى التنازل، ولذلك لاحظنا ان الحكم محل تعليقنا قد رجح الشهادة على اقرار المرأة لزوجها بان بيتها ملك لزوجها.

الوجه الرابع: متى يقع التعارض بين الشهادة والإقرار:

يقع التعارض بين الشهادة والإقرار عندما يكون محلهما إثبات او نفي واقعة واحدة محل خلاف بين الخصمين ، ويقع التعارض عندما يتعذر العمل بالدليلين معا، كما ان التعارض لايقع الا عندما يتساوى الاقرار والشهادة من حيث قوتهما ودلالتهما ومن حيث زمنهما.

الوجه الخامس: وجوب مناقشة القاضي للمرجحات ضمن أسباب الحكم:

إن كان الأخذ بالأدلة وطرحها يخضع للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع، بيد ان قاضي الموضوع ملزم بمناقشة سبب اخذه بالدليل او طرحه للدليل ، ومؤدى ذلك أن قاضي الموضوع ملزم بان يناقش ضمن اسباب حكمه المرجحا ت التي جعلته يأخذ بالدليل او يطرحه اي انه ينبغي على القاضي ان يشير الى اوجه الترجيح بين الادلة ضمن اسباب حكمه. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة ، ا.د.عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٢٢١)، والله أعلم.